التطبيق اللغوي على الممنوع من الصرف: الدليل الإعرابي والتحليلي للمسائل والنماذج النحوية
التطبيق اللغوي على الممنوع من الصرف: الدليل الإعرابي والتحليلي للمسائل والنماذج النحوية
مقدمة المقال
يُمثل التطبيق التركيبي واجهة الممارسة الفعلية للقواعد النحوية، حيث تخرج المعارف النظرية من إطار الحفظ إلى فضاء الاستعمال اللغوي الفصيح. ويعد باب “الممنوع من الصرف” من أكثر الأبواب النحوية حاجة إلى النماذج التطبيقية والأسئلة التحليلية، نظراً لتعدد علله وتنوع أحكامه بين العلمية والوصفية والجموع. إن تدريب اللسان والعقل على تفكيك التراكيب التي يمتنع فيها التنوين وتتحول فيها علامة الجر إلى الفتحة يُكسب الباحث اللغوي ملكة لسانية واعية تمنعه من اللحن والخطأ. وفي هذا المقال التطبيقي الشامل، سنقوم باستعراض المسائل الإعرابية لـ (الممنوع من الصرف) وفق نظام حواري تعليمي مفصل، يتتبع جزئيات المسائل من أسماء الأنبياء والملائكة، والأوزان الصرفية المختلفة، وصيغ منتهى الجموع، وصولاً إلى الأحوال التركيبية للمركبات والأسماء المؤنثة، مستدلين بالشواهد القرآنية والأقيسة الفصحى ليكون مرجعاً تطبيقياً متكاملاً لا يحتاج القارئ بعده إلى مرجع آخر.
أولاً: تطبيقات الوصفية على وزن (أَفْعَل) ومؤنثه (فَعْلَاء)
ندرس في هذه المسألة الأولى تطبيقاً عملياً على الوصفية الممنوعة من الصرف من خلال النموذج الحواري الآتي:
نقول: “مررت بأحمرَ بن حمراء”. كيف تُعرب: “بأحمرَ بْنِ حمراءَ”؟
◘ أحمر: مجرورة بالباء، وعلامة الجر الفتحة نيابةً عن الكسرة.
لماذا جرَرْتَه بالفتحة؟
◘ لأنه لا ينصرف.
وما يُدريك أنه لا ينصرف؟
◘ لأنه على وزن أفْعَل.
(ابن)، كيف تُعربه؟
◘ أجرُّه بالكسرة.
لماذا؟
◘ لأنه صفة لأحمر فيأتي مجرورًا بالكسرة على الأصل.
ما موقع “حمراء” من الإعراب؟
◘ مضاف إليه؛ لأن (ابن) مضاف.
ما علامة إعرابها؟
◘ (حمراء): مجرورة بالفتحة نيابة عن الكسرة.
ولماذا جرَرْتَها بالفتحة؟
◘ لأنها على وزن “فَعْلاء”، والقاعدة أن ما كان على “أفعل” الذي مؤنثه “فعلاء” يُمنع من الصرف فيُجرُّ بالفتحة نيابةً عن الكسرة، وبالطبع لا يُنوَّن.
هل هناك دليل من القرآن على أن “أفعل” لا ينصرف؟
◘ نعم، قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 10].
وهل يمكن أن ينصرف لفظَا “أحمر وحمراء”؟
نعم، بطريقتين:
الأولى: أن ندخل عليه (أل)، فنقول: “مررت بالأحمرِ ابن الحمراء”.
الثانية: بإضافتها، فنقول: “مررت بأحمرِ الرجال، وبحمراءِ النساء”.
وهل هناك دليل من الكتاب؟
◘ نعم: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]. حيث انصرف لفظ (أحسن) فجُرَّ بالكسرة الظاهرة؛ لحيث أُضيفَتْ “أحسن” إلى تقويم، وكذلك ما كان على هذا المثال الفقهي والصرفي.
