الدليل الشامل في علم النحو: تفصيل أحكام (كان) وأخواتها والشبه لعملها
الدليل الشامل في علم النحو: تفصيل أحكام (كان) وأخواتها والشبه لعملها
مقدمة المقال
يُمثل مبحث النواسخ في اللغة العربية ركيزة أساسية لفهم حركية الجملة الاسمية وتحولاتها الإعرابية والدلالية تبعاً لمتطلبات البيان اللغوي. وتأتي الأفعال الناقصة، وعلى رأسها “كان وأخواتها”، في طليعة هذه الأدوات التي يدرسها النحاة لعنايتها بتبديل الأحكام الأصلية للمبتدأ والخبر، صوناً للكلام من اللحن وضبطاً للمعاني الزمانية والسياقية. إن تتبع أحكام هذه المنظومة الفعلية يمنح الباحث اللغوي ملكة نقدية وتطبيقية تمكنه من سبر أغوار النصوص الأكاديمية والشواهد القرآنية بدقة وإحكام. ومن هنا، أولى علماء النحو المتقدمون والمتأخرون اهتماماً بالغاً برصد شروط عمل هذه الأفعال، وحالات تقدم أخبارها، وأوجه تمامها وزيادتها، بالإضافة إلى تتبع الحروف المشبهة بها. وفي هذا المقال، سنبسط القول في الأفعال الناقصة وأحكامها المتشعبة من واقع التوجيه النحوي المعتمد، ليكون مرجعاً وافياً مستوفياً يغني الدارس عن التشتت، ويقدم المادة العلمية بأسلوب بشري سلس ومنسق.
أولاً: مفهوم النواسخ وأقسامها عند علماء النحو
يقصد بالنواسخ في الاصطلاح النحوي تلك الأدوات والوسائط اللغوية التي تطرأ على تركيب المبتدأ والخبر لتزيل حكمهما الإعرابي القديم وتحدث حكماً جديداً. وتتنوع هذه النواسخ من حيث الأثر العملي في الجملة إلى ثلاثة أنواع رئيسية يجمعها نظام محكم:
النوع الأول: ما يختص برفع المبتدأ وينصب الخبر، ويمثله باب كان وأخواتها.
النوع الثاني: ما يعكس العمل فينصب المبتدأ ويرفع الخبر، ويمثله باب إنَّ وأخواتها.
النوع الثالث: ما يتعدى ليؤثر في الركنين معاً فينصب الاثنين معاً، ويمثله باب ظَنَّ وأخواتها.
ثانياً: تصنيف أفعال (كان) وأخواتها من حيث شروط العمل
تتألف هذه المنظومة من ثلاثة عشر فعلًا، كلها ترفع المبتدأ ويُسمى اسمها، وتنصب الخبر ويُسمى خبرها، وتتوزع من حيث آلية العمل واشتراطه إلى ثلاثة أصناف:
1) أفعال تعمل بلا شرط: وعددها ثمانية أفعال يسهل التمثيل لها واستحضارها في الكلام، وهي: (كان، وأمسى، وأصبح، وأضحى، وظل، وبات، وصار، وليس).
2) أفعال تشترط تقدم النفي أو شبهه: وعددها أربعة أفعال وهي: (زال، وبرح، وانفك، وفَتِئ)، حيث يلزم لإعمالها أن يسبقها نفي لفظي أو تقديري، أو شبه نفي والمتمثل في (النهي والدعاء). فمن شواهد النفي التنزيلية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118]. ومن أمثلة شبه النفي في النهي قولك توصي شخصاً: لا تزلْ حَذِرًا، وفي الدعاء قولك لشخص تدعو له بالخير: لا زال الخيرُ حاصلًا لك.
3) فعل يشترط تقدم (ما) المصدرية الظرفية: وهو فعل واحد فقط (دام)؛ ومثاله في الكلام: لا أنقضُ العهدَ ما دمتُ حيًّا، ومن شواهده القرآنية قوله تبارك اسمه: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31]. وسُميت (ما) هذه مصدرية ظرفية؛ لأنها تُؤَوَّلُ مع ما بعدها بمصدر مع مدة، فتأويل ما دمتُ حيًّا: مدة دوامي حَيًّا.
