هندسة الحروف المشبهة بالفعل: الأحكام البنائية وتوجيه تخفيف النون وإعمال (إنَّ) وأخواتها
هندسة الحروف المشبهة بالفعل: الأحكام البنائية وتوجيه تخفيف النون وإعمال (إنَّ) وأخواتها
مقدمة المقال
تُعد الحروف المشبهة بالفعل، والمعروفة في الأوساط النحوية بـ (إن وأخواتها)، إحدى أهم ركائز دراسة النواسخ التي تطرأ على الجملة الاسمية لتغير تركيبها الإعرابي وتمنحها أبعاداً دلالية وسياقية بليغة. إن هذه الحروف الستة لا يقتصر أثرها على إحداث النصب في المبتدأ والرفع في الخبر فحسب، بل تمتد أحكامها لتشمل ظواهر لغوية وصوتية دقيقة تستدعي من الدارس الوقوف على عللها النحوية. فبين إعمال الأداة وإهمالها عند اقترانها ببعض الحروف الزائدة، وبين تتبع أحكام تخفيف نونها الثقيلة وما يترتب على ذلك من شروط عزل أو فصل في بنية الجملة، تتجلى مرونة اللسان العربي وسعته البيانية. وفي هذا المقال الأكاديمي الشامل، سنقوم بتفكيك هذه المسائل النحوية المعقدة مستندين إلى آراء المحققين والشواهد التنزيلية، لنقدم دليلاً وافياً مستوفياً لقواعد الضبط اللغوي بما يعين الباحثين والطلاب على إتقان هذا الباب وتجنب التشتت بين المصادر الوجيزة.
عناصر المقال
1) دلالات الحروف الناسخة الستة وعملها الإعرابي.
2) أحكام كف الأحرف المشبهة بالفعل عن العمل بواسطة (ما) الزائدة.
3) التوجيه النحوي والصرفي لتخفيف النون في الأدوات الناسخة.
4) أحكام تقدم وتوسط خبر الحروف الناسخة.
5) مواضع وجوب فتح همزة (إنَّ) ووجوب كسرها.
6) لام الابتداء (المزحلقة والفارقة) ومواضع دخولها في الجملة.
أولاً: دلالات الحروف الناسخة الستة وعملها الإعرابي
تتألف الحروف المشبهة بالفعل من ستة أحـرف: إنَّ وأنَّ وكأنَّ ولكنّ وليتَ ولَعَـلَّ، وعملها نصب المبتدأ على أنـه اسـمها، ورفـع الخبر على أنـه خـبرها. وتتوزع هذه الأدوات بحسب معانيها البلاغية على النحو الآتي:
1) (إنَّ) و(أنَّ): بتشديد النون فيهما، وكسر الهمزة في الأولى وفتحها في الثانية، وهما للتوكيد، فإذا أردت أن تؤكد قولك: زيد قائم، قلت: إنَّ زيدًا قائم، أو علمتُ أن زيدًا قائم. ويُشترط في (أنَّ) المفتوحة الهمزة لا بد أن يسبقها شيء، كما في المثال السابق، وهي مصدرية، تؤوَّل مع ما بعدها بمصدرٍ كما سيأتي.
2) (لكنَّ): وهي للاستدراك، والاستدراك: « تعقيب الكلام بما يرفع التوهم »، فإذا أردت الإخبار عن زيد بأنه شجاع، فقد يتوهم السامع أنه كريم أيضًا؛ لأن الغالب أن يكون الشجاع كريمًا، وإذا علمت أنه بخيل قلت: زيد شجاع لكنه بخيل.
3) (كأنَّ): وهي للتشبيه[1]؛ تقـول: كأن زيـدًا أسـد.
4) (ليتَ): وهي للتمني: «وهو طلب أمر محبوب لا يمكن حصوله»، كقول الشيخ: ليتَ الشبابَ يعود، أو يمكن حصوله لكنه عَسِر، كقول الفقير الآيس: ليتَ لي ألفَ دينار.
5) (لعلَّ): وهي للترجي: «وهو طلب أمر محبوب لا يصعب حصوله»، مثل: لعلَّ الله يرحمنا، أو تأتي للتعليل مثل: عِظ الظالمَ لعله يرتدعُ، أو للإشفاق، وهو توقُّع أمر مكروه مثل: لعل العدوَّ يباغتنا.
ثانياً: أحكام كف الأحرف المشبهة بالفعل عن العمل بواسطة (ما) الزائدة
تتعرض هذه الحروف لعارض تركيبي يلغي أثرها الإعرابي؛ فإذا اقترنت بهذه الأحرف (ما) الزائدة[2]، كَفَّتها عن العمل، وزال اختصاصها بالأسماء؛ تقول: إنما زيد كاتب، فإنما كافة ومكفوفة (الكافة ما والمكفوفة إنَّ)، وزيد كاتب مبتدأ وخبر. ونتيجة لزوال الاختصاص بالأسماء، فإنها تصبح صالحة للدخول على الجمل الفعلية؛ نحو قولك: إنما يفوز الصادق، فقد دخلت على الفعل. ومن الشواهد البلاغية في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: 65]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: 11].
