نونا التوكيد في اللغة العربية: المفهوم والأحكام والوظائف

مقدمة المقال

يُعدُّ التوكيد بالنون من أبرز الظواهر الصرفية والنحوية في اللغة العربية، إذ يمنح الفعل قوةً في الدلالة ورسوخًا في المعنى، ويُخرجه من دائرة الإعراب إلى دائرة البناء. وقد أفرد له النحاة أبوابًا مطولة في مؤلفاتهم، لما له من أحكام دقيقة وتفريعات متشعبة تتصل بالصوت والصرف والنحو والقراءات القرآنية. ونونا التوكيد نوعان: ثقيلة وهي نونان أُدغمت إحداهما في الأخرى، وخفيفة وهي نون ساكنة دائمًا. ولكلٍّ منهما مواضعه وشروطه وأحكامه التي لا يصح تجاوزها. وتهدف هذه الدراسة إلى تحرير هذه الأحكام وتوضيحها بالأمثلة والشواهد، وبيان ما تختص به كل نون من مواضع، مع الكشف عن العلل الصوتية التي دفعت النحاة إلى تقرير هذه الأحكام. كما تسعى إلى بيان أثر هذه النونين في بنية الفعل وإعرابه ودلالته الزمنية.

 أولاً: نون التوكيد الثقيلة: تعريفها وأحكامها

 تعريف النون الثقيلة ووجه تسميتها

نون التوكيد الثقيلة هي نونان أُدغمت إحداهما في الأخرى، فتظهر مشددةً مفتوحةً في الأصل. وقد سُميت ثقيلةً لثقلها في النطق بسبب التشديد الحاصل من الإدغام. والتوكيد بها أشدُّ وأبلغُ من التوكيد بالخفيفة؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى في الغالب. ومن هذا القبيل قول زليخا زوج عزيز مصر كما حكاه القرآن الكريم: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: 32]، حيث يُلاحظ حرصها على سجنه في بيتها لت رآه في كل وقت، أكثر من كونها تراه صاغرًا.

 أحكام النون الثقيلة

الحكم الأول: فتحها وتشديدها وحركتها

من أحكام نون التوكيد الثقيلة أن تكون مفتوحةً مشددةً متحركة، وذلك للأسباب التالية:

1. كونها مفتوحة: لأن الفتحة أخفُّ الحركات.

2. كونها مشددة: لأنها نونان أُدغمت إحداهما في الأخرى.

3. كونها متحركة: لئلا يلتقي ساكنان؛ لأن المدغم ساكن، فلو كان المدغم فيه ساكنًا أيضًا للزم التقاء الساكنين، وهذا لا يجوز.

الحكم الثاني: كسرها في فعل الاثنين وجماعة النساء

في جميع المواضع تكون النون الثقيلة مفتوحة، إلا في فعل الاثنين وجماعة النساء فهي مكسورة فيهما، تشبيهًا لها بنون التثنية؛ لوقوعها بعد ألف زائدة.

ففي توكيد فعل الأمر “اذهبا” نقول: “اذهبانِّ“، وهو للاثنين.

وفي الفعل “اذهبْن” نقول: “اذهبنانِّ“، وهو لجماعة الإناث.

ويتضح من المثال الثاني أنه متى اتصلت نون التوكيد الثقيلة بفعل جماعة النساء، وجب أن تدخل ألف بعد نون جمع المؤنث تسمى “فارقة”؛ لتكون فاصلًا بين النونات؛ لأن النون الثقيلة إذا دخلت فيه اجتمع في بعض الصور ثلاث نونات وفي بعضها أربع نونات.

 أمثلة على اجتماع النونات

انظر ذلك في الأمثلة الآتية حيث جاءت أفعال جماعة النساء بدون ألف فارقة:

– “يا نساء قلننَّ الحقَّ“، حيث التقى في الفعل ثلاث نونات: نون النسوة، ونون التوكيد الثقيلة وهي نونان.

