الآليات العلاماتية ودورها في التوجيه الدلالي والانتقاء اللغوي
الإسهام الحضاري للغة الأم: حتمية التعريب في منظومة التعليم الجامعي العربي
محاور المقال
|
– المقدمة: إشكالية تعريب العلوم بين التجاذبات الفكرية وضرورة التفاعل الحضاري. – التعليم الجامعي واللغة الأجنبية: الواقع والأثر: تداعيات التدريس بلغات وافدة على التحصيل العلمي. – التجربة السورية في التعريب: تقييم مئوية التدريس الطبي باللغة العربية ومكتسباته. – المردود الإيجابي للتدريس باللغة الأم: مؤشرات الاستيعاب الأكاديمي وخفض نسب التعثر. – تفنيد معوقات التعريب: مقاربة تحليلية لكتب المراجع، والمصطلحات، وكفاءة التدريس، وهجرة الترجمة. – رؤى مقارنة لتجارب الأمم: استراتيجيات الدول في التمكين للغاتها الوطنية. – خاتمة علمية: التوصيات المنهجية نحو قرار سيادي استراتيجي. |
المقدمة
شهدت الساحة الفكرية والعلمية منذ انبثاق دعوات تعريب العلوم جدليات واسعة النطاق بين تيارات رافضة وأخرى مؤيدة. وعلى النقيض من الفعل التنفيذي للتعريب ذاته، اتسمت المعالجة بضبابية تنظيمية أفرزت تجاذبات وتخبطات نزعت عنها طابع المنهجية، مما جعل تجاربها –رغم نجاحاتها– عرضة للتشكيك الدائم. وفي ظل العصر الراهن الذي يتسم بسباق معرفي محموم تحركه دوافع سياسية واقتصادية، بات لزاماً تقييم قدرة الأمة على الإسهام في الحضارة الإنسانية وتطوير بنيتها العلمية.
تستند هذه الرؤية إلى حقيقة علمية راسخة أثبتتها الدراسات؛ وهي أن استيعاب العلوم والتميز فيها لا يتأتى إلا عبر اللغة الأم. وعليه، فإن الحفاظ على حيوية اللغة وتواصلها مع منجزات العلم ليس مجرد خيار قومي أو ديني فحسب، بل هو ضرورة إبستيمولوجية بحتة؛ فاللغة وعاء التفكير وأداته. ومن هنا تبرز إشكالية التفكير بلغة والتعبير عنه بلغة أخرى، ومدى جدواها مقارنة بتوحيد النسق المعرفي داخل مؤسسات التعليم العالي العربية.
التعليم الجامعي واللغة الأجنبية: الواقع والأثر
أفرزت موروثات الحقبة الاستعمارية في المنطقة العربية تحولاً قسرياً في التدريس العلمي نحو لغة المستعمر؛ الإنجليزية في المشرق والفرنسية في المغرب. وقد تحول هذا النهج إلى مُسلَّمة مجتمعية تُقابل أي محاولة لمناقشتها بهجوم نقدي يدمي بالتقزم والتخلف. غير أن الواقع العملي للتدريس باللغة الأجنبية في كليات الطب والعلوم أفرز بنية أكاديمية مشوهة ومشتتة لجهود الطلاب، الذين يعجزون عن مجاراة الإيقاع التدريسي بلغة لم يتقنوها بشكل كافٍ بعد مرحلة التعليم الثانوي.
يوثق الدكتور عادل جرار هذا الخلل في الجامعة الأردنية، مشيراً إلى لجوء المحاضرين إلى الشرح باللهجة العامية مع إقحام مصطلحات إنجليزية غير معربة، في حين يُلزم الطالب بالرجوع إلى المراجع الأجنبية، مما يضاعف من حجم الفجوة الاستيعابية.
وفي سياق متصل، يصف الدكتور خالد بن عبدالغفار آل عبدالرحمن، عميد كلية الطب بجامعة الإمام، هذا الواقع بأنه “هزيمة نفسية”، إذ يتخرج الطالب وهو عاجز عن صياغة صفحة واحدة بلغة سليمة، ويعتمد على الملخصات هرباً من بطء القراءة والمراجع الأصلية.