ويُستثنى من ذلك حكم أداة التمني ( ليت )، فإنها إذا اقترنت بما تبقى مختصةً بالأسماء، لذلك أجازوا إعمالَها وإهمالها، تقول: ليتما أخاك حاضرٌ ( بالإعمال)، وليتما أخوك حاضر ( بالإهمال ).
ثالثاً: التوجيه النحوي والصرفي لتخفيف النون في الأدوات الناسخة
عندما يدخل التخفيف على النون المشددة في هذه الحروف، تتغير أحكامها الإعرابية والتركيبية بحسب كل أداة:
تخفيف (إنْ) المكسورة: إذا خففت (إن) المكسورة الهمزة جاز إعمالُها وإهمالُها، تقول: إنْ زيدًا منطلقٌ، وإنْ زيدٌ لَمنطلقٌ، وإذا أُهمِلت وجبَ اقترانُ خبرها بلام التوكيد[3]، كما في المثال الثاني المتقدم.
تخفيف (أنْ) المفتوحة: إذا خُففت (أن) المفتوحةُ الهمزةِ بَقيت عاملةً، ولكن يجب فيها أمـور أربعة تفصيلها:
1) أن يُحذَف اسمُها على أنه ضمير الشأن.
2) أن يكون خبرها جملةً فعليةً أو اسمية.
3) إذا كان خبرها جملة فعلية فعلُها متصرفٌ لم يُقصَد به الدعاء، وَجَبَ أن يُفصَل بينها وبين الفعل بِقَد أو حرفِ تنفيس[4]، أو حرفِ نفي أو (لو). فمثال الفصل بـ (قد) قوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 113]، ومثال حرف التنفيس قوله سبحانه: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: 20]، ومثال النفي قوله جل وعلا: ﴿حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: 71]، ومثال الفصل بـ (لو) قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: 16]. فاسم أن في الجميع محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها.
4) أمَّا إذا كان الخبر جمـلةً اسميةً أو فعليةً فعلُــها جـامد، أو متصرف قُصِدَ به الدعاء، فلا تحتاج إلى فاصل؛ ومثال الاسمية قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10]، ومثال الفعل الجامد قوله تبارك اسمه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]، ومثال مـا قُصِـدَ به الدُعَـاء قوله عز وجل: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 9].
تخفيف (كأنْ): إذا خففت (كأنَّ) بقِيت عاملةً، وجاز ذكرُ اسمِها وهو الأكثر، وجاز حذفه قليلًا؛ قال الشاعر يَصِف امرأة:
……………….. كأنْ ظبية تعطو إلى وارِقِ السَلَم[5]
رُوِي بنصب ظبية على أنها اسم كأنْ، وجملة تعطو صفته والخبر محذوف، ورُوِيَ برفع ظبية على أنها خبر كأن واسمها محذوف. وإذا كان خبرها جملةً فعليةً وَجَبَ أن يُفصَل بينها وبين الفعل بلَمْ أو قَـدْ؛ مثـال الفصل بـ (لم) قـوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24]، ومثال (قد) قول الشاعر عن الحرب:
………………. فمحـذورُها كأنْ قد ألَمَّا[6]
فاسم كأنْ في المثالين ضمير الشأن محذوف، والجملة الفعلية خبرها.
تخفيف (لكنْ): إذا خُففت (لكنْ) فإنها تُهمَل وجوباً وتزول عن العمل؛ قال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 162].
رابعاً: أحكام تقدم وتوسط خبر الحروف الناسخة
وضع النحاة قواعد صارمة لترتيب عناصر الجملة الناسخة مع هذه الأحرف؛ حيث إن هذه الأحرف لا يجوز أن يتوسط[7] خبرها بينها وبين اسمها، فلا يقال: إنَّ قائم زيدًا. ويستثنى من هذا المنع موضع واحد؛ وهو: إذا كان الخبر ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا، مثل قولك: إنَّ خلفَ الجدار حديقةً، وإنَّ في الدار زيدًا. ومن الشواهد القرآنية المطابقة لهذا الاستثناء قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: 12]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: 26].
خامساً: مواضع وجوب فتح همزة (إنَّ) ووجوب كسرها
تتحدد الحركة الإعرابية لهمزة الأداة (إن/أن) بناءً على موقعها التركيبي الصرفي في الجملة، ولها حالتان:
وجوب فتح الهمزة:
تفتح همزة إنَّ إذا وقعت هي ومعمولاها موقع المصدر، وهـذا المصدر المؤول يكون موقعه بحسب الإعراب:
في محل رفع: مثل: ظَهَرَ أنك صادق، فالمصدر فاعل ظهر، والتأويل: ظهر صدقُك. ومثل: عُلِمَ أنك مجتهد، فالمصدر نائب فاعل عُلِمَ، والتأويل: عُلِمَ اجتهادُك.
