شروط توكيد الأفعال بالنونين

 

شروط توكيد الأفعال بالنونين

تستعرض هذه الدراسة النحوية الشاملة أحكام توكيد الأفعال بنوني التوكيد الثقيلة والخفيفة والشروط الضابطة لدخولهما على صيغ الأفعال المختلفة. فتوضح امتناع توكيد الفعل الماضي لكونه حدثاً انقضى وزال، واختصاص فعل الأمر بالتوكيد المطلق لدلالته الخالصة على الاستقبال دون حاجة لشروط. وتُفصل القول في الفعل المضارع وما يطرأ عليه من تغيرات لفظية ببنائه ومعنوية بتخليصه للمستقبل، مع بيان حالات توكيده المتدرجة بين الوجوب، والقريب من الواجب، والكثير، والقليل، والأقل. كما تُبرز العلل النحوية والآراء المذهبية بين البصريين والكوفيين، وأثر أدوات النفي والطلب والشرط في حظر التوكيد أو توجيهه. وتختتم المنظومة بفصل معلل حول مواضع التقاء الساكنين الجائزة والمغتفرة عند علماء العربية كالأخفش ويونس.

أورد النحاةُ للتوكيدِ بالنونين شروطًا، نُورِدها فيما يلي:

أولاً: الفعل الماضي:

لا يُؤكَّد بهما الفعل الماضي مطلقًا، ولو كان بمعنى الاستقبال، وأما قول الشاعر[14]:

دَامَنَّ سَعْدُكَ إِنْ رَحِمْتَ مُتَيَّمًا  ** لَوْلاَكَ لَمْ يَكُ لِلصَّبَابَةِ جَانِحًا

فضرورة شاذَّة، سهَّلها مجيء دامن مفيدًا للمستقبل معنًى؛ لكونه دعاء، وإنما قرر النحاة عدمَ توكيد الماضي؛ لأنَّه قد فات، وتأكيد الفائِت يمتنع؛ لأنَّه حدَث وانتهى.

 

ثانيًا: الفعل الأمر:

يُؤكَّد الفعل الأمر بالنونين مطلقًا دون شروط؛ لأنَّه خالِص للمستقبل دائمًا، سواء أكان الأمرُ بالصيغة أم باللام.

بالصِّيغة نحو (قومن).

باللام نحو (ليقومن).

 

ثالثًا: الفِعل المضارع:

اعلمْ أنَّ نوني التوكيد الثقيلة والخفيفة، تؤثِّران في الفِعل المضارع إذا أُكِّد بهما تأثيرين:

1-        تأثيرًا لفظيًّا:

ونعني به: إخراجَ الفعل المضارع مِن الإعراب إلى البِناء، ويصير الفِعل بسبب دخولهما عليه مبنيًّا بعدَ أنْ كان معرَبًا.

 2-تأثيرًا معنويًّا:

ونعني به: تخصيص الفِعل المضارِع بالاستقبال فقط بعدَ أنْ كان يصلُح للحال والاستقبال، والعلَّة في بناء الفِعل المضارع عندَ دخولهما عليه، أنَّ الأصل في الأفعال البناء، والفِعل المضارع إنما كان معربًا بسببِ مشابهته الاسم، ونوني التوكيد مِن خصائص الأفعال، فلمَّا دخلتَا على المضارع ضعفتْ مشابهته الاسم، فيَرجِع إلى الأصل الذي هو البناء فصار مبنيًّا.

 

ولتوكيد الفِعل المضارِع بهما حالات وأحكام؛ أولها: وجوب توكيد الفِعل المضارع، وذلك إذا توافرتْ فيه الشروط التالية:

1-        أن يكون المضارع مثبتًا.

2-        أن يكون مسقبلاً.

3-        أن يكون المضارع جوابًا لقَسَم.

4-        أن يكون غيرَ مفصول عن لامِه بفاصل.

 

ويجب توكيدُ المضارع باللام والنون عندَ البصريِّين، مثل قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57]، وخلوه مِن أحدهما شاذٌّ أو ضرورة، أمَّا الكوفيُّون فقد أجازوا الاكتفاءَ بأحدهما.

 

ويَمتنع توكيد المضارع بالنونين إنْ كان منفيًّا، نحو قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: 85]؛ إذ التقدير: (لا تفتأ)، ولعلَّ السر في هذا يرجِع إلى أنَّ بعض أدوات النفْي تخصُّ الفِعل الحالي مِثل (لا – ما) النافيتين، وذلك يُنافي التوكيدَ بالنونين، ومِن ثَمَّ عدم جواز التوكيد في هذه الحالة في جميعِ حالات النفي.