بينما يؤكد الدكتور عبدالملك أبو عوف، الأستاذ بكلية الصيدلة بجامعة القاهرة، من خلال تجربته في تدريس الكيمياء العضوية بجامعة دمشق، أن فهم الطلاب للمحاضرة بلغتهم الأم أعفاهم من بذل جهد مضاعف لفك شفرات المفردات الأجنبية، مما انعكس إيجابياً على كثافة تحصيلهم مقارنة بأقرانهم في القاهرة.
وقد عزز السيد فراج هذه الإشكالية بالإشارة إلى معاناة أعضاء هيئة التدريس أنفسهم من ضعف إتقان اللغة الأجنبية، ليصبح الناتج التدريسي خليطاً هجيناً لا هو ربط الطلاب بتراثهم ولا مكنهم من استيعاب علوم الآخرين. وهو ما أيدته دراسة إحصائية أظهرت أن 93% من أساتذة كلية الهندسة بجامعة الملك سعود يستخدمون مزيجاً لغوياً، مما يحول دون تجذر العلم في نفوس الطلاب.
التجربة السورية في التعريب
تُعد تجربة تعريب الطب في سوريا –والتي انطلقت عام 1919 بتأسيس معهد الطب العربي الذي شكل نواة جامعة دمشق– النموذج الأرسخ والأطول عمراً في العالم العربي، حيث تجاوزت العقود التسعة. ورغم وعورة البدايات، نجح الرواد في تأليف المراجع وصياغة المصطلحات الطبية بكفاءة عالية جعلت خريجي هذه الكليات يضاهون نظراءهم في الدول الناطقة بالإنجليزية.
وقد أثبتت الدراسات والمسوحات أحقية هذه المنهجية، ومن أبرزها المسح الذي أجراه المجلس الصحي الأمريكي الدولي (AIHC) حول أداء خريجي الجامعات السورية عند انتقالهم للامتحانات الطبية الأمريكية. وأظهرت النتائج أن 32% وجدوا الانتقال سهلاً، و44% وجدوه صعباً بعض الشيء، بينما واجه 24% صعوبة، تركزت بالأساس في ضعف إجادة اللغة الإنجليزية وليس في المادة الطبية ذاتها. كما أشارت نتائج اختبارات المجلس التعليمي للأطباء الأجانب بالولايات المتحدة (ECFMG) إلى تفوق معدلات علامات الأطباء السوريين على المعدل الإجمالي للمتقدمين، مما دفع 85% من عينة الطلاب إلى إقرار نجاح التجربة مع المطالبة بتحديثها.
المردود الإيجابي للتدريس باللغة الأم
أظهرت استبيانات ودراسات تقييمية عديدة أجريت في جامعات مختلفة تفوقاً ملحوظاً للتعليم باللغة العربية على مستوى الاستيعاب والوقت المستغرق. ففي استبيان لجامعة الملك فيصل، أفاد 80% من طلاب الطب بأنهم يوفرون ثلث الوقت أو أكثر عند القراءة بالعربية مقارنة بالإنجليزية، وأكد 75% منهم أن قدرتهم على المناقشة والنقاش الشفوي تكون أفضل بلغتهم الأم.
وفي دراسة مماثلة بجامعة الملك سعود عام 1998، تبين أن نسبة استيعاب المحاضرات تتجاوز 90% عند استخدام العربية كلغة مساندة أو أساسية، مقارنة بـ49% عند إلقائها بالإنجليزية وحدها. كما أكد 46% من الطلاب حاجتهم لنصف الوقت التحصيلي إذا ما كُتبت المقررات بالعربية. وعلى صعيد نسب الرسوب، أظهرت دراسة دعمها مجمع اللغة الأردني انخفاض معدلات الرسوب في الكليات العلمية من 30% في ظل التدريس بالإنجليزية إلى 3% فقط عند التدريس بالعربية.
“لا يعني التمكين للغة الأم في التعليم العالي إهمال اللغات الأجنبية، بل ينبغي تطوير مناهجها لربط الخريجين بالمعايير العالمية كاختبارات (التوفل)، ليحصل الطالب على تأهيل دولي مزدوج.”
تفنيد معوقات التعريب
تتلاشى معظم المعوقات التي تُساق للحد من تعريب العلوم عند إخضاعها للتحليل الموضوعي، وتتلخص في المحاور التالية:
أ- مشكلة الكتاب الجامعي والمراجع العلمية:
يُنظر إلى الشُح في المراجع العربية كعقبة رئيسية، إلا أنه في عصر العولمة واقتصاديات الشركات العابرة للقارات، باتت كيانات كبرى مثل “مايكروسوفت” و”غوغل” تدعم المحتوى العربي وتستثمر في سوق يتجاوز 350 مليون مستهلك. وبناءً على ذلك، تستطيع المؤسسات الأكاديمية توقيع اتفاقيات استراتيجية مع دور النشر العالمية لإصدار طبعات عربية موازية للمقررات، مما يضمن تدفق المعرفة بالتزامن مع المجتمعات المتقدمة.
