إشكالية مجيء الحال من النكرة عند النحاة: دراسة نقدية وتوجيه

إشكالية مجيئ الحال من النكرة عند النحاة: دراسة نقدية وتوجيه

يُعدّ مجيء “الحال” من النكرة المحضة أحد أبرز المآزق التنظيرية في النحو العربي؛ إذ تتمسك القاعدة النحوية بأن صاحب الحال لا يكون نكرة إلا بمسوغ. وقد أدى هذا التشدد إلى اضطراب وتكلف في إعراب الجمل الحالية الواقعة بعد نكرات في القرآن الكريم، هرباً من إشكاليات القواعد الشكلية.

أولاً: التكلف في تسويغ الحال من النكرة

واجه جمهور النحاة مشكلة في إعراب الجملة الحالية المرتبطة بالواو إذا جاءت بعد نكرة محضة (نحو: قرية في سورة البقرة والحجر)، فهم إن أعربوها “صفة” اصطدموا بمانع فصل الواو بين الصفة والموصوف، وإن أعربوها “حالاً” اصطدموا بمانع مجيئها من النكرة.

للهروب من هذا المأزق، لجأ المعربون إلى تأويلات متكلفة:

تأويل النَّسَفي وأبي السعود: ادّعاء أن النكرة في حكم الموصوفة بتقدير محذوف، أو تقدير بدل من النكرة لتصبح الجملة تابعة للمقدر لا المذكور[5][6].

الهروب لإعراب الحال من الفاعل المستتر: ذهب فريق إلى إعراب جملة الحال (وهي خاوية) حالاً من فاعل مرّ (عزير) وليس من النكرة قرية[7].

نقد هذا الهروب (فساد المعنى): يؤدي هذا التوجيه إلى فساد بيّن؛ فالمعنى القرآني واضح في وصف “القرية” بالخَواء وليس وصف “عزير” بأنه قرية[8]. ومثله ما فعله العكبري في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ [آل عمران: 23]، حيث تكلّف إعراب الجملة حالاً من الضمير (هم) هرباً من تنكير (فريق)، مما أخلّ بالمقصود البلاغي المتمثل في وصف الفريق المعين بالإعراض دون غيرهم[9].

ثانياً: بطلان التقعيد في ميزان البيان القرآني

عالج النحاة وقوع “الواو” بين الصفة وموصوفها باعتبارها واواً حالية، لكنهم استبدلوا بإشكالٍ إشكالاً آخر مناظراً له. فلو أنهم أدركوا أن الواو في هذه المواضع هي “واو المعية” وليست واو الحال، لسلمت لهم المعاني واستقامت القواعد.

ميزة المفعول معه (الجملة):

إعراب الواو الدخيلة على الجملة بعد النكرة بـ “واو المعية” يريح النحاة من قيود (تعريف صاحب الحال أو تنكيره) ومن إشكالية (عود الضمير)؛ لأن الجملة حينئذ تكون مقترنة بالحدث لا وصفاً أو حالاً لصاحبها.

——————-

[1] شرح الرضي 2/ 102.

[2] شرح ابن عقيل 1/ 638، والمقاصد النحوية 3/ 225، وروح المعاني 4/ 273-274.

[3] الإقليد في شرح المفصل (مخطوط)، ورقة 51، وشرح عقود الجمان للسيوطي 1/ 226، وشرح الأشموني 3/ 38، وألفية ابن بونة، p. 155.

[4] حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1/ 215.

[5] تفسير النسفي 2/ 268-269.

[6] تفسير أبي السعود 3/ 141.

[7] البحر المحيط 2/ 291، والدر المصون (مخطوط)، ج2، ورقة 6، وتفسير الثعالبي 1/ 205، وتفسير أبي السعود 1/ 192، وحاشية الجمل على الجلالين 1/ 212، وروح المعاني 1/ 475.

[8] زاد المسير، تفسير ابن الجوزي 1/ 309.

[9] التبيان في إعراب القرآن 1/ 249.

 

ترك تعليق