 

ولا يجوز توكيدُ الفِعل المضارع بهما إنْ كان الفعل يُفيد الحال، مِن ذلك قراءة ابن كثير (لَأُقْسِم بيوم القيامة)[15]، وكقول الشاعر[16]:

يَمِينًا لَأُبْغِضَ كُلَّ امْرِئٍ  ** يُزَخْرِفُ قَوْلاً وَلاَ يَفْعَلُ

والشاهِد في الآية الكريمة عدمُ توكيد الفِعل (أقسم)، وفي بيْت الشِّعر عدمُ توكيد الفِعل (أبغض) لأنَّهما فعلان حاليَّان؛ وذلك لأنَّ الإقسام والبُغض كلاهما موجود حال التكلُّم، ولا يُفيدان الاستقبال، وإنَّما امتنع توكيدُ المضارِع المقصود به الحال؛ لأنَّ نون التوكيد تُخلِّص الفعل للاستقبال، فإذا كان للحال كان في إلْحاق نونِ التوكيد به تناقُض.

 

ولا يجوز كذلك التوكيد إذا كان الفعلُ المضارع مفصولاً مِن اللام؛ وذلك لأنَّ الفصلَ يدلُّ على عدمِ الاهتمام بالفِعل، وذلك يَتنافى مع التوكيد به، ومِن أمثلة الفصل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [آل عمران: 158].

 

فقد فُصِل بيْن اللام والفِعل بمعموله، واللام في لئن موطِّئة للقسم المحذوف، واللام في الأولى مؤكِّدة للجواب، وهو (تحشرون)، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: 5].

 

ثانيها: أن يكون التوكيدُ قريبًا من الواجب: وذلك إذا كان شرطًا لأن المؤكِّدة بما الزائدة، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26]، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ [الزخرف: 41]، ومِنْ تَرْكِ توكيده قولُ الشاعر[17]:

يَا صَاحِ إِمَّا تَجِدْنِي غَيْرَ ذِي جِدَةٍ ** فَمَا التَّخَلِي عَنِ الخِلاَّن مِنْ شِيَمِي

فقد ترَك توكيد الفِعل تجد مع وقوعه شرطًا لـإن المؤكّدة بما الزائدة، وهذا قليل، وقيل: ترك التوكيد للضرورة[18] الشِّعريَّة.

 

ثالثها: أن يكون التوكيد كثيرًا: وذلك إذا وقَع بعدَ أداة تُفيد الطلبَ حقيقةً، كالأمر والنهي والدعاء، والعرْض والتحضيض، والتمني والاستفهام، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا [إبراهيم: 42]، حيث أكّد الفعل بعد لا الناهية، وكقول الشاعر:

هَلاَّ تَمُنِّنْ بِوَعْدٍ غَيْرِ مُخْلِفِةٍ  ** كَمَا عَهِدْتُكِ فِي أَيَّامِ ذِي سَلَمِ

حيث أكد (تمنّن) بنون التوكيد بعدَ أداة التحضيض (هلا)، وكقول الشاعر الآخَر[19]:

فَلَيْتَكِ يَوْمَ الْمُلْتَقَى تَرَيِنَّنِي   ** لَكَيْ تَعْلَمِي أَنِّي امْرُؤٌ بِكِ هَائِمُ

حيث أكّد الفعل (تريني) لوقوعه بعدَ أداة تُفيد التمنِّي (ليت)، وقول امرئ القيس[20]:

قَالَتْ فُطَيْمَةُ حِلَّ شِعْرَكَ مَدْحَهُ  ** أَفَبَعْدَ كِنْدَةَ تَمْدَحَنَّ قَبِيلاَ

حيث أكْد الفعل (تمدحنَّ) لوقوعه في سياق الاستفهام.

رابعها: أن يكون التوكيد قليلاً: وذلك بعد لاالنافية، وما” الزائدة، التي لم تُسبق بإن الشرطية، سواء أسُبقت بأداة شرْط نحو: حيثما تقعدن أقعد) أم لم تسبق، وبعد لا: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25].

