ضمير المتكلم (ني) بين النصب والجر: قراءة نقدية في نظرية نون الوقاية
ضمير المتكلم (ني) بين النصب والجر: قراءة نقدية في نظرية نون الوقاية
مقدمة المقال
منذ أن وضع الخليل بن أحمد foundations النحو العربي، والنحاة يبنون صرحًا من القواعد والتعليلات، حتى غدا هذا الصرح شامخًا يهاب الاقتراب منه، وكأن باب الاجتهاد في النحو قد أُوصد إلى الأبد. ومن هنا يأتي العجب من موقف كثير من الباحثين المعاصرين الذين يعارضون من يجرؤ على الخوض في مسائل النحو، ويرفضون كل رأي جديد حتى لو كان صحيحًا، عملاً بقول القائل: “ليس في الإمكان أبدع مما كان”. وهذه الروح من الجمود هي التي دفعتني إلى دراسة موضوع “نون الوقاية”، لأقدم من خلاله تصوري لحقيقته، مؤيدًا وجهة نظري بما لدي من نصوص وشواهد. ولست أول من بحث الموضوع، فالبحث فيه ممتد منذ سيبويه حتى ساعة كتابة هذا البحث، وقد استفدت من كل الجهود التي بُذلت في هذا المجال. وقد أجمع جمهور النحاة منذ الخليل على أن النون تزاد بين ياء المتكلم والفعل لوقاية الفعل من الكسر، إذ تتطلب الياء كسرة قبلها من جنسها لكونها حرف علة، فتتحمل النون هذه الكسرة نيابة عن الفعل. وسوف أتناول بعض الآراء التي ترى أنها للوقاية، ثم أعرض الرأي الراجح الذي يخالف ذلك.
—
أولاً: القائلون بأن النون للوقاية
1. الخليل بن أحمد: أول من قال بالوقاية
كان الخليل بن أحمد أول من قال بأن النون للوقاية فيما أعلم، فيما رواه سيبويه عنه في كتابه حيث يقول: “وسألته – رحمه الله – عن الضاربي، فقال: هذا اسم، ويدخله الجر، وإنما قالوا في الفعل: ضربني ويضربني؛ كراهية أن يُدخلوا الكسرة في هذه الياء، كما تدخل في الأسماء، فمنعوا هذا أن يدخله، كما منع الجر”. وعلى الرغم من أن الخليل يرى أن النون للوقاية، إلا أنه جاء فيما رواه سيبويه عنه تعليل لدخول النون دون غيرها مع الياء، أراه يكاد يعترف فيه بأن النون جزء من الضمير “ني”، يقول: “وكانت النون أولى؛ لأن كلامهم أن تكون النون والياء علامة للمتكلم، فجاؤوا بالنون؛ لأنها إذا كانت مع الياء لم تخرج هذه العلامة من علامات الإضمار، وكرِهوا أن يجيئوا بحرف غير النون، فيخرجوا من علامات الإضمار”.
2. ابن يعيش: تفصيل نظرية الوقاية والدفاع عنها
يقول ابن يعيش في “شرح المفصل”: “اعلم أن ضمير المنصوب إذا كان للمتكلم، واتصل بالفعل نحو: ضربني وخاطبني وحدثني؛ فالاسم إنما هو الياء وحدها، والنون زيادة، ألا تراها مفقودة في الجر من نحو غلامي وصاحبي، والمنصوب والمجرور يستويان، وإنما زادوا النون في المنصوب إذا اتصل بالفعل؛ وقاية من أن تدخله كسرة لازمة، وذلك أن ياء المتكلم لا يكون ما قبلها إلا مكسورًا، إذا كان حرفًا صحيحًا نحو: غلامي وصاحبي، والأفعال لا يدخلها جر، والكسر أخ للجر؛ لأن معدنهما واحد، فكما لا تدخل الأفعال جر، آثروا ألا يدخلها ما هو بلفظه ومن معدنه؛ خوفًا وحراسة من أن يتطرق إليها الجر، فجاؤوا بالنون مزيدة قبل الياء؛ ليقع الكسر عليها، وتكون وقاية للفعل من الكسر، وخصوا النون بذلك لقربها من حروف المد واللين؛ ولذلك تجامعها في حروف الزيادة، وتكون إعرابًا في: يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين، كما تكون حروف المد واللين إعرابًا في الأسماء المعتلة”[3].
