أسلوب التعجب والتنوين ونونا التوكيد
أسلوب التعجب والتنوين ونونا التوكيد
دَلالة صيغ التعجُّب وشروطه:
يتناول هذا الدرس الميسَّر في النحو والصرف ثلاث ظواهر لغوية أساسية؛ يستهلها بدراسة “أسلوب التعجب” عبر صيغتيه القياسيتين (ما أفعله) و(أفعل به)، مستعرضاً أبعاده النفسية والاصطلاحية، وآراء المدرستين البصرية والكوفية في اسمية صيغة (أفعل) أو فعليتها، ودلالتهما الزمنية وشروط صياغتهما القياسية والضرورية. ثم ينتقل المقال لبحث “التنوين” بين الحرفية والعلامة الإعرابية، مفصلاً قيمته العروضية في الشعر، ووظيفته الصرفية في التمييز بين المعرفة والنكرة، ودوره النحوي كعوض عن محذوف، وتأثيره في توجيه الزمن وعمل اسم الفاعل، مع عرض مظاهره الكتابية. وأخيراً، يُفرد الدرس مساحة لتفصيل أحكام “نوني التوكيد” (الثقيلة والخفيفة)، وبيان الشروط الحاكمة لتوكيد الأفعال (الماضي والأمر والمضارع)، مع تتبع أحوال المضارع بين الوجوب والامتناع والقلة، ومواضع التقاء الساكنين وما تطرأ على الفعل من تغيرات لفظية ومعنوية عند توكيده.
دَلالة صِيغتي التعجُّب على الزمن:
اختلف النحاةُ في زمن صِيغتي التعجُّب مِثل اختلاقهم في كونها فعلاً أو اسمًا، فالذين قالوا باسميتها فلا زمنَ لها عندهم، أما الذين قالوا بفعليتها فقدِ اختلفوا في دَلالتهما على الزمن، فمِنهم مَن ذهب إلى أن “ما أفعله”، و”أفعل به” فيهما دَلالة على الحال، واستدلَّ على ذلك بأنَّك لا تقول: ما أحسن زيدًا إلا وهو في الحال الحسَن[28]، ومنهم مَن ذهَب إلى أنه بمعنى الماضي إبقاءً للصيغة على بابها، إلا أنَّه يدلُّ على الماضي المتَّصل بزمانِ الحال، فإذا أُريد الماضي المنقطع أتَى بكان، ومِن الذين يميلون إلى هذا الرأي “أبو حيان” حيث يرَى أنَّ هذا المذهب أوْلى؛ لما فيه من بقاءِ اللفظ على بابه[29]، وأمَّا أستاذنا الدكتور “تمَّام حسَّان” فإنه يميل إلى أنَّ “ما أفعله” و”أفعل به” صالح للأزمنةِ الثلاثة[30]، وجائز أن يُفيد بكلِّ واحد منهما كذلك: ما أحسن زيدًا أمس، وغدًا، والآن، إلا أنَّهم يقيِّدون في ما أحسنه إذا أرادوا المضي بكان، وفي المستقبل يكون، نحو: ما أحسن ما يكون زيدًا، وقال الله تعالى: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ [مريم: 38]، فـ(يوم يأتوننا) ظرْف مستقبل[31].
ونحن نرَى أنَّ صيغة (أفعل) ليس فيها دَلالة على الزمن قائمًا بها، وإنما يحسُّ الزمن مِن وجودها في سياق التعجُّب، فحينما أقول: “أجمل” مفردةً عن سياقها فليس فيها إحساسٌ بالزمن، بينما حينما أقول: “ما أجمل فاطمة” فإنَّ هذا القول تعبيرٌ عما استشعرته النفْس حالَ النظر إليها حيث ترَى فيه دَلالة على الحال، وحينما أقول: “ما أجملَ فاطمة أمس”، فإنَّ الزمن تحوَّل إلى الماضي، ليس مِن دَلالة “أفعل” عليه، ولكن بوجود قرينةٍ حدَّدتِ الزمن الذي حدَث فيه الانفعال بالجمال، وهي كملة “أمس”، وكذلك حينما نقول: “غدًا”، فإنَّ الدلالة الزمنية تغيَّرت بتغير القيْد، مِن الدَّلالة على الماضي بكلمة (أمس) إلى الدَّلالة على المستقبَل بكلمة (غدًا).
