الجمل الاسمية المتقدم خبرها على مبتدئها: دراسة في اضطراب القياس النحوي

الجمل الاسمية المتقدم خبرها على مبتدئها: دراسة في اضطراب القياس النحوي

وردت في القرآن الكريم جملٌ اسمية تقدَّم فيها خبرها على مبتدئها وخلت من الارتباط بالواو، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: 248]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: 7]، وقوله تعالى: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ [آل عمران: 146].

وقد تصدى أبو جعفر النحاس[1] (وهو بصري) والطبري[2] (من أتباع الكوفة) لإعراب الجملة الاسمية الحالية في الشاهد الأخير ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ، فذهبا إلى تقدير “واو” محذوفة لتصبح: “وقاتل ومعه ربيون”، وذلك انطلاقاً من أصلٍ مُقعَّد لديهما بأن القياس في الجملة الاسمية الحالية هو وجوب اقترانها بالواو.

أولاً: تساهل النحاة في ترك الواو مع شبه الجملة

على الرغم من إقرار النحاة بـ “القياس” القاضي بوجوب الربط، إلا أنهم عادوا وفرّقوا بين صيغ الجملة الاسمية الحالية في التطبيق والحكم. فعلى الرغم من تشددهم العام في اشتراط الواو، نجدهم قد تساهلوا في حالات معينة، وأبرزها ما إذا كان خبر الجملة الاسمية “شبه جملة” متقدماً على المبتدأ.

تصريحات النحاة:

نصّ كل من الجرجاني[3]، والمطرزي[4]، وابن كمال باشا[5] على أن الجملة الاسمية إذا تقدم فيها الخبر شبه الجملة على المبتدأ، فإن ترك الواو فيها يكون هو “الأكثر” فضلاً عن كونه جائزاً.

مذهب الأخفش: بل نُقل عن الأخفش مذهبٌ أبعد في هذا الاتجاه، حيث لم يُجزِ من الأصل مجيء “الواو” في هذا الضرب من الجمل الاسمية[6].

ثانياً: تناقض دعوى “الأصل” مع الواقع اللغوي

يثير هذا التطبيق تساؤلاً منهجياً حول دقة المعيار النحوي؛ فإذا كان حذف الواو وانفراد الجملة بالضمير هو “الأكثر” و”الأرجح” في لغة العرب (كما في قوله تعالى: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبيونَ﴾ حيث الخبر “معه” شبه جملة متقدم)، فكيف يستقيم إذن إعلان أن “الأصل” هو ربطها بالواو؟ وكيف يصحّ ادّعاء وجوب تقدير الواو المحذوفة في آيةٍ جاءت على الأكثر والأفصح لغةً وهو الحذف؟

إن هذا التناقض بين التنظير (الذي يفرض الواو كأصل) والتطبيق (الذي يرى حذفها هو الأكثر) يكشف عن تكلفٍ في افتراض القواعد، وغفلةٍ عن مرونة الأساليب البلاغية في القرآن الكريم التي لا تخضع للتقعيد الشكلي الصارم.

——————–

[1] القطع والائتناف، ص237.

[2] تفسير الطبري 7/ 265 (باعتبار الترقيم القياسي).

[3] دلائل الإعجاز، ص202.

[4] حاشية الدسوقي على مختصر التفتازاني لتلخيص المفتاح ضمن كتاب شروح التلخيص 3/ 153.

[5] أسرار النحو، ص139-140.

[6] شرح ألفية ابن مالك للهواري الأندلسي، (مخطوط)، ورقة 99.

ترك تعليق