حُكم آخِر الفِعل المؤكد بالنون
حُكم آخِر الفِعل المؤكد بالنون
تُمثّل نونا التوكيد (الثقيلة والخفيفة) أحد أسرار البلاغة الصرفية والنحوية في العربية، حيث تُلحقان بأواخر الأفعال لتأكيد معناها وتقويته، وتستأثر الثقيلة بكونها أشدّ دلالةً وأبلغ أثراً لإدغام نونين فيها. وتتنوّع أحكام آخِر الفعل عند توكيده تباعاً لصيغته وما يُسند إليه من ضمائر؛ فبينما يمتنع توكيد الماضي تماماً لفوّات زمانه، ويجوز توكيد الأمر مطلقاً لاستقباله، يخضع المضارع لأحكام تتردد بين الوجوب والامتناع والأنواع المتدرجة من الجواز. ويُحدث إلحاق النون بالمركّب الفعلي تحوّلات جليّة؛ فتتغير معالم البناء والإعراب بحسب المباشرة، فتُحذف نون الرفع من الأمثلة الخمسة منعاً لتوالي الأمثال، وتُحذف واو الجماعة وياء المخاطبة حذراً من التقاء الساكنين ما لم يكن الفعل معتلاً بالألف فتُحرّك الضمائر.
كما تبرز “الألف الفارقة” عند الإسناد لنون النسوة كفتر فكّي لمنع تضاعف النونات وتواليها، بينما يتجلّى بناء الفعل على الفتح المباشر عند تجرده من الضمائر البارزة المرفوعة. وتنعكس هذه التغيرات الصرفية والدلالية بوضوح تام لتعكس دقة النظام اللغوي واتساق قواعده مع الحركة والإعراب والتخفيف الصوتي.
أولاً: الفعل المضارع:
أ – توكيد الأمثلة الخمسة:
يُحذَف مِن الفِعل المضارع مع دخولِ نوني التوكيد – نون الرفْع، مِن الأمثلة الخمْسة (يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين)؛ وذلك لأنَّ النون في الأمثلة الخمسة علامةُ إعراب، ولأنَّ التوكيد علامةُ بناء، فلو جمع بينهما للزِمَ الجمع بين علامتيهما وهذا محال، وتشبه في ذلك حذْف النون مِن الأمثلة الخمْسة في حالة الجزْم والنصب، ومعنى هذا: أنَّ أفعال الأمثلة الخمسة عندَ توكيدها بنون التوكيد، فإنَّ نون الرفْع لا بدَّ محذوفة، إمَّا لتوالي الأمثال إذا كان مرفوعًا، وإمَّا لكونه مجزومًا إذا كان مجزومًا.
والأمثلة الخمسة تسند إلى ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة، وهذه (الألف والواو والياء) ضمائرُ تُعرَب فاعلاً.
وحُكم آخِر الفِعل المضارِع مِن هذا النوْع كالآتي:
أولاً: إذا كان الفِعل المضارِع صحيحَ الآخِر مسندًا إلى ألِف الاثنين مرفوعًا بثُبوت النون، فعند توكيده بالنون، تُحذَف نون الرفع؛ لتوالي الأمثال، ثم تُلحق به نون التوكيد، وتكون مبنيةً على الكسْر مع بقاءِ الألِف، فمثلاً في نحو: المحمدان يكتبان الدرس، نقول: المحمدان يكتبانْ الدرس، الأصل “يكتبانِ نْ“، حيث حُذفت نونُ الرفع لتوالي الأمثال وبقِيت ألف التثنية، أما إذا كان مجزومًا، (بحذف نونِ الإعراب)، فإنَّ نون التوكيد تلحَقه بعدَ ألِف التثنية، وتكون مبنيَّة على الكسْر أيضًا، فمثلاً في نحو: لتجلسا، نقول: لتجلسانّ.