– “يا نساء صُنَّنَّ أنفسكنَّ“، حيث التقى في الفعل أربع نونات: نون الفعل (صان)، ونون النسوة، ونون التوكيد الثقيلة وهي نونان.

واجتماع النونين مستكره؛ ولهذا يُفرُّ منه إلى الإدغام، فكيف الثلاث؟ لذا وجب إدخال الألف الفارقة لتفصل بين النونات، ولا يُرد عليه بـ”صونن” للمذكر؛ لندرة اجتماعها فيها[3].

 ما تختص به النون الثقيلة دون الخفيفة

كل موضع تدخل فيه النون الثقيلة تدخل فيه النون الخفيفة إلا في موضعين تختص بالدخول فيهما النون الثقيلة دون الخفيفة، هما:

1. فعل الاثنين: حيث نقول: يا زيدان اذهبانِّ.

2. فعل جماعة النساء: حيث نقول: يا فاطمات اذهبنانِّ.

فلا يصح أن ندخل عليهما نون التوكيد الخفيفة، فنقول: اذهبانْ واذهبنانْ. إذ لو دخلت فيهما النون الخفيفة، وهي نون ساكنة، للزم أحد المحذورين:

1. إما تحريك النون الخفيفة.

2. أو إبقاؤها على السكون.

ولا سبيل إلى الأول؛ لخروجه عن الوضع الأصلي وهو السكون. ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنه يلزم التقاء الساكنين على غير حده. ولا يجوز حذف الألف؛ لأنه حينذاك يلتبس المثنى بالمفرد، ويجتمع المثلان في الجمع من غير الإدغام. ولا يجوز حذف النون لفوات التأكيد.

 ثانيًا: نون التوكيد الخفيفة: تعريفها وأحكامها

 تعريف النون الخفيفة

النون الخفيفة نون ساكنة دائمًا؛ لأنها مبنية، والأصل في المبني البناء على السكون؛ لأنه أخف.

 الأحكام الأربعة التي تنفرد بها النون الخفيفة

الحكم الأول: عدم وقوعها بعد الألف

لا تقع نون التوكيد الخفيفة بعد الألف، سواء أكانت الألف اسمًا أم حرفًا، بأن يُسند الفعل للظاهر، نحو: يضربان المحمدان. أو التالية لنون النسوة نحو: النساء يضربنان. ولا في نحو: “قوما” و”قعدا”.

وذلك لئلا يلتقي ساكنان، علمًا بأن التقاء الساكنين يُغتفر إذا كان أول الساكنين حرف لين والثاني مدغمًا في مثله، وهذا هو السر في جواز وقوع النون المشددة بعد الألف، وامتناع الخفيفة بعدها.

وقد أجازه يونس والكوفيون، وصرَّح الفارسي في الحجة بأن يونس يُبقي النون ساكنةً واستشهد بقراءة نافع: (محيايْ) أي بسكون الياء بعد الألف. وذكر ابن مالك أنه يكسر النون[4]، وحمل ذلك على قراءة بعضهم (فدمرناهم تدميرًا)[5] على أنه أمر لاثنين، والنون المكسورة نون توكيد خفيفة، وجوَّز في قراءة ابن ذكوان (ولا تتبعان)[6] بتخفيف النون، على أن الواو “للعطف”، و”لا” للنهي، ونون الرفع محذوفة، والنون المذكورة مؤكدة مكسورة، ولا يجوز أن تكون الواو للحال و”لا” للنفي، والنون الموجودة علامة رفع. وأما نون التوكيد الثقيلة فتقع بعدها اتفاقًا، ويجب كسرها لقراءة السبعة (ولا تتبعان).