في محل نصب: مثل: علمتُ أنك مخلص، فالمصدر مفعول به، والتأويل: علمتُ إخلاصَك.
في محل جر: مثل: أكرمتُك لأنك وفيٌّ، فالمصدر مجرور باللام، والتأويل: أكرمتُك لِوفائِك.
وجوب كسر الهمزة: وتُكسر همزة إنَّ في مواضع[8]، منها:
1) أن تقع في الابتداء: كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]، ومن وقوعها في الابتداء ما لو وقعت بعد ألا الاستفتاحية؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: 62]. وكذا لو وقعت بعد النداء، وفي القرآن الكريم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ [إبراهيم: 38].
2) أن تقَع بعد القسَم: مثل: والله إنك لصادق؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: 3].
3) أن تقع بعد القول: مثل: قلتُ لصاحبي إنك مخلص، وفي القرآن الكريم: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30].
4) أن تقع اللام بعدها: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذيبُونَ﴾ [المنافقون: 1].
سادساً: لام الابتداء (المزحلقة والفارقة) ومواضع دخولها في الجملة
تُعرف لام الابتداء بأنها حرف يؤتى به للتوكيد، تقول في الجملة الاسمية قبل النسخ: لَزيدٌ حاضرٌ، فإذا أردتَ توكيدَ هذه الجملة بمؤكِّدٍ آخر، وهو إنَّ، أخرت اللام كراهة الجمع بين مؤكدين في الصدر، فقلتَ: إنَّ زيدًا لحاضرٌ.
وتُسمى اللام هنا “اللام المزحلَقة”، لِتَزحلُقها عن الصدر والمبتدأ إلى الخبر. وتُسمى أيضًا “اللام الفارقة”، لأنها تفرق بين أن المخففة من الثقيلة المهملة التي هي للإثبات، وبين إن النافية المهملة؛ فتقول إذا أردتَ إثبات الصدقِ لزيدٍ: إن زيدٌ لَصادق، وتقول إذا أردتَ النفي: إن زيدٌ صادقٌ، فاللام في الجملة الأولى دلَّت على أنها مخففة مثبتة، وعدم اللام في الجملة الثانية دل على النفي[9]؛ أي ما زيدٌ صادق.
أما عن مواضع دخولها عند اتصالها بـ (إنّ)، فالمقرر أنها تدخل على المتأخر من معمولَيها؛ فتدخل على الخبر المتأخر؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلناسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: 6]. وتدخل على المبتدأ (الاسم) المتأخر؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: 26]. كما تدخل على معمول الخبر إذا تَقَدَّمَ مثل: إنَّ زيدًا لَطعامَك آكلٌ، فطعامك مفعول به لاسم الفاعل آكل الذي هو خبر إنَّ. وتدخل على ضمير الفَصل؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62]، فهذا اسم إنَّ واللام للتوكيد، وهو ضمير فصل لا محل له من الإعراب، والقصص خبر إن والحقُّ صفته، ويجوز أن يُعرب مبتدأ ثانيًا، والقصص خبره، والجملة في محل رفع خبر إنَّ.
————————————
[1] ذكر صاحب القطر ورود كأنّ للظن، وقال آخرون: لا ترد إلا للتشبيه.
[2] بخلاف (ما) الاسمية أو الحرفية المصدرية، فإنهما لا يبطلان عمل إنَّ؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: 69]، فما اسم موصول اسم إنَّ، وكيد خبرها، وتكتب (ما) هذه منفصلة عن (إنَّ).
[3] سيأتي بحث هذه اللام.
[4] السين أو سوف.
[5] أي كأنَّ هذه المرأةَ ظبية تمد عنقَها لتتناول ورقَ الشجر المعروف بالسَّلَم. قلتُ: وقد اختلف في قائله؛ انظر: معالم الاهتدا ص 35، وسبيل الهدى ص 157 .ع
[6] البيت بتمامه:
لا يَهولَنَّك اصطلاء لَظَى الحر ب فمحذورها كأنْ قد ألَمَّا
قلتُ: والبيت لم يعثر له على قائل معين؛ انظر: عدة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك 1 /338.ع
[7] أما تقدم الخبر على الحرف واسمه، فلا يجـوز مطلقًا.
[8] مذكورة في كتب أخرى، ومن تلك المواضع أن تقع صدر صلة؛ مثل: جاء الذي إنه فاضل، ومنها أن تقع بعد واو الحال مثل: زارني وإنه مسرع.
[9] إلا إذا دلَّت قرينة على الإثبات، فإن دخول اللام لا يجب.