ب- مشكلة المصطلح:
على الرغم من جهود مكتب تنسيق التعريب واتحاد المجامع العربية، إلا أن بطء وتيرة الترجمة (تعريب 2500 مصطلح من أصل 7300 يُطرح سنوياً) يمثل إشكالية إجرائية. ولكن بالنظر إلى أن نسبة المصطلحات في الكتب العلمية لا تتجاوز 3% في المتوسط، فلا يوجد مبرر منطقي لوقف التعريب لهذا السبب، مع إمكانية إبقاء المصطلح الأجنبي كما هو داخل النص العربي لحين إقراره.
جـ- مشكلة المدرس الجامعي:
يعتاد أغلب أعضاء هيئة التدريس على الدراسة باللغة الأجنبية، مما يفقدهم القدرة أحياناً على التدريس الأكاديمي الرصين بالعربية، فيلجؤون للعامية. ومع ذلك، أظهرت استطلاعات جامعة الملك سعود أن 75% من أساتذة الهندسة يفضلون التدريس بالعربية، بينما أكد 85% منهم قدرتهم على تطبيقها حال توفر المراجع والمقررات.
د- الضعف والتشتت في حركة الترجمة:
يعاني الوطن العربي من ضعف كمي في الترجمة مقارنة بالمعايير العالمية (حيث يُترجم 1.2 كتاب لكل مليون نسمة مقارنة بـ100 كتاب في إسرائيل و250 في إسبانيا)، مع اقتصار نسبة الكتب العلمية المترجمة على 14%. ويتطلب هذا التحدي إرادة وقراراً سياسياً استراتيجياً يتجاوز الإمكانات القُطرية الفردية لتبني مشروع مؤسسي موحد للتعريب، على غرار ما قامت به فيتنام بقرار حاسم من قائدها (هوشى مينه) لفتمنة التعليم الطبي في غضون أشهر معدودة.
رؤى مقارنة لتجارب الأمم:
يُعد الحرص على تدريس العلوم باللغة القومية سمة مشتركة للدول الطامحة للسيادة والتقدم المعرفي. ففرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وتركيا، وصولاً إلى الصين –التي تعتمد لغة تصويرية معقدة– لم تتخذ من لغتها عائقاً أمام مواكبة العصر.
وتبرز هنا التجربة الإسرائيلية في إحياء العبرية كلغة ميتة لألفي سنة وتحويلها إلى لغة تدريسية لكافة العلوم التقنية والحاسوبية والهندسية بسواعد وجهود فردية ومؤسسية واجهت ذات العقبات التي يتذرع بها العرب اليوم. كما تؤكد دراسات البنك الدولي وتوصيات منظمة “اليونسكو” على أن ازدواجية لغة التعليم تستنزف الموارد المالية وتُهبط بالمستوى الأكاديمي، داعية إلى اعتماد اللغة الوطنية كلغة أساسية.
خاتمة علمية:
تُظهر المتابعة التاريخية والبحثية لقضية تعريب العلوم أنها لا تعدو كونها أزمة ذاتية بامتياز، تتأرجح بين التبعية النفسية والشعور بالدونية تجاه قدرة اللغة العربية. لقد أوجد هذا الانفصام حالة من الاستلاب عطلت الإسهام الحضاري للأمة، فلم تستفد من علوم الآخرين ولم تستند إلى إرثها التاريخي.
وقد أثبتت شهادات المنصفين، كالمفوض السامي الفرنسي في سوريا “السيد بونور”، أن لغة الضاد غنية بتراكيبها واشتقاقاتها وقادرة تماماً على التعبير عن مصطلحات العلم الحديث. وبذلك، فإن التخلي عن هذا التردي يستوجب استنهاضاً حضارياً يحاكي نداء الشاعر الإيطالي “بيترارك” حين وبخ قومه لتقاعسهم عن مجاراة الأمم السابقة في المعرفة والعلم، معلناً انطلاق عبقرية إيطاليا من سباتها.