الحكم الثاني: عدم توكيد الفعل المسند إلى نون الإناث

لا تؤكد النون الخفيفة الفعل المسند إلى نون الإناث؛ وذلك لأن الفعل المذكور يجب أن يُؤتى بعد فاعله بألف فارقة بين النونين؛ قصدًا للتخفيف فيُقال: اضربنان[7]. وقد مضى أن النون الخفيفة لا تقع بعد الألف، ومن أجاز ذلك فيما تقدم أجازه بشرط كسر النون فرارًا من التقاء الساكنين.

الحكم الثالث: حذفها قبل الساكن الذي يأتي بعدها

تُحذف النون الخفيفة قبل الساكن الذي يأتي بعدها، قال الأضبط بن قريع[8]:

لاَ تُهِينَ الفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ ** كَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ

والأصل: “لا تُهينَنْ”[9].

الحكم الرابع: إعطاؤها حكم التنوين في الوقف

تُعطى النون الخفيفة في الوقف حكم التنوين، فإن وقعت بعد فتحة قُلبت ألفًا[10]، كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ [العلق: 15]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: 32].

وكقول الشاعر الأعشى[11] من قصيدة يمدح فيها الرسول – صلى الله عليه وسلم -:

وَإِيَّاكَ وَالمَيْتَاتِ لاَ تَقْرَبْنَهَا ** وَلاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللَّهَ فَاعْبُدَا

والشاهد فيه قوله “فاعبدَا” حيث أبدل نون التوكيد الخفيفة ألفًا في الوقف، والأصل فيها “فاعبدن”.

وإن وقعت بعد ضمة أو كسرة حُذفت، ويجب حينئذٍ أن يُردَّ ما حُذف في الوصل لأجلها[12]، لزوال علة الحذف، وهي التقاء الساكنين، تقول في الوصل: “اضربن يا قوم“، و”اضربن يا هند“، والأصل: اضربون، واضربين، فإن وقف عليها حذفت النون لشبهها بالتنوين في نحو: جاء زيدٌ، ومررت بزيدٍ. ثم ترجع بالواو والياء؛ لزوال الساكنين، فتقول: “اضربوا“، و”اضربي”[13].

 ثالثًا: شروط توكيد الأفعال بالنونين

 أولاً: الفعل الماضي

لا يُؤكَّد بهما الفعل الماضي مطلقًا، ولو كان بمعنى الاستقبال، وأما قول الشاعر[14]:

دَامَنَّ سَعْدُكَ إِنْ رَحِمْتَ مُتَيَّمًا ** لَوْلاَكَ لَمْ يَكُ لِلصَّبَابَةِ جَانِحًا

فضرورة شاذة، سهَّلها مجيء “دامن” مفيدًا للمستقبل معنًى؛ لكونه دعاء. وإنما قرر النحاة عدم توكيد الماضي؛ لأنه قد فات، وتأكيد الفائت يمتنع؛ لأنه حدث وانتهى.

 ثانيًا: فعل الأمر

يُؤكَّد فعل الأمر بالنونين مطلقًا دون شروط؛ لأنه خالص للمستقبل دائمًا، سواء أكان الأمر بالصيغة أم باللام.

– بالصيغة نحو: (قومن).

– باللام نحو: (ليقومن).

 ثالثًا: الفعل المضارع

التأثير اللفظي والمعنوي لنوني التوكيد في المضارع

اعلم أن نوني التوكيد الثقيلة والخفيفة تؤثران في الفعل المضارع إذا أُكِّد بهما تأثيرين:

1. تأثير لفظي: إخراج الفعل المضارع من الإعراب إلى البناء، ويصير الفعل بسبب دخولهما عليه مبنيًّا بعد أن كان معربًا.

2. تأثير معنوي: تخصيص الفعل المضارع بالاستقبال فقط بعد أن كان يصلح للحال والاستقبال.

والعلة في بناء الفعل المضارع عند دخولهما عليه، أن الأصل في الأفعال البناء، والفعل المضارع إنما كان معربًا بسبب مشابهته الاسم، ونوني التوكيد من خصائص الأفعال، فلما دخلتا على المضارع ضعفت مشابهته الاسم، فيرجع إلى الأصل الذي هو البناء فصار مبنيًّا.