3. الأسئلة التي توقعها ابن يعيش وأجوبته
السؤال الأول: لماذا دخلت الكسرة الأفعال في مثل (اضرب الرجل)؟
أجاب ابن يعيش: الكسرة هنا عارضة لالتقاء الساكنين، فلا يُعتد بها موجودة، ألا ترى أنك لا تعيد المحذوف لالتقاء الساكنين في مثل زنت المرأة، وبغت الأمة، وإن كان أحد الساكنين قد تحرك؛ إذ الحركة عارضة لالتقاء الساكنين[4].
السؤال الثاني: لماذا زيدت النون فيما آخره ألف من الأفعال ومظنة الكسر فيها بعيدة؟
أجاب: “لما لزمت النون والياء في جميع الأفعال الصحيحة، لما ذكرناه، صارت كأنها من جملة الضمير، فلم تفارقها لذلك، مع أن الحكم يدار على المظنة، لا على نفس الحكمة، والياء مظنة كسر ما قبلها، والذي يدل على أن النون مزيدة كما ذكرنا، أن هذا الضمير إذا اتصل باسم لم تأت فيه بنون الوقاية نحو الضاربي والشاتمي، فالياء هنا في محل نصب، كما تقول: الضارب زيدًا، ولم تأت معه بنون الوقاية؛ لأنه اسم يدخله الجر، فلما كان الجر مما يدخلها لم يُمنع مما هو مقارب له”[5].
السؤال الثالث: ما الدليل على أن النون زائدة؟
أجاب: “ألا تراها مفقودة في الجر من نحو: غلامي، وصاحبي، والمنصوب والمجرور يستويان، وإنما زادوا النون في المنصوب إذا اتصل بالفعل؛ وقاية للفعل من أن تدخله كسرة لازمة”[6]. وأرى أن ابن يعيش هنا قد خلط بين ضمير النصب للمتكلم وضمير الجر الذي له، والفرق بينهما واسع – كما سنرى فيما بعد.
السؤال الرابع: لماذا دخلت النون الحروف وهي ليست أفعالاً؟
أجاب: “وقد أدخلوا هذه النون مع (إن وأخواتها) فقالوا: إنني وأنني، وكأنني ولكنني، ولعلني وليتني؛ لأنها حروف أشبهت الأفعال وأُجريت مجراها، فلزمها من علامة الضمير ما يلزم الفعل”[7]. ولما أحس أنه سيكون متناقضًا في قوله إذا قيل له: “وقد وردت شواهد فصيحة حذفت النون فيها من هذه الحروف، وخاصة (إن وأن ولكن وكأن)، فأين ذهبت المشابهة التي بينها وبين الأفعال؟!” قال هروبًا من هذا المأزق: “وإنما ساغ حذف النون منها؛ لأنه قد كثر استعمالها في كلامهم، واجتمعت في آخرها نونان، وهم يستثقلون التضعيف ولم تكن أصلاً في لحاق هذه النون لها، وإنما ذلك بالحمل على الأفعال، فلاجتماع هذه الأسباب سوغوا حذفها”[8]. ولما أحس أن هذا القول لا ينطبق على لعل؛ لأنها ليست من ذوات النون، قال معللاً حذفها منها: “وقد حذفوها من (لعل)، فقالوا: لعلي؛ لأنه وإن لم يكن آخره نونًا، فإن اللام قريبة من النون؛ ولذلك تدغم فيها في نحو قوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ [النساء: 40]، فأُجريت في جواز الحذف مجراها”[9].
