دعوى زيادة الواو في النحو العربي: نقد وتوجيه
دعوى “زيادة الواو” في النحو العربي: نقد وتوجيه
لم يقل النحاة بزيادة الواو بين الحال وصاحبها، إلا أنهم قالوا بزيادتها في المواضع التي يمتنع فيها الربط بالواو بحسب قواعدهم؛ كالفعل الماضي الواقع حالاً بعد (إلا)، أو عند دخولها على الجملة الخبرية، أو الجملة الوصفية عند من أجاز دخولها عليها.
أولاً: موقف العلماء من “زيادة الحروف”
ابن جني: يرى أن الحروف لا يليق بها الزيادة ولا الحذف[1].
ابن إياز النحوي: نقل عن الخليل بن أحمد الفراهيدي رفضه لزيادة الواو، معتبراً إياه المذهب الأرجح؛ لأن زيادة الحروف تناقض وضعها النيابي عن الأفعال للاختصار[2].
ابن قيم الجوزية: أكد أن زيادة الواو غير معروفة في كلام العرب، ولا يليق بأسجح الكلام أن يتضمن حرفاً زائداً لغير معنى أو فائدة[3].
ثانياً: التناقض في دعوى الزيادة
يبرز الإشكال جلياً في كيفية إجازة النحاة لزيادة الواو في كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: 4][4]، وكيف تصح زيادتها وهي واجبة الذكر في نحو: “أقبل رجل وهو يضحك”؟ فالنحاة متفقون على وجوب ربط الجملة المصدرة بالضمير المنفصل بالواو، وأن حذفها غير مستساغ (حتى صرح الجرجاني بفساده). ومع ذلك، استساغوا حذفها في بيت الشعر: “فلما صرح الشر فأمسى وهو عريان” وقدروا القياس بحذفها[5].
كما يرد الإشكال في الحكم بزيادة الواو في الجمل الحالية الواقعة بعد (إلا) مجردة من الضمير، نحو: “ما أمطرت السماء إلا ونبت الزرع”.
ثالثاً: الحل البديل: إثبات “واو المعية”
يرى النحويين أن الواو في هذه المواضع ليست “زائدة” على الإطلاق، وإنما هي “واو المعية”. إذ يُعمد أحياناً إلى جعل الجملة “مفعولاً معه” بدلاً من جعلها خبراً أو صفة أو حالاً للاستغناء عن المعاني الأخيرة بمعنى المعية.
الاستغناء عن الخبر:
قد يحل المفعول معه محل الخبر ويسد مسده، إما شذوذاً كقولهم: “وهم عاقدي أزرهم”، أو قياساً كـ: “ضربي العبد مسيئاً”. ويُجمع النحاة على أن المبتدأ في “كل رجل وضيعته” لم يحتج لخبر، والتقدير: “كل رجل مع ضيعته”. فإذا جاز استغناء المبتدأ عن الخبر بواو المعية، فاستغناء الأفعال الناقصة عن أخبارها بها أولى.
الخلاصة:
إن “الزيادة” تعني لغوياً جواز الحذف والإتيان بالكلمة دون التأثر في المعنى، مع امتناع القياس عليها. وحين قال النحاة بزيادة الواو، فإنهم لم يلغوا معاني “المعية” فحسب، بل منعوا القياس عليها، وهو مأخذٌ يغلق الباب أمام دلالة لغوية معتبرة. وسبب وقوعهم في هذا المأخذ هو منعهم لوقوع المفعول معه “جملة”، مما اضطرهم إلى تجريد الواو من دلالتها وإعرابها “زائدة”.
———————
[1] سر الصناعة 1/ 271.
[2] قواعد المطارحة، ص205-206.
[3] التفسير القيم، ص424-425.
[4] البرهان 1/ 440-441، وروح المعاني 3/ 273-274.
[5] دراسة في حروف المعاني الزائدة، عباس محمد السامرائي، ص239-240.
[6] شواهد التصحيح والتوضيح لابن مالك 1/ 170.
[7] المصدر نفسه والصفحة نفسها.