حالات توكيد الفعل المضارع

الحالة الأولى: وجوب التوكيد

يجب توكيد الفعل المضارع إذا توافرت فيه الشروط التالية:

1. أن يكون المضارع مثبتًا.

2. أن يكون مستقبلًا.

3. أن يكون المضارع جوابًا لقسم.

4. أن يكون غير مفصول عن لامه بفاصل.

ويجب توكيد المضارع باللام والنون عند البصريين، مثل قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ [الأنبياء: 57]، وخلوه من أحدهما شاذ أو ضرورة، أما الكوفيون فقد أجازوا الاكتفاء بأحدهما.

الحالة الثانية: امتناع التوكيد

يمتنع توكيد المضارع بالنونين في حالات منها:

– إذا كان منفيًّا، نحو قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ [يوسف: 85]؛ إذ التقدير: (لا تفتأ). ولعل السر في هذا يرجع إلى أن بعض أدوات النفي تخص الفعل الحالي مثل (لا – ما) النافيتين، وذلك ينافي التوكيد بالنونين، ومن ثم عدم جواز التوكيد في هذه الحالة في جميع حالات النفي.

– إذا كان الفعل يفيد الحال، من ذلك قراءة ابن كثير (لَأُقْسِم بيوم القيامة)[15]، وكقول الشاعر[16]:

يَمِينًا لَأُبْغِضَ كُلَّ امْرِئٍ ** يُزَخْرِفُ قَوْلاً وَلاَ يَفْعَلُ

والشاهد في الآية الكريمة عدم توكيد الفعل (أقسم)، وفي بيت الشعر عدم توكيد الفعل (أبغض) لأنهما فعلان حاليان؛ وذلك لأن “الإقسام” و”البغض” كلاهما موجود حال التكلم، ولا يفيدان الاستقبال. وإنما امتنع توكيد المضارع المقصود به الحال؛ لأن نون التوكيد تُخلِّص الفعل للاستقبال، فإذا كان للحال كان في إلحاق نون التوكيد به تناقض.

– إذا كان الفعل المضارع مفصولًا من اللام؛ وذلك لأن الفصل يدل على عدم الاهتمام بالفعل، وذلك يتنافى مع التوكيد به، ومن أمثلة الفصل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [آل عمران: 158]. فقد فُصل بين اللام والفعل بمعموله، واللام في “لئن” موطئة للقسم المحذوف، واللام في الأولى مؤكدة للجواب، وهو (تحشرون)، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: 5].

الحالة الثالثة: قرب الوجوب

أن يكون التوكيد قريبًا من الواجب: وذلك إذا كان شرطًا لـ”إن” المؤكدة بما الزائدة، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم: 26]، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ [الزخرف: 41]. ومن ترك توكيده قول الشاعر[17]:

يَا صَاحِ إِمَّا تَجِدْنِي غَيْرَ ذِي جِدَةٍ ** فَمَا التَّخَلِي عَنِ الخِلَّانِ مِنْ شِيَمِي

فقد ترك توكيد الفعل “تجد” مع وقوعه شرطًا لـ”إن” المؤكدة بما الزائدة، وهذا قليل، وقيل: ترك التوكيد للضرورة[18] الشعرية.

