موقف النحاة المجوزين من الجملة الاسمية الحالية الخالية من الواو: نقد وتأصيل
موقف النحاة “المجوزين” من الجملة الاسمية الحالية الخالية من الواو: نقد وتأصيل
يتبنى جمهور النحاة الذين “أجازوا” ربط الجملة الاسمية الحالية بالواو موقفاً متشدداً تجاه خلوّها منها؛ إذ يُجمعون على أن الأصل والقياس هو اقترانها بها، وأن انفرادها بالضمير يُعدّ قليلاً أو شاذّاً أو خارجاً عن الأفصح.
وفيما يلي تتبعٌ لهذه المواقف ونقدها في ضوء البيان القرآني:
أولاً: تنظير الجرجاني والسكاكي ومأزق الاستهجان
مذهب الجرجاني: صرّح في كتابه (دلائل الإعجاز) – الذي أُسِّس لبيان إعجاز القرآن وأسرار بلاغته – بأن «القياس والأصل ألا تجيء جملة من مبتدأ وخبر إلا مع الواو»[1][2]. بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين افترض تقدير الواو إن لم تكن ظاهرة[3]. وقد استهجن الجرجاني خلوّ الجملة الاسمية من الواو واصفاً إياها بالنفور، كقوله: «جاءني زيد السيف على كتفه… كلامًا نافرًا لا يكاد يقع في الاستعمال»[4].
مذهب السكاكي: سار السكاكي على ذات النهج، فمع إجازته للربط بالواو، إلا أنه اعتبر أمثلة عدم الربط «صورة معدودة ألحقت بالنوادر»[5][6].
مذهب الرضي: انسحب هذا الاعتقاد على الجملة الفعلية أيضاً؛ إذ نفى الرضي حالية الفعل الماضي في نحو “لأضربنه ذهب أو مكث” مؤكداً أنها لو كانت حالية لسُمع معها (قد) أو الواو بناءً على الأصل[7].
ثانياً: إجماع الجمهور على “أرجحية” الواو
يؤكد هذا الاتجاه حشدٌ من كبار النحاة الذين نصّوا على أن “الأكثر” في الجملة الاسمية الحالية هو ربطها بالواو، وأن مجيئها دونه قليل، ومنهم: ابن يعيش[8]، وابن مالك[9]، وابن الناظم[10]، والرضي[11]، وأبو حيان الأندلسي[12]، والأشموني[13]، وغيرهم[14]. ودائماً ما يستند هؤلاء في تقريرهم إلى شاهد العرب: “كلمته فوه إلى في”، معتبرين حذف الواو فيه – وفي نظائره كقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: 36] – مجيئاً على غير القياس[15][16][17][18][19][20][21]. بل صرّح مكي بن أبي طالب القيسي بصدد إعراب الآية السابقة أن «إثباتها في الكلام حسن»[22].
ثالثاً: نقد المأخذ النحوي في ميزان القرآن الكريم
يرى كاتب النص أن هذا الموقف النقدي للنحاة يمثل مأزقاً حقيقياً للقول بـ “واو الحال”.
فإطلاق وصف “النفور” أو “الندرة” أو “مجيء الآية على غير القياس” وحُسن إثبات الواو فيها، يصطدم بحقيقة أن القرآن الكريم نزل بأفصح لغة العرب على الإطلاق. فلو كان حذف الواو في الآية المذكورة (وبعضكم لبعض عدو) شاذّاً أو مرجوحاً، وإثباتها هو الحسن والأفصح، لورد بها النص القرآني. إن هذا التناقض يؤكد أن النحاة قعّدوا قاعدة شكلية (بناءً على توهم الأصل والقياس) وأغفلوا البلاغة المعنوية التي تقتضي حذف الواو تارة (لإفادة الحال والاندماج) وإثباتها تارة أخرى (لإفادة المعية والاستقلال).
——————-
[1] دلائل الإعجاز، ص202.
[2] المصدر نفسه، ص218.
[3] المصدر نفسه، ص219.
[4] دلائل الإعجاز، ص221.
[5] مفتاح العلوم، بتحقيق أكرم، ص488-489، وغيـر المحقق، ص50، 148.
[6] المصدر نفسه، غير المحقق، ص149.
[7] شرح الرضي 2/ 45-46.
[8] شرح المفصل 2/ 66.
[9] تسهيل الفوائد، ص112.
[10] شرح ألفية ابن مالك، ص135.
[11] شرح الرضي 2/ 41-42.
[12] البحر المحيط 1/ 163.
[13] شرح الأشموني 3/ 138.
[14] حاشية الصبان 2/ 190.
[15] إعراب القرآن للنحاس 1/ 164.
[16] مشكل إعراب القرآن 1/ 88.
[17] البيان في غريب إعراب القرآن 1/ 75.
[18] تفسير القرطبي 1/ 320.
[19] تفسير البيضاوي 1/ 143.
[20] المعاني 1/ 198.
[21] الفاخر في شرح جمل عبد القاهر، شمس الدين البعلي (مخطوط)، ورقة 107، ومغنى اللبيب 2/ 505.
[22] مشكل إعراب القرآن 1/ 88.
