نقد إيجاب ربط الجملة الاسمية الحالية بالواو: دراسة في التكلف التأويلي

نقد “إيجاب” ربط الجملة الاسمية الحالية بالواو: دراسة في التكلف التأويلي

يقع النحاة الذين ذهبوا إلى “وجوب” ربط الجملة الاسمية الحالية بالواو في مأزق منهجي حاد؛ لأنهم بإصدار حكمهم بـ “شذوذ” كل جملة حالية خلت من هذا الربط، اضطروا إلى وصم آيات قرآنية كثيرة بالشذوذ أو التكلف، مما استدعى منهم صياغة تأويلات متعسفة لتبرير تلك الآيات، وهو ما يتضح في النماذج التالية:

أولاً: تأويل ابن الحاجب ومأزق “اجتماع الواوين”

ذهب ابن الحاجب إلى أن حذف الواو في الجملة الحالية “شاذ” استغناءً بالضمير[1]، وعندما واجه الآية الكريمة: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: 60]، سعى لتجنب وصمها بالشذوذ عبر تعليل لغوي مفاده: أن حذف الواو هنا جاء “كراهةً لاجتماع الواوين”، مقيساً ذلك على قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [الغاشية: 8]، مدعياً أنها معطوفة على ما قبلها وحُذفت الواو تخفيفاً[2].

نقد هذا التوجيه:

1)     اضطراب التعليل: إن القياس الذي ساقه ابن الحاجب يفتقر إلى الاتساق؛ فلو صح أن اجتماع الواوين (واو الحال وواو الابتداء في المبتدأ) علةٌ موجبة للحذف، لوجب حذف الواو في مواضع أخرى كثيرة وردت فيها الواوات متتالية، مثل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ… وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ [القيامة: 22-25]، حيث لم يمنع وجود “الواو” الأصلية في المبتدأ من إثبات واو العطف.

2)     بطلان العلة: العلة التي ساقها ابن الحاجب (كراهة اجتماع الواوين) لو كانت قاعدة لغوية، لشاع هذا الحذف في النحو العربي لكون التقاء الواو بكلمة مبدوءة بها حالة اعتيادية لا نادرة.

3)     غفلة عن الشواهد الخالية من العلة: حتى لو سلمنا جدلاً بصحة تعليل ابن الحاجب في آية الزمر، فما هو تبريره لآيات أخرى خلت من الواو ولم يبتدئ مبتدؤها بالواو أصلاً؟ مثل قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [إبراهيم: 50][3]. هنا لا توجد واو ثانية ليجتمعوا بها، ومع ذلك حُذفت واو الحال، مما يجعل تعليل ابن الحاجب ساقطاً أمام هذه الشواهد.

ثانياً: بطلان التفسير الشكلي مقابل التفسير المعنوي

إن الإصرار على “إيجاب” الربط بالواو حوّل النحاة من باحثين في “بلاغة القرآن” إلى مبررين “لشذوذ القرآن” – في نظرهم -. فبدلاً من إدراك أن حذف الواو في هذه الآيات كان لغرض بلاغي سامٍ يقتضي “اتحاد” الجملة بصاحبها (معنى الحال)، وإثباتها كان لغرض “استقلالها” (معنى المعية)، لجأوا إلى هذا التكلف اللفظي الذي لا يفسر المعنى بقدر ما يُعقد القاعدة.

الخلاصة:

إن تأويلات النحاة الموجبين للربط تفتقر إلى الأساس المعنوي وتعتمد على تبريرات شكلية متناقضة. فالمشكلة الحقيقية لم تكن في “الآيات” بل في “القاعدة النحوية” التي وضعوها، والتي لم تستوعب التنوع البلاغي في استخدام الواو، فجاءت تأويلاتهم لتستر ضعف القاعدة أمام سعة البيان القرآني، وهو ما يجعلنا ندعو إلى تجاوز هذه المآخذ والانتقال إلى دراسة “الواو” في ضوء المعنى السياقي لا في ضوء القواعد المتكلفة.

 

—————–

[1] شرح الوافية، ص221.

[2] شرح الوافية، ص221.

[3] سورة إبراهيم، الآية 50، الفريد في إعراب القرآن المجيد، لابن أبي العز الهمداني، (مخطوط)، ورقة 148.

ترك تعليق