الحالة الرابعة: كثرة التوكيد

أن يكون التوكيد كثيرًا: وذلك إذا وقع بعد أداة تفيد الطلب حقيقةً، كالأمر والنهي والدعاء، والعرض والتحضيض، والتمني والاستفهام، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا [إبراهيم: 42]، حيث أكد الفعل بعد “لا” الناهية. وكقول الشاعر:

هَلَّا تَمُنِّنْ بِوَعْدٍ غَيْرِ مُخْلِفَةٍ ** كَمَا عَهِدْتُكِ فِي أَيَّامِ ذِي سَلَمِ

حيث أكد (تمنّن) بنون التوكيد بعد أداة التحضيض (هلا). وكقول الشاعر الآخر[19]:

فَلَيْتَكِ يَوْمَ الْمُلْتَقَى تَرَيِنَّنِي ** لَكَيْ تَعْلَمِي أَنِّي امْرُؤٌ بِكِ هَائِمُ

حيث أكد الفعل (تريني) لوقوعه بعد أداة تفيد التمني (ليت). وقول امرئ القيس[20]:

قَالَتْ فُطَيْمَةُ حِلَّ شِعْرَكَ مَدْحَهُ ** أَفَبَعْدَ كِنْدَةَ تَمْدَحَنَّ قَبِيلاَ

حيث أكد الفعل (تمدحنَّ) لوقوعه في سياق الاستفهام.

الحالة الخامسة: قلة التوكيد

أن يكون التوكيد قليلًا: وذلك بعد “لا” النافية، و”ما” الزائدة، التي لم تُسبق بإن الشرطية، سواء أسبقت بأداة شرط نحو: (حيثما تقعدن أقعد) أم لم تسبق. وبعد “لا”: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25]. وشاهد “ما” الزائدة التي لم تسبق بشرط قول الشاعر[21]:

إِذَا مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ سَرَقَ ابْنُهُ ** وَمِنْ عَضَّةٍ مَا يَنْبُتَنَّ شَكِيرُهَا

وكقول حاتم الطائي:

قَلِيلاً بِهِ مَا يَحْمَدَنَّكَ وَارِثٌ ** إِذَا نَالَ مِمَّا كُنْتَ تَجْمَعُ مَغْنَمَا

الحالة السادسة: أقل التوكيد

أن يكون أقل: وذلك بعد “لم” وبعد أداة جزاء غير “إمَّا”، كقول الشاعر (هو أبو حيان الفقعسي) يصف قعب لبن علت عليه رغوته حتى امتلأ:

يَحْسَبُهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلَمَا ** شَيْخًا عَلَى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمَا

وأيضًا مثله قول ابنة مرة الحارثي ترثي أباها، وكانت باهلة قد قتلته:

مَنْ نَثْقَفَنْ مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِآيبٍ ** أَبَدًا وَقَتْلُ بَنِي قُتَيْبَةَ شَاغِلِي[22]

والشاهد في البيت الأول قوله (لم يعلما) حيث أكد الفعل يعلم (يعلمنْ) بالنون الخفيفة التي قُلبت ألفًا، على الرغم من وقوعه بعد “لم”. وفي البيت الثاني: وقوع الفعل (نثقفنْ) مؤكدًا بالنون الخفيفة على الرغم من وقوعه شرطًا لمن. وكل هذه الصور من باب التوكيد الأقل.

 رابعًا: مواضع التقاء الساكنين

يقول الأخفش في كتاب العروض: “وقد يُجمع بينهما (الساكنين) في بعض القوافي، ولا يكون الأول في ذلك إلا حرف لين لضعف الساكن، وقد يجتمع في الوقف الساكنان، نحو: “قال عمرو”، وقد يجمع بين الساكنين في الكلام في غير الوقف، إذا كان الأول من حروف المد واللين، وكان الثاني مدغمًا، نحو “ألف دابة”؛ لأن الباء ثقيلة، وأولها ساكن، وأصيم تصغير أصم، وواو ثمود، الثوب الدال ثقيلة فأولها ساكن والميم في أصيم كذلك”[23].

ويمكن إجمال المواضع التي سوَّغ فيها العلماء التقاء الساكنين فيما يلي:

– أ: سوَّغ الأخفش التقاء الساكنين إذا كان الأول حرف مد، والثاني مدغمًا فيه. ولعله سوَّغ هذا لأن حرف المد بمنزلة المتحرك، والساكن الثاني إذا كان مدغمًا يجري مجرى الحرف الواحد المتحرك للتلفظ بالمدغم فيه دفعة واحدة؛ ولهذا يتعذر على اللسان التلفظ بهما.