نحو ماذا؟
◘ نحو: “أبيض بيضاء”، و”أسود سوداء”، و”أبلق بلقاء”، و”أحمق حمقاء”.
ثانياً: أحكام زيادة الألف والنون وعوارض البنية الصرفية لـ (فَعْلَان)
تتناول هذه المسألة تمييز الحروف الزائدة من الأصلية وتأثير بنية المدة في احتساب الحركات:
كيف تعرب “آدم، وآخر” في قولنا: “مررتُ بآدمَ وآخَرَ”؟
◘ نقول: “بآدمَ وآخَرَ” نجرُّهما بالفتحة نيابة عن الكسرة.
وكيف وهما على ثلاثة أحرف بينما “أفعل” على أربعة أحرف؟
◘ “آدم وآخَر” على أربعة أحرف أيضًا؛ لأن المدَّة فيهما تُعدُّ حرفًا، ولو كانا على ثلاثة أحرف لكانا (أدم وأخَر).
كيف تعرب: “مررت بعثمانَ وشعبانَ”؟
◘ عثمان وشعبان مجروران بالفتحة نيابة عن الكسرة.
لماذا؟
◘ لأنهما على وزن “فعْلان” لا ينصرفان؛ لأن النون فيهما زائدة.
وهل هناك مثيل لهما نونُه أصليةٌ، ويَنْصرِف؟
◘ نعم: طحَّان – وسمَّان – وشيطان: النون فيها أصلية من الطَّحْن والسَّمْن والشيطنة، ولذلك تظهر عليها الحركات والتنوين.
ثالثاً: النماذج الإعرابية للأفعال والظروف المصاحبة لأسماء (فُعَل)
يتسع التطبيق النحوي ليدرس التراكيب المحيطة بالأسماء الممنوعة من الصرف لبيان علل الحذف الصوتي وأحكام الظروف:
كيف تعرب: “كنتُ عندَ عمرَ”؟
◘ كنت: فعل ماضٍ مبنيٌّ على السكون، والتاء: مبني على الضم في محل رفع فاعل.
لماذا حذفت الألف من “كان”؟
◘ سكنتْ النون لاتصال “كان” بتاء الفاعل، والألف ساكنة، فالتقى ساكنان، فحُذِفت الألفُ لالتقاء الساكنين.
الألف في “كان” ما أصلها؟
◘ أصلها “الواو” “كون”؛ حيث وقعت الواو موقع العين في “فَعَلَ” وهي معتلة، ولم تحتمل الحركة لعلَّتها، فقلبوها ألفًا ساكنًا، بدليل أنها إذا أُسْنِدت إلى الاثنين وواو الجماعة في المضارع؛ نقول: “يكون، يكونان، يكونون”.
(عند) في قولنا: “كنتُ عندَ عُمرَ” ما محلُّها؟
◘ عند: ظرف مكان لا يعمل إلا مضافًا جارًّا لما بعده.
“عمر”: ما إعرابها؟
◘ اسم مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة.
ولماذا جرَرْتَه بالفتحة؟
◘ لأنه على وزن “فُعَل”، وما كان على “فُعَل” فإنه لا ينصرف للعلمية والعدل.
رابعاً: أحكام العلم المؤنث وصيغ منتهى الجموع
تُعنى هذه المسألة بضبط جموع التكسير المتناهية والأعلام المختومة بتاء التأنيث أو الدالة عليه:
كيف تعرب: “مررْتُ بحمزةَ بنِ طلحةَ”؟
مرَّ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكون لاتصاله بتاء الفاعل.
والتاء: مبني على الضمِّ في محل رفع فاعل.
الباء: حرفُ جرٍّ مبنيٌّ على الكسر.
حمزة: اسم مجرور بالباء، وعلامة جرِّه الفتحةُ نيابة عن الكسرة.
لماذا جرَرْتَه بالفتحة نيابة عن الكسرة؟
◘ لأنه اسم في آخره تاء التأنيث. وكذلك “طلحة” مجرورة بالكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنها مضافة إلى “ابن”، وهي ممنوعة من الصرف؛ لأن في آخرها تاء التأنيث.