 

وشاهد ما الزائدة التي لم تسبق بشرط قول الشاعر[21]:

إِذَا مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ سَرَقَ ابْنُهُ ** وَمِنْ عَضَّةٍ مَا يَنْبُتَنَّ شَكِيرُهَا

وكقول حاتم الطائي:

قَلِيلاً بِهِ مَا يَحْمَدَنَّكَ وَارِثٌ ** إِذَا نَالَ مِمَّا كُنْتَ تَجْمَعُ مَغْنَمَا

خامسها: أن يكونَ أقل: وذلك بعد لم وبعدَ أداة جزاء غير إمَّا كقول الشاعر (هو أبو حيَّان الفقعسي) يصف قعبَ لبن علَتْ عليه رغوتُه حتى امتلأ:

يَحْسَبُهُ الجَاهِلُ مَالَمْ يَعْلَمَا ** شَيْخًا عَلَى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمَا

وأيضًا مثله قول ابنة مرَّة الحارثي تَرثي أباها، وكانتْ باهلة قد قتلتْه:

مَنْ نَثْقَفَنْ مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِآيبٍ ** أَبَدًا وَقَتْل ُبَنِي قُتَيْبَةَ شَاغِلِي[22]

والشاهِد في البيت الأوَّل قوله (لم يعلما) حيث أكّد الفعل يعلم (يعلمنْ) بالنون الخفيفة التي قُلِبت ألفًا، على الرَّغْم مِن وقوعه بعدَ لم، وفي البيت الثاني: وقوع الفِعل (نثقفنْ) مؤكدًا بالنون الخفيفة على الرغْم مِن وقوعه شرطًا لمَن، وكل هذه الصُّور، مِن باب التوكيد الأقلّ.

 

مواضِع التِقاء الساكنين:

يقول الأخفش في كتاب العَروض: “وقد يُجمع بينهما (الساكنين) في بعضِ القوافي، ولا يكون الأول في ذلك إلا حرْف لينٍ لضعْف الساكن، وقد يجتمع في الوقف الساكنان، نحو: قال عمرو، وقد يجمع بيْن الساكنين في الكلام في غيرِ الوقف، إذا كان الأوَّل مِن حروف المدِّ واللين، وكان الثاني مدغمًا، نحو ألف دابة؛ لأنَّ الباء ثقيلةٌ، وأوَّلها ساكنٌ، وأصيم تصغير أصم، وواو ثمود، الثوب الدال ثقيلة فأولها ساكن والميم في أصيم كذلك[23].

 

أ لقدْ سوَّغ الأخفش التِقاء الساكنين، إذا كان الأوَّل حرفَ مدٍّ، والثاني مدغمًا فيه ولعلَّه سوَّغ هذا لأنَّ حرْف المد بمنـزلة المتحرِّك، والساكن الثاني إذا كان مدغمًا يجْري مجرَى الحرْف الواحِد المتحرِّك للتلفُّظ بالمدغَم فيه دفعةً واحدة؛ ولهذا يتعذَّر على اللسان التلفُّظ بهما.

 

ب وسوَّغ يونس النونَ الخفيفة في اتِّصالها بفِعل الاثنين، وجماعة الإناث؛ وذلك لأنَّ في الألِف زيادةَ مدّ، والمد يقوم مقامَ الحرَكة، ويؤيِّد مذهب يونس قِراءة مَن قرأ (محياي) بإسكان الياء الثانية، وذلك يوجِب التقاء الساكنين، وهما: الألِف والياء.

 

جـ كما سوَّغ الأخفش التقاءَ الساكنين إذا كان الأوَّل حرْف لين، والثاني مدغمًا نحو (خويصة ودويبة).

 

د وأيضًا يُغتفَر التِقاء الساكنين، إذا كانَا في لفظٍ بُني لعدم التركيب نحو: ميم – عين – صاد.

 

هـ وأيضًا يُغتفر ذلك إذا كان في كلِمة أوَّلها همزة وصْل مفتوحة دخلتْ عليها همزة الاستفهام نحو: (ألحسنُ خيرٌ أم ابن سيرين؟) وإذا كانتَا في نحو: (لا ها الله) بمدِّ هاء التنبيه، وأصلها: لا والله، فحذف حرْف القَسَم، وعوّض عنه هاء التنبيه.

 

و ويُغتفر التِقاء الساكنين إذا كان الثاني منهما موقوفًا عليه مطلقًا، نحو: غلامْ بسكون الميم و(زيدْ، وهندْ) بسكون الدال.

 

 

 

ترك تعليق