ولقدْ أُجيز هنا التِقاءُ الساكنين، وهما ألِف الاثنين، والنون الأولى في نون التوكيد الثقيلة؛ لأنَّ ذلك مِن باب دابَّة وشابَّة، ولم تُحذفِ الألف لأنَّ ما قبلها مفتوح، ولو حُذفت لالتبس الفِعل المؤكَّد المسنَد إلى ألف الاثنين والمسنَد إلى المفرد المذكَّر أو المفردة الغائبة.
ثانيًا: إذا كان الفعلُ المضارِع مسندًا إلى واو الجماعة، فإنَّ نون الرفْع لا بدَّ محذوفة؛ إما لكونِ الفِعل مجزومًا، وإمَّا لتوالي الأمثال إذا كان الفِعل مرفوعًا.
وتُراعَى الأحكام التالية في آخِر الفعل:
أ– إنْ كان الفِعل المضارِع صحيح الآخر حُذفت واو الجماعة؛ لالتقاء الساكنين (واو الجماعة ونون التوكيد)، واكتُفي بالضمَّة قبلها دليلاً عليها، ولما كانتْ نون التوكيد غير مباشرة للفِعل؛ لأنَّها فصلت عنِ الفِعل بواو الجَماعة فإنَّ الفِعل يظلُّ في إعرابه على ما كان عليه قبل نون التوكيد، نحو: أنتم تسمعون، نقول عندَ التوكيد: أنتم تسمعن الأصْل فيه (تسمعونن)، حُذِفت نون الرفع أولاً لتوالي الأمثال، ثُم واو الجماعة لالتِقاء الساكنين، وضُمَّتْ عين الفِعل دليلاً على الواو المحذوفة – ونحو: لتفهموا، نقول عندَ التوكيد (لتفهمنّ)، والأصل فيه (لتفهمونن)، حُذِفت نون الرفع أولاً للجزْم، ثم واو الجماعة لالتِقاء الساكنين، وضُمَّتْ عين الفِعل دليلاً على الواو المحذوفة.
ب- إنْ كان الفِعل المضارِع معتلَّ الآخِر، كان حُكم آخره كالآتي:
1- يُحذف حرْفُ العلَّة؛ لإسناد الفعل إلى واو الجماعة.
2- إذا كان حرْفُ العلَّة المحذوف ألفًا (مفتوحًا ما قبلها) أبقيتْ واو الجماعة، وحُرِّكت بحركةٍ مجانِسةٍ لها (الضمَّة) نحو:
“هم يسعَوْن“ بفتح العين (دلالةً على أنَّ حرف العِلَّة المحذوف ألِف)، وضم الواو وحذف نون الرفْع، لتوالي الأمثلة ونحو (لتخشَوُنّ الله) بفتح الشين (عين الكلمة) وضم الواو، وحذف نون الرفْع؛ للجزم.
3- إذا كان حرْف العِلَّة المحذوف واوًا أو ياءً (مضمومًا ما قبلها)، حُذفِت واو الجماعة، وأبقيت الضمَّة قبلها دليلاً عليها قبلَ ذلك تُحذف نون الرفْع؛ لتوالي الأمثال أو للجزم، نحو: هم يرْجون الله، نقول فيها: هم يرجُنّ الله.
حيث حذف نون الرفْع لتوالي الأمثال، وحذف حرْف العِلَّة لالتِقاء الساكنين، وضمّ ما قبل الواو (الجيم هو عين الكلمة) دليلاً على الواو المحذوفة، ونحو:
لتعفوا عن المسيء، نقول فيها: لتعفنّ عن المسيء، حُذِفت نونُ الرفع للجزم، وحُذف حرْفُ العِلَّة لالتِقاء الساكنين، وضُمَّتِ الفاء (عين الكلمة) دَلالةً على الواو المحذوفة، ونحو: هم يهدون إلى الحق، نقول فيها: هم يهدنّ إلى الحق.
• حذف حرْف العِلة (الياء)؛ لإسنادِ الفعل إلى واو الجماعة.
• وحذف نون الرَّفْع؛ لتوالي الأمثلة، حيث أُسنِد إلى نون التوكيد.