4. ابن مالك وابن هشام: استمرار الاتجاه
سار ابن مالك في نفس الاتجاه في ألفيته حيث لخص القضية في ثلاثة أبيات، ولم يخرج في كتابه “شرح الكافية الشافية”[10] عن مذهب الخليل ومن جاء بعده. وقال ابن هشام في “مغني اللبيب”[11]: “نون الوقاية، وتسمى نون العماد أيضًا”، وتُلحق قبل ياء المتكلم المنتصبة بواحد من ثلاثة: الفعل، واسم الفعل، والحرف. والمتتبع لكلام ابن هشام يراه لم يخرج في إطاره العام عن قول سابقيه، إلا أننا يمكننا أن نتساءل: ألا يمكن أن نقول في الأفعال الجامدة: “ليسي وعساي وحاشاي وما عداي وما خلاي، فلماذا حكم على “إذ ذهب الكرام ليسي” بالضرورة؟! ولماذا جوز الإدغام في النونين في قولهم: “تأمروني”، والفك في قولهم: “تأمرونني” والحذف في “تأمروني”؟!
—
ثانيًا: القائلون بأن النون ليست للوقاية
1. سيبويه: الضمير (ني) كامل
كان سيبويه أصرح العلماء وأوضحهم في تناول قضية نون الوقاية؛ حيث إنه لم يقل بوقايتها للفعل من الكسر، على الرغم من قول أستاذه الخليل به، بل يرى أن “النون والياء” معًا ضمير نصب للمتكلم. وكانت عبارته واضحة لا لبس فيها، في باب تحت عنوان “باب علامة إضمار المنصوب المتكلم والمجرور المتكلم”[15]، يقول سيبويه: “اعلم أن علامة إضمار المنصوب المتكلم (ني)، وعلامة إضمار المجرور المتكلم (الياء)، ألا ترى أنك تقول إذا أضمرت نفسك وأنت منصوب: ضربني، وقتلني، وإنني ولعلني، وتقول إذا أضمرت نفسك مجرورًا: غلامي، وعندي، ومعي”. وفي موضع آخر من الكتاب نرى سيبويه أكثر وضوحًا حيث يقول: “وقد اسقان، واسقن، وأنت تريد اسقاني واسقني؛ لأن ني اسم”[17]. وملخص رأي سيبويه: أن ضمير النصب للمتكلم “ني”، وضمير الجر للمتكلم “الياء”، وتحذف النون من “ني” إذا التقت الأمثال تخفيفًا، وتحذف مع “لعل” لشبه بين النون واللام، وأن “ني” اسم.
2. ابن قتيبة: التطبيق العملي
كان ابن قتيبة – فيما أعلم – أول من خرج بالقضية من مجال النظرية إلى مجال التطبيق، وكان واضحًا الوضوح كله في القول بأن الضمير (ني) ضمير نصب للمتكلم، وأعربه على هذا الأساس في كتابه “تلقين المتعلم فن النحو”[18]. يقول في باب الحروف التي تنصب الأفعال: “وتقول: أتيت لتكرمني. أتيت: فعل ماض، والتاء هي الفاعلة، وهي اسم. لتكرمني: كيف نصبته؟ هو فعل، فانتصب باللام المكسورة التي في معنى كي. ما علامة النصب فيه؟ فتحة الميم، والنون والياء في موضع نصب مفعول بهما”[19]. ويقول في باب الفاعل: “وكل موضع يكون لك: بالنون والياء، ولغيرك بالكاف فالاسم فيه منصوب”[20]. ويقول في باب التعجب: “فإذا قلت: ما أحسن زيدًا، فكيف تقول لنفسك؟ أقول: ما أحسنني، بالنون والياء. ما محلهما؟ وقع عليهما التعجب، هو في موضع النصب، وهو اسم مضمر لا يعمل فيه الإعراب”[21]. لقد كانت نصوص ابن قتيبة واضحة لا تحتاج إلى تعليق، فالياء والنون عنده ضمير متكلم للنصب.
—
ثالثًا: آراء جديدة في القضية
على الرغم من أن السواد الأعظم من جمهور النحاة في عصرنا الحديث يذهبون إلى أن النون للوقاية، والياء ضمير متكلم للنصب والجر، إلا أن هناك أصواتًا علت ترفض هذا الرأي، وتبدي للقضية تصورات أخرى، هي في عمومها جديرة بالاحترام، ويمكن تلخيصها في ثلاثة آراء:
1. رأي يرى أن النون هي الضمير، على اعتبار شيوعها في ضمائر المتكلم: (أنا ونحن)، والمخاطب: (أنت – أنت – أنتما – أنتم – أنتن)، وما يلحقه ما هي إلا زوائد ليست من بنيته الأصلية، وإنما هي عناصر مكيفة لتصرفه إلى الشخص الذي يقصده المتكلم. قال بهذا الرأي الدكتور الجرح – رحمه الله – وتبعه فيه الدكتور صلاح رواي[23].