شروط ما يُصاغ على (صيغتي التعجب):
اشترَط النُّحاةُ فيما يُتعجَّب منه على صِيغتي “أفعل” و”أفعل به” أن يكون: فعلاً، ثلاثيًّا مجردًا، تامًّا، مثبتًا، متصرِّفًا، قابلاً معناه للتفاضُل، غير مبني للمجهول، ولا معبَّر عن فاعله بأفعل فعلاء[32].
الشرط الأول:
أن يكون فعلاً:
فلا يصحُّ أن تُصاغ صيغتا التعجُّب مِن اسم؛ ولهذا فقد شذَّ قولهم: ما أكْلَبَه (من الكلب) وما (أحْمَره) من الحِمار[33].
الشرط الثاني:
أن يكون ثلاثيًّا:
بمعنى أن يكون المصاغ على ما أفعله وأفعل به فعلاً ثلاثيًّا مجردًا مِن الزوائد، فإنْ كان رباعيًّا مجردًا نحو دحرج ووسوس فلا يجوز البناءُ منه، والعِلَّة في عدمِ البناء من الرُّباعي الأصول[34] أنَّ التعجب منه يقتضي حذفَ حرْف من أصول الفعل، وفي ذلك إخلالٌ بدَلالته[35]، وأما إنْ كان ثلاثيًّا مزيدًا فإمَّا أن يكون على وزن أفْعل أو على غير وزنه. فإنْ كان على غير وزن أفْعل فلا يجوز أن يُصاغ منه أفعل ولا أفعل به[36].
أمَّا الأخفش، فإنه يُجيز – فيما نُقِل عنه – التعجُّبَ من كل فعل مزيد، وكأنه راعى أصله؛ لأنَّ الأصل في جميع ذلك الثلاثي، وقال بعضهم: إنما أجاز ذلك على استكراه، كما أجاز سيبويه ذلك في أفْعل[37].
ونحن نرفُض التعجُّب مما زاد على ثلاثة؛ لأنَّ التعجب به مباشرةً يؤدي إلى فوات القصْد من تلك الزيادة والهدَف منها، حيث المعنى في “ضرب” غير المعنى في “اضطرب” بينما التعجُّب فيهما سوف يكون بصيغة واحدة، ولا ندْري هل التعجُّب مِن الضرب أم مِن الاضطراب[38].
أمَّا إذا كان الفِعل على وزن “أفعل”، ففيه ثلاثة مذاهب:
1- مذهب الأخْفش، ونُسِب إلى سيبويه[39]: أنَّه يجوز التعجُّب منه مطلقًا.
2- مذهَب المازني وابن السرَّاج والفارسي، ومعهم المبرِّد[40]: المنْع مطلقًا.
حيث لا يجوز أن يُبنَى منه أفعَل ولا أفعِل على الإطلاق.
3- مذهَب ابن عصفور: إنْ كانت الهمزة للنقْل فلا يجوز، وإن لم تكن له فيجوز.
الشَّرْط الثالث:
أن يكون تامًّا:
فلا يجوز التعجُّبَ مِن الفعل الناقِص مثل: كان، وكاد، وكرُب، وغيرها من النواقص؛ فلا يصحُّ مثل: (ما أكون زيدًا قائمًا).
الشرط الرابع:
أن يكون مثبتًا:
فلا يجوز أن يُبنى التعجُّب مِن فعل منفي، سواء أكان ملازمًا للنفْي نحو:
(ما عاج بالدواء)[41]، أم غير ملازِم للنفي مِثل (ما قام زيد)، فلا يقال (ما أعوجَه)، ولا (ما أقومه)، والعِلَّة في ذلك أن لا يلتبس المنفيُّ بالمثبَت كما أنَّ صِيغة التعجُّب إثبات، وليستْ صالحة للنفي[42].