ثالثاً: أحكام تقدم وتوسط خبر الفعل الناقص
تتسم الجملة الفعلية الناقصة بمرونة تركيبية تتيح إعادة ترتيب عناصرها وفقاً للمقتضى البياني، ولها في ذلك حكمان:
جواز التوسط: حيث يجوز أن يتوسط خبر الفعل الناقص، فيقع بين الفعل واسمه؛ ومن شواهد ذلك في القرآن الكريم قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الوم: 47]. كما يظهر التوسط في دلالة النثر نحو قولك: ظل نائمًا زيدٌ، وأضحى في الدار خالدٌ.
جواز التقدم التام: ويجـوز أن يتقدم الخبر على الفعل واسمه؛ كأن تقول: نائمًا كان زيدٌ. غير أن النحاة استثنوا من هذا الجواز خبر الفعلين (ليس) و(ما دام)، فلا يجوز ذلك فيهما، فلا يصح أن تقول: نائمًا ليس زيدٌ، ولا جالسًا ما دام خالدٌ.
رابعاً: مجيء الأفعال الناقصة تامة أو بمعنى (صار)
تخرج بعض هذه الأفعال عن بابها الأصلي لتؤدي دلالات صرفية أو تركيبية مغايرة، وينقسم ذلك إلى وجهين:
المجيء بمعنى (صار): حيث وردت الأفعال: (كان وأصبح وظل وأمسى وأضحى) بمعنى “صار” الدالة على التحول والانتقال من حال إلى حال. ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: 5، 6]، وقوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]. ومن الشواهد أيضاً قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58]. ويقاس عليها في النثر قولنا: أمسى زيد غنيًّا، وأضحى الزرعُ مخضرًا.
الورود تاماً الاستعمال: إن الأفعال الناقصة (ما عدا: ما فتئ وما زال وليس)، تَرِدُ تامةً؛ أي: تكتفي بالمرفوع على أنه فاعل؛ ولا تحتاج إلى خبر منصوب يسد مسد معناها. ومثال ذلك قوله عز وجل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280]، فكان بمعنى حصل، وذو فاعلها. ومنه قوله سبحانه: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17]؛ أي: حين تدخلون في المساء والصباح، وواو الجماعة فاعل. وبالمثل قوله عز من قائل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108]؛ أي: ما بَقِيت، والسماوات فاعل.
خامساً: أحكام الزيادة والحذف في بنية (كان) وأخواتها
يضم هذا الباب أحكاماً صوتية وصرفية دقيقة تتعلق بزيادة الفعل (كان) أو التعرض لحذفه وحذف نونه في سياقات مخصوصة:
زيادة كان: الأصل في كان أن تُستعمل ناقصةً فتحتاج إلى اسم مرفوع وخبر منصوب، مثل: كان الرجل نائمًا، وتستعمل تامة كما سبق قبل هذا، وتستعمل زائدة، فلا تحتاج إلى اسم ولا خبر، ولكن بشرطين: أحدهما أن تكون بلفظ الماضي، والثاني أن تقع بين شيئين متلازمَين ليسا جارًّا ومجرورًا؛ تقول: ما كان أحسنَ الصدقَ، فكان هنا زائدة، وقد وقعت بين (ما) التعجبية وفعل التعجب، وتقول: لم يُوجَد كان مثلُك، فقد وقعت بين الفعل ومرفوعه، يوجد فعل مضارع مبني للمجهول، ومثلُ نائب فاعل والكاف مضاف إليه.
حذف نون مضارع كان: يجوز حذف نون مضارع كان في حالة الجزم بشرط ألا يتصل بضمير نصب ولا بحرفٍ ساكنٍ ولا يكون موقوفًا عليه؛ قال تعالى على لسان مريم: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20]، ولا يجوز الحذف في مثل: إن يَكُنْهُ، لاتصال الفعل بضمير نصب، ولا في مثل: لم يكن الرجل حاضرًا، لاتصال الفعل بحرف ساكن، وإذا قلتَ: لم يك خالد حاضرًا، وأردت الوقوف على لم يك قلتَ: لم يكن.