◘ ماذا تقول في “مساجد – وقناديل” في قولنا: “مررْتُ بمساجدَ عامرةٍ، وقناديلَ مضيئةٍ”؟
◘ مساجد: مجرورة بالباء، وعلامة جرِّها الفتحة نيابة عن الكسرة، وقناديل: معطوفة عليها، والمعطوف على المجرور مجرورٌ مثله، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة أيضًا.
لماذا منعتها من الصرف؟
◘ لأن كلَّ جمعٍ ثالث حروفه ألف وبعد الألف حرفان أو ثلاثة أوسطهما ساكن لا ينصرف (وهي صيغة منتهى الجموع).
وكيف تصرفهما؟
◘ إذا دخلت عليهما (أل) أو أُضيفا يُجرَّان بالكسرة.
وكيف ذلك؟
◘ نقول مثلًا: “مررْتُ بمساجدِكم العامرة، والقناديلِ المضيئة”؛ حيث أضفنا “مساجد” إلى “كم” وأدخلنا “أل” على القناديل.
وما دليلك من القرآن الكريم؟
◘ قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: 13]؛ حيث لم تُصرف (محاريب وتماثيل)، وجاءتا مجرورتين بالفتحة نيابة عن الكسرة، وهكذا كل جمع ثالثه ألف وبعدها حرفان أو ثلاثة (أوسطها ساكن).
خامساً: التوجيه النحوي لأسماء الأنبياء والملائكة والجن والتركيب المزجي
نستعرض في هذه الجدولة الحوارية النهائية الأحكام الصارمة المتعلقة بأصناف من العجمية والتركيب:
أسماء الأنبياء (عليهم صلوات الله وسلامه) مصروفةٌ أم ممنوعةٌ من الصرف؟
◘ أسماء الأنبياء عليهم السلام لا ينصرف منها شيء إلَّا ستة تأتي مصروفةً.
وما هذه المصروفة ولماذا تصرف؟
◘ هي: (محمد صلى الله عليه وسلم، وصالح، وشُعيب، ونوح، ولوط، وهود). وتصرف لأن الثلاثة الأولى عربية، والثلاثة الثانية ثلاثية ساكنة الوسط.
فماذا تقول في “أُعْجِبت بإسماعيلَ بنِ إبراهيمَ”؟
◘ أُعجبْتُ: أُعجب: فعل ماضٍ مبنيٌّ للمجهول، وهو مبني على السكون لاتصاله بالتاء، والتاء: ضمير مبني على الضمِّ في محل رفع نائب فاعل.
◘ الباء: حرفُ جرٍّ مبنيٌّ على الكسر.
◘ إسماعيل: اسم مجرور بالباء، وعلامة جرِّه الفتحة نيابة عن الكسرة.
◘ بن: صفة لإسماعيل مجرورة بالكسرة على الأصل، وهي مضاف.
◘ إبراهيم: مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة.
ولماذا جرَرْتَ “إسماعيل وإبراهيم” بالفتحة؟
◘ لأنهما اسمان من أسماء الأنبياء أعجميان، وكلُّ اسمٍ أعجمي يُمنع من الصرف إذا كان زائدًا عن ثلاثة أحرف.
◘ علمنا أن أسماء الأنبياء لا تنصرف إلا ستة منها، فماذا تقول عن “جبريل، وميكائيل، وإسرافيل” في قولنا: “آمنت بجبريلَ، وميكائيلَ، وإسرافيلَ”؟
◘ أقول: “جبريل، وميكائيل، وإسرافيل” أسماء مجرورة بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنها ممنوعة من الصرف؛ لأن أسماء الملائكة لا تنصرف للعلمية والعجمة.