• وحذف واو الجماعة لالتِقاء الساكنين، وضمّ عين الكلمة (الدال)؛ دلالةً على الواو المحذوفة.
ثالثًا: إذا كان الفِعل المضارِع مسندًا إلى ياء المخاطبة، فإنَّ نون الرفْع تُحذَف: إمَّا لتوالي الأمثال، أو للجزْم، ويُراعَى في آخِر الفِعل المضارِع الحُكمان التاليان:
أ – إذا كان الفِعل المضارِع المسنَد إلى ياءِ المخاطبة صحيحًا حُذِفت الياء، واكتُفي بكسْر ما قبلها دليلاً عليها، ويلاحظ أنَّ نون التوكيد في هذه الحالة تكون غيرَ مباشرة؛ لذلك يظلُّ الفِعل على حالته الإعرابيَّة قبل نون التوكيد، نقول في نحو (أنت تكتبين الدرس): أنت تكتبن الدَّرْس.
حذف نون الرفْع؛ لتوالي الأمثال، وحذف ياء المخاطَبة لالتِقاء الساكنين، وكسر لام الفعل المضارع (الباء)؛ دلالةً على الباء المحذوفة.
ب – إذا كان الفِعل المضارع معتلَّ الآخِر، فإنَّ حرْف العِلَّة يُحذف؛ لإسناد الفعل إلى ياء المخاطَبة.
• فإذا كان حرْف العلَّة ألفًا قبل حذْفه، أُبقيتْ ياء المخاطَبة، وحُرِّكت بحرَكة من جنسها (الكسرة)، وبقي ما قبلها (عين الكلمة) مفتوحًا.
نحو: أنت ترين، نقول فيه: أنت ترين.
حذفت نون الرَّفْع لتوالي الأمثال وبَقيتِ الياء وكسرتْ، وبقي الراء (عين الكلمة) مفتوحًا؛ دَلالةً على الألِف المحذوفة.
• وإذا كان حرْف العِلَّة المحذوف ياءً أو واوًا، فعند التوكيد تحذف ياء المخاطَبة؛ لالتِقاء الساكنين ويبقَى ما قبلها مكسورًا.
نحو: أنت تهدين إلى الخير، نقول فيه: أنت تهدن إلى الخير.
ونحو: أنت ترجين المثوبة، نقول فيه: أنت ترجن المثوبة.
توكيد الفِعل المضارع المسنَد إلى نون النِّسوة:
الفِعل المضارع المسنَد إلى نون النِّسْوة، نحو: “النساء يكتُبْنَ“، إذا أُريد توكيده بالنون فإنَّه سوف يَنتهي بتوالي ثلاثة أمثال: (نون النِّسوة، ونون التوكيد الثقيلة، وهي عبارة عن نونين مدغمتين)، ولما كانتْ نون النسوة (عُمدة) لا يجوز حذفُها؛ لأنَّها فاعل، ولما كانتْ نون التوكيد حتميَّة الاتِّصال بالفِعل بقصْد التوكيد – ومِن هنا لا يجوز حذفُها – فلأجل هذا تُغلِّب على توالي الأمثال بزِيادة ألِف تُسمى “الألف الفارقة“ تُضاف فاصلاً بين نونِ النِّسوة ونون التوكيد، ثم حُرِّكت نون التوكيد بالكسرِ كما حدَث مع نون التوكيد وألف الاثنين.
نرى ذلك في الأمثلة الآتية:
النساء يجلسن، نقول فيه حين التوكيد: النساء يجلسنانِ.
يا نساء لا تهملن، نقول فيه حين التوكيد: يا نساءُ لا تهملنان.
أنتن تخشين الله، نقول فيه حين التوكيد: هل أنتن تخشينانِ الله.
الفتيات يرجون الثوابَ، نقول فيه حين التوكيد: لترجونانِ الثواب.