2. الرأي الثاني: النون لأمن اللبس؛ أي: جيء بها لتمنع التباس ياء المتكلم بياء المخاطبة في مثل: (اضربي واضربني) حيث لو حذفنا النون في (اضربني) لصار (اضربي)، ولأصبح شبيهًا بـ(اضربي) المسند إلى ياء المخاطبة. وقد قال بهذا الرأي الدكتور أحمد كشك، ولو قال الدكتور كشك بأن “ني” كلها ضمير للمتكلم لما كان هنالك ضرورة لأمن اللبس.
3. الرأي الثالث: وهو ذلك الذي ذهب مذهب سيبويه في أن الضمير (ني) للمتكلم، مع رفضه لما يسمى بنون الوقاية، وقد قدم دراسة ضافية للموضوع؛ أعني به: الدكتور محمد جبر[24].
إلا أنني أرى أن ما قدموه جميعًا من أسباب لرفض “نون الوقاية” ليس كافيًا، وأن دراساتهم جميعًا طيبة، لكنها تحتاج إلى مراجعة، ومن هنا فسوف تسير دراستي عن الضمير “ني” مسارًا آخر، أرجو أن يكون قاطعًا في هذا الأمر.
—
رابعًا: الرأي الراجح: النون جزء من الضمير (ني)
لا شك عندي أن النون ليست للوقاية، وإنما هي جزء من الضمير (ني) للأسباب الآتية:
1. الدليل من اللغة العبرية
اللغة العبرية، وهي قريبة الصلة بالعربية، نصوصها تؤكد ذلك. فعن ضمير المتكلمين عند إسناده للفعل (قتل) وردت له التصريفات الآتية: الماضي: قاتلنا، والمضارع منه: نقتل، وصيغة تفعل من قتل مسندة إلى ضمير المتكلمين = تقتلنا[25]. من هذه النماذج يتضح لنا مدى الصلة التي تربط بين العربية والعبرية في الضمائر، وقيمة هذا التشابه تفيدنا إذا علمنا أن العبرية لغة ليست معربة – أي ساكنة الآخر – لا يُخشى من دخول (ني) على أفعالها كسر ولا جر، مما ينفي هذه الصفة التي حاول النحاة إلصاقها بالنون.
2. الدليل من اللهجات العربية والضمير المنفصل
الضمير المنفصل (أنا) للمتكلم، له صورة أخرى ما زالت باقية في كثير من مدن مصر وقراها، وكذلك لاحظت وجوده على ألسنة بعض متكلمي المملكة العربية السعودية، أعني به (أني) بكسر النون، وإذا علمنا أن الهمزة زائدة في (أنا) والأصل في الضمير هو (نا) فالأقرب للصواب – أيضًا – زيادتها في (أني)، ويكون الأصل في الضمير هو (ني)، يرجح التصور هذا أن الضمير (أنت) يكون عند الاتصال (ت) فقط، والضمير (هن) يكون عند الاتصال (ن)؛ أي: نون النسوة، وأستطيع أن أقول: ربما كان الأصل في الضمير الدال على المتكلم هو (أني) ثم تطور إلى (أنا). والدليل على هذا أن العبرية ما زال الضمير فيها (أني) حتى الآن.
