أثر نوني التوكيد في بنية الفعل وإعرابه: دراسة تفصيلية في المضارع والأمر

أثر نوني التوكيد في بنية الفعل وإعرابه: دراسة تفصيلية في المضارع والأمر

مقدمة المقال

بعد أن استعرضنا في المقال الأول أحكام نوني التوكيد ومواضعهما وشروط توكيد الأفعال بهما، ننتقل في هذا المقال إلى جانب تطبيقي بالغ الأهمية، وهو بيان الأثر الذي تحدثه نون التوكيد في بنية الفعل وإعرابه. ذلك أن دخول النون على الفعل ليس مجرد إضافة صوتية عارضة، بل هو عملية تحويلية عميقة تعيد تشكيل الفعل من الداخل: في بنيته الصرفية، وفي حكمه الإعرابي، وفي دلالته الزمنية. ولذلك أفرد النحاة لهذا الجانب فصولًا مطولة، وتتبعوا كل صورة من صور إسناد الفعل، وحددوا لكل صورة حكمها الخاص. وتهدف هذه الدراسة إلى إعادة عرض هذه الأحكام بصورة منهجية واضحة، مع بيان العلل والصوتية التي تحكمها، والاستشهاد بالأمثلة والشواهد التي توضحها.

 حكم آخر الفعل المؤكد بالنون في الفعل المضارع

 حذف نون الرفع من الأمثلة الخمسة

يُحذف من الفعل المضارع مع دخول نوني التوكيد نون الرفع من الأمثلة الخمسة (يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين)؛ وذلك لأن النون في الأمثلة الخمسة علامة إعراب، ولأن التوكيد علامة بناء، فلو جمع بينهما للزم الجمع بين علامتيهما وهذا محال. وتشبه في ذلك حذف النون من الأمثلة الخمسة في حالة الجزم والنصب.

ومعنى هذا: أن أفعال الأمثلة الخمسة عند توكيدها بنون التوكيد، فإن نون الرفع لا بد محذوفة، إما لتوالي الأمثال إذا كان مرفوعًا، وإما لكونه مجزومًا إذا كان مجزومًا.

والأمثلة الخمسة تسند إلى ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة، وهذه (الألف والواو والياء) ضمائر تُعرب فاعلًا.

 توكيد الفعل المضارع المسند إلى ألف الاثنين

إذا كان الفعل المضارع صحيح الآخر مسندًا إلى ألف الاثنين مرفوعًا بثبوت النون، فعند توكيده بالنون تُحذف نون الرفع؛ لتوالي الأمثال، ثم تُلحق به نون التوكيد، وتكون مبنية على الكسر مع بقاء الألف. فمثلًا في نحو: المحمدان يكتبان الدرس، نقول: المحمدان يكتبانِّ الدرس. الأصل “يكتبانِ نْ”، حيث حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال وبقيت ألف التثنية.

أما إذا كان مجزومًا، (بحذف نون الإعراب)، فإن نون التوكيد تلحقه بعد ألف التثنية، وتكون مبنية على الكسر أيضًا، فمثلًا في نحو: لتجلسا، نقول: لتجلسانِّ.

ولقد أُجيز هنا التقاء الساكنين، وهما ألف الاثنين، والنون الأولى في نون التوكيد الثقيلة؛ لأن ذلك من باب دابَّة وشابَّة، ولم تُحذف الألف لأن ما قبلها مفتوح، ولو حذفت لالتبس الفعل المؤكد المسند إلى ألف الاثنين والمسند إلى المفرد المذكر أو المفردة الغائبة.

 توكيد الفعل المضارع المسند إلى واو الجماعة

إذا كان الفعل المضارع مسندًا إلى واو الجماعة، فإن نون الرفع لا بد محذوفة؛ إما لكون الفعل مجزومًا، وإما لتوالي الأمثال إذا كان الفعل مرفوعًا.

وتُراعى الأحكام التالية في آخر الفعل:

أ- إذا كان الفعل المضارع صحيح الآخر

حُذفت واو الجماعة؛ لالتقاء الساكنين (واو الجماعة ونون التوكيد)، واكتُفي بالضمة قبلها دليلًا عليها. ولما كانت نون التوكيد غير مباشرة للفعل؛ لأنها فصلت عن الفعل بواو الجماعة فإن الفعل يظل في إعرابه على ما كان عليه قبل نون التوكيد.

نحو: أنتم تسمعون، نقول عند التوكيد: أنتم تسمعنَّ. الأصل فيه (تسمعونن)، حُذفت نون الرفع أولًا لتوالي الأمثال، ثم واو الجماعة لالتقاء الساكنين، وضُمَّت عين الفعل دليلًا على الواو المحذوفة.

ونحو: لتفهموا، نقول عند التوكيد (لتفهمنَّ)، والأصل فيه (لتفهمونن)، حُذفت نون الرفع أولًا للجزم، ثم واو الجماعة لالتقاء الساكنين، وضُمَّت عين الفعل دليلًا على الواو المحذوفة.

ب- إذا كان الفعل المضارع معتل الآخر

كان حكم آخره كالآتي:

1. يُحذف حرف العلة؛ لإسناد الفعل إلى واو الجماعة.

2. إذا كان حرف العلة المحذوف ألفًا (مفتوحًا ما قبلها) أبقيت واو الجماعة، وحُرِّكت بحركة مجانسة لها (الضمة) نحو: “هم يسعَوْن” بفتح العين (دلالةً على أن حرف العلة المحذوف ألف)، وضم الواو وحذف نون الرفع، لتوالي الأمثلة. ونحو (لتخشَوُنَّ الله) بفتح الشين (عين الكلمة) وضم الواو، وحذف نون الرفع؛ للجزم.

ترك تعليق