وماذا تقول في أسماء الجن؛ مثل: إبْلِيس؟
◘ نقول: أُلقِي بإبْليسَ في جَهَنَّمَ وسَقَرَ. حيث جُرَّ “إبليس” بالباء، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة. و”جهنم وسقر” مجرورة بـ(في) وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة، وسقر مثلها؛ لأنها معطوفة عليها؛ والعلة النحوية فيها أنهما عَلَمان مُؤنثان.
وماذا تقول في (قاموس وقابوس وعاشور)؟
◘ أقول هي أسماء ممنوعة من الصرف تُجرُّ بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنها على وزن “فاعول”، وكل ما كان على وزن “فاعول” يُمنع من الصرف للعلمية والعجمة، ومثلها أيضًا: (هاروت – وماروت – وداود – وهارون).
وماذا تقول في (يزيد – ويشكر – وأحمد)؟
◘ أقول أسماء ممنوعة من الصرف تُجر بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنها أسماء على وزن الفعل المضارع، ومثلها: (تغلب – ويعفر – وينبع)، وإذا سمِّيت رجلًا بـ”يضرب”.
هل هناك أسماء أخرى ممنوعة من الصرف؟
◘ نعم؛ مثل: (رحماء – وأتقياء – وشهداء – وأنبياء)؛ لأنها أسماء جاءتْ على فُعَلاء وأفْعِلاء منتهية بألف التأنيث الممدودة.
هل تبقَّى شيء من الأسماء الممنوعة من الصرف؟
◘ نعم؛ مثل كل اسمين جُعِلا اسمًا واحدًا (المركب تركيباً مزجياً) نحو: (خمسة عشر) و(بعلبك) و(حضرموت)، وهي لا تنوَّن، وتُجرُّ بالفتحة نيابة عن الكسرة. وكذلك الأسماء المركبة تركيبًا إسناديًّا؛ مثل: (تأبَّط شرًّا – شابَ قرناها). وكل علم دلَّ على مؤنث زائد على ثلاثة؛ نحو: (زينب – وفاطمة – وخديجة). أما إنْ كان ثلاثيًّا ساكن الوسط، فيجوز صرفُه ومنْعُه؛ نحو: (هنْد – ودعْد – ونعْم).
كيف تعرب قولنا: “هبطتُ من مكةَ إلى المدينةِ”؟
◘ هبطت: هبط: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، والتاء: مبني على الضم في محل رفع فاعل.
◘ مكة: اسم مجرور بـ(من)، وعلامة جرِّه الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، والمدينة: اسم مجرور بـ(إلى) وعلامة جره الكسرة.
لماذا جرَرْتَ (مكة) بالفتحة، و(المدينة) بالكسرة؟
◘ لأن مكة علم مؤنث لم تدخل عليه (أل) ولم يُضف فمُنِع من الصرف، والمدينة اسم مؤنث دخلت عليه (أل) فصُرِف، وكلاهما من أسماء الأرض، وكذلك كل ما أشبههما في التعليق الإعرابي.
————————–
[1] مستخرجة من التطبيقات النحوية المصاحبة لشروح الآجرومية ومتن قطر الندى في المباحث القياسية والسمعية.
[2] التوجيه الصرفي للفظ (ابن) عند وقوعه بين علمين يقتضي حذف ألفه خطاً وإتباعه للعلم الأول في حركته الإعرابية نعتاً أو بدلاً.
[3] العلة في منع المركب المزجي ترجع إلى صيرورة الكلمتين بمثابة الكلمة الواحدة، حيث تجري علامات الإعراب على الحرف الأخير منها.
[4] الأسماء الثلاثية ساكنة الوسط دلالة على المؤنث (مثل هند) يجوز فيها وجهان عند النحاة: المنع رعاية للمعنى، أو الصرف رعاية لخفة البنية الثلاثية.
[5] دخول (أل) التعريفية أو الإضافة اللفظية على صيغ منتهى الجموع أو الصفات يزيل علة شبه الفعل ويعيد الاسم إلى حيز التمكن التام.