3. الدليل من تغير آخر الفعل
ليست القضية قضية الخوف من كسر آخر الفعل، كما قال النحاة، فالأفعال يتغير آخرها حسب حالة الضمير الداخل عليها؛ فمثلاً نقول: ضرب – ضربوا – ضربت، ونقول: تضرب – تضربون – تضربان – تضربن – تضربين، ونقول: اضرب – اضربوا – اضربا – اضربن – اضربي. قال النحاة: الأفعال تقبل كل الأشكال إلا الكسر، وهو علامة الجر، والأفعال لا تقبل ذلك حتى لا تشبه الأسماء!! فماذا يقولون في اضربي وتضربين؟ وماذا يقولون في اضرب الرجل، وأنت تضرب الرجل؟ وماذا يقولون في (كاساني وأعطاني؟) أين الكسر الذي خافوه على هذا النوع من الأفعال، ومظنة الكسر غير قائمة حيث يمكننا أن نقول (كساي وأعطاي)؟ ألا ترى أن اللغة تمج هذا الأسلوب على الرغم من صحته؟ والسبب أن الياء لا تكون ضمير نصب على الإطلاق؛ لأنها أخت الكسرة. وماذا يقولون في (يضربونني)؟ هل النون لوقاية آخر الفعل من الكسر وبينها وبين آخره كلمتان (واو الفاعل) وعلامة الرفع النائبة عن الضمة (النون)؟ ألسنا نقول – أيضًا – (يضربوني)؟ فإن كانت النون للوقاية فأين ذهبت (نون الرفع)؟ هل حذفت وهي علامة رفع؟! وإن كانت النون هي علامة الرفع: فلماذا كسرت وهي التي يجب أن تكون مفتوحة؟ أقول: لقد قال النحاة في هذه الأمور أقوالاً كثيرة، هي في مجملها تعليلات فلسفية، يحاولون بها رأب ما تشرخ من قوالبهم.
4. القياس على الضمير (نا)
كما أن الضمير (نا) يكون ضمير رفع ونصب وجر، ولا ضير في ذلك، فقد أجمع النحاة على أنه ضمير مشترك بين الأمور الثلاثة، في مثل قولنا: (نجحنا وكافأنا المدير وسلم علينا)، أقول: لا ضير في أن يكون الضمير (ني) للنصب والجر، بل هو كذلك: نقول (رآني المدير واقترب مني). فالضمير (ني) في رآني مفعول به في محل نصب. والضمير (ني) في مني في محل جر بمن. أما الياء: فهي ضمير جر فقط. نقول: (كتابي) و(ضاربي) و(في) و(علي). الياء في كتابي في محل جر بالإضافة، وكذلك في ضاربي. ومع “في” و”علي” في محل جر بالحرف.
5. تطبيق الرأي على إن وأخواتها
وقد يقول قائل: فماذا نقول في (إني وكأني)؟ أقول: “إن” حرف توكيد ونصب و”ني” اسمها في محل نصب. وكذلك (كأني) وحذفت إحدى نوني كأن وإن للتخفيف. أليس هذا ما قاله سيبويه على لسان الخليل في كتابه؟ إلا أنني أقول: حذفوا إحدى نوني هذه الأدوات وبقيت “ني”؛ للتخفيف. وقد يقول قائل: فماذا تقول في (مني وعني)؟ أقول: “من” جر، و”ني” ضمير المتكلم في محل جر، وكذلك عني. ولا ضير في أن يقال [مني وعني] و”ني”، في محل جر، وحذفت نون من وعن؛ للتخفيف. أما في قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: 36]، فأقول: ما قاله سيبويه من أن النون لشبهها باللام، فقد أدغمت فيها فالأصل (لعلني) خففت اللام فأصبحت لعلني. ولقرب المخرج بينهما قلبت النون لامًا وأدغمت في لام “لعل”، وشددت اللام في (لعلي).