– ب: وسوَّغ يونس النون الخفيفة في اتصالها بفعل الاثنين، وجماعة الإناث؛ وذلك لأن في الألف زيادة مد، والمد يقوم مقام الحركة، ويؤيد مذهب يونس قراءة من قرأ (محياي) بإسكان الياء الثانية، وذلك يوجب التقاء الساكنين، وهما: الألف والياء.

– ج: كما سوَّغ الأخفش التقاء الساكنين إذا كان الأول حرف لين، والثاني مدغمًا نحو (خويصة ودويبة).

– د: وأيضًا يُغتفر التقاء الساكنين، إذا كانا في لفظ بُني لعدم التركيب نحو: ميم – عين – صاد.

– هـ: وأيضًا يُغتفر ذلك إذا كان في كلمة أولها همزة وصل مفتوحة دخلت عليها همزة الاستفهام نحو: (ألحسنُ خيرٌ أم ابن سيرين؟) وإذا كانتا في نحو: (لا ها الله) بمد هاء التنبيه، وأصلها: لا والله، فحذف حرف القسم، وعوّض عنه هاء التنبيه.

– و: ويُغتفر التقاء الساكنين إذا كان الثاني منهما موقوفًا عليه مطلقًا، نحو: “غلامْ” بسكون الميم و(زيدْ، وهندْ) بسكون الدال.

الخاتمة:

وبعد هذا العرض التفصيلي لأحكام نوني التوكيد ومواضعهما وشروطهما، يتبين أن الدرس النحوي العربي قد بلغ في الدقة والتفصيل مبلغًا عظيمًا، حتى إنه لم يترك صورة من صور التوكيد إلا وأحاط بها تحليلًا وتعليلًا. وقد اتضح أن النون الثقيلة والخفيفة تشتركان في كثير من الأحكام، وتفترقان في بعضها، وأن لكل منهما خصائص صوتية وبنائية تجعلها مناسبة لموضع دون آخر. كما تبين أن شروط توكيد الأفعال بالنونين تتدرج من الوجوب إلى القلة، وفقًا لسياق الجملة ودلالة الفعل وعوامل أخرى دقيقة. وهذا كله يشهد بعمق التفكير اللغوي عند العرب، وقدرتهم الفائقة على استنطاق الظواهر اللغوية واستخراج القوانين التي تحكمها.

 

———————————

 [1] منشور في كتابنا: “الصرف الوافي” (1/154 وما بعدها) طبعة 1415هـ – 1995م.

[2] “الكتاب” (3/509).

[3] انظر: “شرح الشريف الجرجاني على التصريف العزي”، تحقيق محمد الزفزاف.

[4] انظر: المنار السالك إلى أوضح المسالك، وأوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك (4/111).

[5] قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: 36].

[6] قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 89].

[7] انظر: “أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك” (4/111).

[8] انظر: “أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك” (4/111).

[9] المصدر السابق (4/111).

[10] انظر: “أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك” (4/112).

[11] “أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك” (4/113).

[12] أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك (4/114).

[13] المصدر السابق (4/114).

[14] البيت لم يعرف قائله وهو من الكامل. راجع العيني (1/120)، (4/341)، والتصريح (1/41)، والدرر (2/992).

[15] سورة القيامة الآية (1).

[16] انظر أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك (4/95).

[17] “أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك” (4/96).

[18] “أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك” (4/97).

[19] “أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك” (4/100).

[20] المصدر السابق (4/101).

[21] “أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك” (4/103).

[22] المصدر السابق (4/103).

[23] كتاب “العروض للأخفش” (ص: 120، 121).

 

ترك تعليق