الشرط الخامس:
أن يكون الفِعل متصرفًا:
وذلك؛ لأنَّ صياغة الفِعل للتعجُّب نوعٌ مِن التصرُّف فيه، فإذا كان الفِعل جامدًا فلا يصحُّ التعجُّب منه لعدمِ تصرُّفه، مثل: (نِعم وبئس، وعسى وليس).
أما قولهم: “ما أعسى به” فشاذّ، ويرَى بعضهم “أن عسى خرجتْ عن معناها إلى معنى (ما أحقَّه وأحق به)[43].
الشرط السادس:
أن يكون معناه قابلاً للتفاضُل في الصِّفات التي تختلف بها أحوالُ الناس:
سواء أكان ذلك بالنسبة إلى شخصٍ واحد في حالين كالعِلم والجهل، أو شخصين كالحُسْن والقُبح، كنحو قولنا: ما أعلمه بالنحو، وما أجهله بالصَّرْف.
أما ما لا يقبل الزِّيادة نحو (مات وفني)، فلا يجوز أن نقول (ما أموت زيدًا)[44].
ويرَى سيبويه: أنه يجوز أن تقول: ما أهوجه وما أرْعَنه، وما أشعَنه وما ألدَّه، وهي أشياء تدلُّ على العيوب الباطِنة، وذلك إذا كانتْ متضمِّنة معانيَ قابلةً للتفاوت، فقال ” فإنما هذا عندهم من العلم ونقصان العقل والفطنة، فصارت ما ألده بمنـزلة ما أمرسه وما أعلمه، وصارت ما أحمقه بمنـزل ما ألده، وما أشجعه وما أجنه؛ لأن هذا ليس بلون ولا خلقة في جسده، وإنما هو كقولك ما ألسنه وما أذكره[45].
الشرْط السابع:
ألا يكون مبنيًّا للمجهول:
فلا يُبنى مِن نحو: ضُرِب زيد فلا يُقال: ما أضْرب زيدًا، قصدًا للتعجُّب من الضرب الذي وقَع على زيد؛ لأنَّ ذلك يلبس السامع، هل هو تعجُّب من فعل زيد للضرْب أم لوقوعه عليه.
ولقدْ أجاز ابنُ مالك التعجُّب مِن المبني للمجهول إذا لم يلبسْ بفعل الفاعل، وسمِع مِن ذلك ما أشغلَه وما أجنَّه وما أولعه… وما أبغضه إلي[46].
وقد استثنى بعضُهم من الفعل المبني للمجهول ما كان ملازمًا لصِيغة فُعِل، بضم أوله وكسر ثانيه. نحو: عُني بحاجتك وزُهي علينا؛ لأمن اللبس، فيقال: ما أعناه بحاجتك، وما أزهاه علينا[47].
وقال سيبويه في الكتاب: “وتقول: ما أمقته وما أبغضه إليَّ، إنَّما تريد أنه مقيت وأنه مبغض“[48].
الشرط الثامن:
ألا يكون الوصف منه على أفعل الذي مؤنثه فعلاء:
ولا فرْقَ في هذا بيْن ما كان مِن العيوب كبَرص وحول وعور، ولا ما كان من المحاسن كلمي وكحل[49]، ولا ما دلَّ على لون نحو، خضر الزرع.
واختلف النحاةُ على علَّة المنع، فقيل: إنَّ حق الفعل الذي يُبنى للتعجُّب أن يكون ثلاثيًّا محضًا، وأكثر أفعال الألوان والخلْف إنَّما تجيءِ على وزْن أفعل[50].
وقيل: إنَّ الألوانَ والعيوب الظاهِرة ثابتةٌ لا تتغيَّر في الشخْص، جرتْ مجرَى أعضائه كاليدِ والرِّجل[51].