—
خامسًا: خلاصة ضمائر المتكلم
أولاً: الضمائر المتصلة
| الضمير | دلالته | نوعه | مثاله | وفي القرآن ||—|—|—|
| نا | للمتكلمين | رفع ونصب وجر | فهمنا الدرس، كافأنا المدير، فرح المدير بنا | ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً﴾ [الأعراف: 145]، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: 32]، ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65] |
| ني | للمتكلم المفرد | نصب وجر | ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: 22]، ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: 76] |
| الياء | للمتكلم | جر فقط | ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: 22]، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124] |
ثانيًا: الضمائر المنفصلة
| الضمير | دلالته | نوعه | مثاله |—|—|—|
| نحن | للمتكلم والجمع والمثنى والمعظم نفسه | رفع | ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] |
| أنا | للمتكلم المفرد | رفع | ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: 14] |
| إياي | للمتكلم المفرد | نصب | إياي يعني بقوله |
| إيانا | للمتكلم الجمع والمثنى والمعظم نفسه | نصب | إياي يقصد |
—
خاتمة المقال
وبعد هذا العرض التفصيلي لآراء النحاة في قضية نون الوقاية، يتبين أن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه سيبويه وابن قتيبة، من أن الضمير (ني) ضمير مشترك بين النصب والجر، وأن النون جزء أصيل من بنية هذا الضمير، وليست زائدة للوقاية. وقد دعمنا هذا الرأي بأدلة من اللغة العبرية، ومن اللهجات العربية المعاصرة، ومن تغير آخر الفعل حسب الضمير الداخل عليه، ومن القياس على الضمير (نا) المشترك بين الرفع والنصب والجر. وهذا كله يشهد بعمق التفكير اللغوي عند العرب، وقدرتهم الفائقة على استنطاق الظواهر اللغوية واستخراج القوانين التي تحكمها. وفي الختام: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]، صدق الله العظيم.
—
مصادر البحث
– القرآن الكريم.
– تلقين المتعلم لابن قتيبة، تحقيق محمد هداية الله – رسالة ماجستير جامعة أم القرى كلية اللغة العربية 1407هـ.
– الدرر اللوامع على همع الهوامع للشنقيطي 1328هـ.
– ديوان رؤبة، تصحيح وترتيب وليم بن الورد البروس ليبزج 1903م.
– الضمائر في اللغة العربية، د. محمد جبر – الإسكندرية.
– شرح التصريح على التوضيح للأزهري، طبع البابي الحلبي – القاهرة.
– شرح شواهد المغني للسيوطي، دار مكتبة الحياة ولجنة التراث.
– شرح الكافية الشافية.
– شرح المفصل، ابن يعيش، مكتبة المتنبي – القاهرة.
– الكتاب لسيبويه، تحقيق الأستاذ عبدالسلام هارون، الهيئة العامة للكتاب – القاهرة.
– محاضرات في اللغة العبرية، إلقاء الدكتور رمضان عبدالتواب لطلاب الليسانس بكلية دار العلوم سنة 1969م.
– مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام، تحقيق محمد محيي الدين.
– النحو الوافي، عباس حسن – دار المعارف بمصر.
– نون الوقاية ليست للوقاية، د. صلاح رواي – حوليات كلية دار العلوم 1982م.
—————————–
[1] صدر بحولية كلية دار العلوم – جامعة القاهرة، العدد الثالث عشر، سنة 1989م.
[2] نون الوقاية.. ليست للوقاية، للدكتور صلاح رواي.
[3] “شرح المفصل” (3/123).
[4] شرح المفصل (3/123).
[5] “شرح المفصل” (3/123).
[6] “شرح المفصل” (3/123).
[7] “شرح المفصل” (3/123).
[8] “شرح المفصل” (3/123).
[9] “شرح المفصل” (3/123).
[10] شرح الكافية الشافية (1/226).
[11] “مغني اللبيب” (2/344).
[12] البيت من الرجز، وهو لرؤبة بن العجاج، راجع ديوانه (175)، الدرر (1/41)، والعيني (1/344).
[13] “شرح التصريح” (109 – 110).
[14] “النحو الوافي” (1/280 – 285).
[15] “الكتاب” (2/367).
[16] “الكتاب” (2/368).
[17] “الكتاب” (4/186).
[18] رسالة ماجستير، تحقيق محمد سلامة الله، بجامعة أم القرى تشرفت بمناقشتها.
[19] “تلقين المتعلم فن النحو” (ص: 158).
[20] “تلقين المتعلم فن النحو” (ص: 172).
[21] المصدر السابق (ص: 221).
[22] المصدر السابق (ص: 293).
[23] انظر: “نون الوقاية ليست للوقاية”، د. صلاح رواي – حولية دار العلوم – العدد العاشر (ص: 12).
[24] “الضمائر في اللغة العربية”، محمد جبر (ص: 70 وما بعدها).
[25] من مذكرات ألقاها أستاذنا الدكتور رمضان عبدالتواب – رحمه الله – في مرحلة الليسانس سنة 1969م.