حذف كان التركيبي: يجوز حذف كان إمَّا وحدها، وإمَّا مع اسمها، أما حذفها وحدها والتعويض عنها بما، فذلك بعد (أنْ) المصدرية في المواضع التي يراد بها تعليل فعل بفعل، تقول: أمَّا أنت منطلقًا انطلقتُ، و(أما) هنا هي أن المصدرية وما الزائدة، فأدغمت النون في الميم، وأصل الجملة: انطلقتُ لأنْ كنتَ منطلقًا، فحُذفت كان وعُوِّض عنها بما، فانفصل الضمير وحُذفت اللام، ففي قولك: أما أنت منطلقًا انطلقتُ، أنت اسم كان المحذوفة، ومنطلقًا خبرها، والتعليل فيها هو أنك تريد: أني انطلقتُ لأنك انطلقتَ. وأمَّـا حذفها مع اسمها، فذلك بعد (إنْ) و(لو) الشرطيتين، مثل: المرءُ مَجزِيٌّ بعمله إن خيرًا فخيرٌ أو شرًّا فشر؛ أي: إن كان عمله خيرًا أو كان عمله شرًّا، فخيرًا خبر لكان المحذوفة مع اسمها، وشرًّا خبر لها كذلك، ومثل: التَمسْ ولو خاتمًا من حديد؛ أي: ولو كان ما تلتمِسُه خاتمًا من حديد، فخاتمًا خبر لكان المحذوفة مع اسمها.
سادساً: الحروف النافية المشبهة بـ (ليس) وشروط إعمالها
ألحق علماء النحو بباب الأفعال الناقصة طائفة من الحروف النافية لمقاربتها دلالة النفي الملازمة لـ (ليس)، وهي: (ما) و(لا) و(لات)[2] النافيات المشبَّهات بليس. ويجري عملها وفق ضوابط محددة:
(ما) النافية: ومثـل عملها: مـا أنت رابحـًا؛ قال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31][3]، ولا تعمل هذا العمل إلا بشروط ثلاثة وهي:
1) ألا يتقدم خبرها على اسمها.
2) ألا تقترن بإنْ الزائدة.
3) ألا يقترن خبرها بإلا، فلا تعمل في مثل: ما ظُلمٌ طردُ الكاذب، لتقدم الخبر، ولا في مثل: ما إن أنت حاضرٌ، لوجود إن الزائـدة، ولا في مثل: ما أنت إلا تاجـر، لوجود إلا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144].
(لا) النافية: ويظهر عملها النصب والرفع كقول الشاعر:
تَعَزَّ فلا شيءٌ على الأرض باقيًا ……………….[4]
ولا تعمل هذا العمل إلا بشروط أربعة، وهي: (1) ألا يقترن الخبر بإلا. (2) ألا يتقدم الخبر على الاسم. (3) أن يقع ذلك في الشعر دون النثر. (4) أن يكون معمولاها نكرتين.
(لاتَ) النافية: ويشترط لعملها أن يكون اسمها وخبرها لفظ (الحين) وما رادفه، وأن يُحذَف أحدهما، والغالبُ حذفُ الاسم؛ قال تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: 3]، وورد في بعض الشعر:
……..ولاتَ ساعةَ مَنْدَمِ ………………..[5]
أي لات الحينُ حينَ مناص، ولاتَ الساعةُ ساعةَ مندمِ.
————————————-
[1] تسمى هذه الأفعال ناقصة إما لأنها لا تكتفي بالمرفوع، وإما لأنها تدل على الحدث فقط، مع أن بقية الأفعال تدل على الحدث والزمان.
[2] أضاف بعض النحاة ( إن ) النافية، وخالفهم أكثر البصريين.
[3] لا تعمل ( ما ) عند بني تميم، لذلك سماها النحاة ما الحجازية ( أي العاملة عمل ليس).
[4] لم يوقف على قائله، انظر عنه: معالم الاهتدا، ص 31 .ع
[5] تمام البيت:
ندم البغاة ولات ساعة مندم والبغي مرتـع مبتغيه وخيمُ
وهو لمحمد بن عيسى التميمي، وقيل: محمد بن مالك الكناني؛ انظر: شرح ابن عقيل ص 171 و851-852. ع.