توكيد الفِعل المضارع المسنَد إلى اسمٍ ظاهر:
إذا كان الفِعل مضارعًا مسنَدًا إلى اسمٍ ظاهر، مفردًا أو مثنًّى أو جمعًا مذكَّرًا أو مؤنثًا، وأُريد توكيده، فإنَّ نون التوكيد تؤثِّر فيه تأثيرًا مباشرًا حيث تردُّه مِن مضارعته الاسم وإعرابه لشبهِه به إلى أصْل الفِعل، فيبنى، ويكون بناؤه على الفتْح، بمعنى أنَّ الفِعل المضارع يتحوَّل مع نون التوكيد مِن الإعراب إلى البناء.
أ – إذا كان الفِعْل المضارِع صحيح الآخِر، فإنَّه يُبنى على فتْح آخِره؛ نحو:
يكتب زيدٌ.
تخرُج هند.
يَفهَم الزيدان.
نقول فيها حين التوكيد:
ليتكبن زيد.
هل تخرجن هند؟
ليفهمن الزيدان.
ب – إذا كان الفِعل المضارِع معتل الآخِر بالواو أو الياء، فإنَّه يُبنى على الفتْح فيهما، نحو: يدعو محمَّدٌ إلى الخير – يَهدي زيد إلى الرُّشْد.
نقول فيهما:
ليدعونَّ محمدٌ إلى الخير.
هل يهدينَّ زيدٌ إلى الرشد؟
جـ – إذا كان الفِعل المضارع معتلَّ الآخِر بالألف قُلِبت الألف ياءً وفُتحت.
نحو: يسعى محمَّد إلى الخير.
يخشى زيدٌ ربه.
نقول فيهما:
ليسعيَنَّ محمدٌ إلى الخير.
هل يخشيَنَّ زيد ربه؟
د – إذا كان الفِعل المضارِّع المعتلُّ الآخر، محذوفًا حرْف عِلَّته، وأردْنا توكيده، فإنَّ حرْف العِلَّة يردُّ إليه، ويُفْتَحُ إنْ كان واوًا أو ياءً، وإن كان ألفًا قُلِبت ياءً وفتِح أيضًا نحو: ليرج المؤمِن ربَّه (مجزوم بحذْف حرْفة العِلَّة الواو).
ليهد الزيدان إلى الرشد (مجزوم بحذفْ حرْف العلَّة الياء).
ليسعَ المسلِم إلى الخير (مجزوم بحذْف حرْف العلَّة الألف)، فإنَّنا نقول فيها عندَ التوكيد:
ليرجوَنَّ المؤمن ربَّه بفَتْح الواو بعد ردها إليه.
ليهديَن الزيدان إلى الرشد بفتْح الياء بعدَ ردِّها إليه.
ليسعين المسلِم إلى الخير بردِّ الألِف إليه وقلبها ياء وفتْحها.
توكيد الفِعل المضارع المسنَد إلى الضمير المستتر:
إذا كان الفِعل المضارِع مسنَدًا إلى ضمير مستتر (المخاطَب المفرد، والغائِب المفرد، والغائِبة المفردة)، وأُريد توكيدَه بالنون، فإنَّه يُبنَى على الفتْح بعد أنْ كان معرَبًا.
أ– فإنْ كان صحيح الآخِر، فُتِح آخِره عندَ توكيده بالنون نحو:
هل التلميذُ يفهمنَّ درسه؟
ب– وإنْ كان معتلاًّ بالواو أو الياء بُنِي على فتحهما نحو:
هل فاطمة ترجونَّ الله؟ وهل تخشين عقابه؟
جـ– وإنْ كان معتلاًّ بالألف، قُلِبت ياءً وفُتِحت، نحو:
هلِ التلميذ يسعين للنجاح؟
د– وإنْ كان الفِعل المضارِع مجزومًا بحذْفِ حرْف العِلَّة، ردَّ إليه حرْف العلِة، وبُني على الفتْح، وذلك عندَ توكيده، وذلك في مِثل:
• لتدعُ إلى الخير.
• لتهدِ إلى البِرّ.
• لتسع إلى النَّجاح.
حيث نقول عند توكيدِها بالنون:
• لتدعونَّ إلى الخير.
• لتهدين إلى البِرِّ.
• لتسعين إلى النَّجاح.