الشرْط التاسع:
كونه واقعًا:
أي: أن يكون التعجُّب من شيءٍ واقعٍ بالفعل، وقد ورَد التعجُّب مِن أمور لم تقَع، نحو: ما أحسنَ ما يكون علم هذا الطفل، وما أطول ما يكون الذِّراع.
الشرْط العاشر:
كونه دائمًا، أو مستمرًّا:
– ومع هذا فقد تعجب مِن أمور لا تدوم نحو: ما أسرعَ رمْي زيد، وهو شيءٌ غير دائم[52].
كيفية التعجُّب بما خالف الشروط:
أ – يمكن التعجُّبُ مِن الزائد على ثلاثي، ومما وصْفه على أفعل الذي مؤنَّثه فعلاء بصيغة على وزن “أفعل”، نحو: أشد وأعظم، وعلى وزن أفعل بـ نحو: أشدِد وأعظِم.
وينصب مصدر الفِعل المطلوب التعجُّب منه مع صيغة “ما أفعل”، ويجر مصدر الفِعل المطلوب التعجُّب منه بالباء مع صِيغة (أفعل به) فمثلاً نتعجَّب مِن الفِعل (انطلق) قائلين: ما أشدَّ انطلاقَةَ فلان، و”أشدِد بانطلاقه“.
ب – كما أنَّه يمكن التعجُّب مِن المنفي، والمبني للمجهول، إلا أنَّ مصدرهما يكون مؤَّولاً لا صريحًا، نحو: (لا يقوم – ضُرِبَ) نقول فيهما حين التعجُّب: (ما أكثرَ ألاَّ يقوم)، و(ما أعظمَ ما ضُرِبَ).
جـ – أمَّا الفِعل الناقِص ففيه الأمران، بالمصدر الصريح أو المؤول، نحو: (ما أشدَّ كونَه جميلاً)، أو (ما أكثرَ ما كان جميلاً)، ونقول ” أشدِد” أو أكْثِر بذلك[53].
د – أمَّا الجامد والذي لا يتفاوت معناه؛ فلا يُتعجَّب منه مطلقًا[54].
[28] انظر “منهج السالك” (384).
[29] “التذييل والتكميل” (3/185).
[30] راجع كتابه”اللغة العربية معناها ومبناها” (118).
[31] “ارتشاف الضرب” (323).
[32] راجع “منهج السالك” (ص: 374).
[33] راجع: “المقتضب” للمبرد (4/180)، و”التصريح على التوضيح” (2/91).
[34] “منهج السالك” (374).
[35] “التذييل والتكميل” (3/191).
[36] راجع “التصريح على التوضيح” (2/91)، و”شرح المفصل” (7/145)، “مِن صيغ العربية وأوزانها” (143).
[37]في “الكتاب” (1/73) يقول سيبويه: (وبناؤه أبداً من: فَعَل، وفَعِل، وفَعُل، وأفعل).
[38] يقول المبرد: “واعلم أنَّ بِناء فِعل التعجب إنَّما يكون مِن بنات الثلاثة، نحو ضرَب وعلِم ومكث”؛ “المقتضب” (4/181، 182).
[39]راجع: “من صيغ العربية وأوزانها” (ص: 144)، و”التصريح” (2/91).
[40] راجع: “التصريح” (2/92).
[41]أي: ما انتفع به.
[42] “التصريح على التوضيح”.
[43]“منهج السالك”.
[44] “حاشية الصبان على الأشموني” (3/20).
[45] “الكتاب” (4/98).
[46] “التصريح” (2/92).
[47]راجع “من صيغ العربية وأوزانها”.
[48] “الكتاب” (4/99 – 100).
[49]“منهج السالك” (ص: 375).
[50]المرجع السابق.
[51] “أسرار العربية” للأنباري (ص: 121).
[52]راجع “منهج السالك”.
[53]“أوضح المسالك” (3/270) بتصرف.
[54]انظر المصدر السابق
