الهندسة التركيبية للجملة الناسخة: دليل أنواع اسم وخبر (إنَّ) وأخواتها وأحكام تقديمهما
الهندسة التركيبية للجملة الناسخة: دليل أنواع اسم وخبر (إنَّ) وأخواتها وأحكام تقديمهما
مقدمة المقال
لا يقف الأثر النحوي للحروف الناسخة عند مجرد إحداث تغيير ظاهري في الحركات الإعرابية لأواخر الكلمات، بل يمتد ليرسم نظاماً تركيبياً محكماً تتعدد فيه الصور التي يأتي عليها ركنا الجملة (الاسم والخبر). إن تعمق الباحث في دراسة صور اسم الحرف الناسخ وأحوال خبره يفتح آفاقاً واسعة لاستيعاب أساليب الإعجاز القرآني وفهم أسرار تقديم ما حقه التأخير، أو تأخير ما حقه التقديم. فهذه البيئة النحوية تشهد حركية مرنة تضبطها علل مستندة إلى أصول السماع والقياس عند النحاة. وفي هذا المقال الثاني من باب (إن وأخواتها)، سنفصل القول في المبحثين الثالث والرابع، حيث نسلط الضوء على الهياكل المختلفة التي يتشكل بها اسم هذه الحروف وسياقات مجيئه ظاهراً أو مدمجاً، إلى جانب تتبع أنواع الخبر المفردة والجملية وبناء أحكام التقدم والتوسط، تزويداً للدارس بملكة إعرابية تامة تمنع من الخلط وتجعل بناءه اللغوي متكاملاً وشافياً.
عناصر المقال
1) المبحث الثالث: أنواع اسم (إنّ) وأخواتها وصوره.
2) فائدة تطبيقية حول الأحوال الإعرابية للضمير (نا الفاعلين).
3) المبحث الرابع: أنواع خبر الحروف الناسخة وشواهده.
4) أحكام تقدم وتوسط خبر النواسخ على اسمها تفصيلاً.
5) الفروق الإعرابية الجوهرية بين أخبار المبتدأ والنواسخ.
أولاً: المبحث الثالث: أنواع اسم (إنّ) وأخواتها وصوره
ينقَسِم اسم (إن) وأخواتها إلى نفس القسمينِ المذكورين فيما سبق من أبواب مرفوعات الأسماء[1]، فينقسم إلى:
1- اسم ظاهر:
نحو: الكلمات (الساعة، المساجد، هدى) في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: 17]، وقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18]، وقوله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهَ هُوَ الْهَدَى﴾ [البقرة: 120].
2- ومُضمر:
واسم (إن) وأخواتها المضمر لا يكون إلا ضميرًا متصلًا مِن ضمائر أربعة[2]؛ هي:
هاء الغَيبة بأشكالها الخمسة[3]: نحو قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3]، وقوله عز وجل: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 58].
كاف المخاطب بأشكالها الخمسة[4]: نحو قول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: 3]، وقوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: 203].
ياء المتكلم: نحو قول الله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء: 73]، وقوله سبحانه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾ [القمر: 10].
نا الفاعلين[5]: نحو قول الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ [الشعراء: 40]، وقوله عز وجل: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: 27]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت: 5].
ثانياً: فائدة تطبيقية حول الأحوال الإعرابية للضمير (نا الفاعلين)
مما ذكرناه هنا، ومما سبق ذكرُه، يتضح لنا أن الضمير (نا الفاعلين) قد يكون في محل:
رفع: وذلك إذا اتصل بفعل ماضٍ، وبني معه على السكون؛ نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وقوله عز وجل: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ [القصص: 58]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا﴾ [البقرة: 246][6].
نصب: وذلك – كما تقدم – إذا اتصل بـ:
حرف ناسخ؛ (إن) أو إحدى أخواتها، وقد تقدمت الأمثلة على ذلك في الصفحة الماضية[7].
أو بفعلٍ مضارع؛ نحو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286][8].
أو بفعل أمر؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286][9].
أو بفعل ماضٍ مبني على الفتح أو الضم؛ نحو قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: 19]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: 55][10].
جر: وذلك إذا اتصل به: حرف جر؛ نحو قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: 91][11]، أو اسم؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنائِنَا﴾ [البقرة: 246][12].
والخلاصة: أنَّ الضمير (نا) الفاعلين يختلف حكمُه الإعرابي رفعًا ونصبًا وجرًّا، بحسب ما اتصل به.
ثالثاً: المبحث الرابع: أنواع خبر الحروف الناسخة وشواهده
اعلم – رحمك الله – أن أنواع خبر (إن) وأخواتها هي نفس أنواع خبر المبتدأ، وخبر (كان) وأخواتها السابق ذكرهما، فخبر (إن) وأخواتها قد يكون:
مفردًا[13]: نحو قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 2]، وقوله عز وجل: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: 17]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: 32].
جملة: وهذا الخبر الجملة قد يكون:
جملة اسمية: نحو قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية: 19][14].
جملة فعلية: نحو قول الله تعالى: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: 26]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3][15].
شبه جملة: وهذا الخبر الشبه جملة قد يكون:
جارًّا ومجرورًا: نحو قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: 41]، وقوله عز وجل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18][16].
ظرفًا: نحو قول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: 168]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ مَعَ[17] الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 6][18].
رابعاً: أحكام تقدم وتوسط خبر النواسخ على اسمها تفصيلاً
هذه فائدة تتعلَّقُ بحكم توسُّط خبر (كان) وأخواتها و(إن) وأخواتها بينهما وبين اسمهما، أو بعبارة أخرى: حكم تقديم خبر (كان) وأخواتها و(إن) وأخواتها على اسمهما.
اعلم – رحمك الله -: أنه يُفرَّق بين (كان) وأخواتها، و(إن) وأخواتها، فيما يتعلق بتقدم خبرهما على اسمهما؛ وذلك أن: (كان) وأخواتها يجوزُ تقديم خبرها على اسمها مطلقًا؛ سواء كان خبرها اسمًا مفردًا، أم شبه جملة، فتقول على سبيل المثال: كان قائمًا زيد، وأصله: كان زيد قائمًا، وتقول: كان في البيت عمرو، بدلًا من: كان عمرو في البيت[19].
أما (إن) وأخواتها، ففِيهَا تفصيل، وذلك أنه إذا كان خبرها: ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا، جاز تقديمه على اسمها[20]؛ مثل أن تقول: إن العزَّ في طاعة الله، فالخبر هو الجار والمجرور (في طاعة الله)، ويجوز لك أن تقدِّمه، فتقول: إن في طاعة الله العزَّ[21]. فإن لم يكنْ خبرها ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا[22]، امتنع تقديم الخبر على الاسم[23]، فتقول: إن عليًّا قادم، ولا يجوز: إن قادم عليًّا[24].
ولها ضابط في الترتيب والمواضع المتقدمة؛ حيث متى جاء بعد (إن) أو إحدى أخواتها ظرفٌ أو جار ومجرور، كان هذا الظرف أو الجار والمجرور في محل رفع خبرًا مقدَّمًا لهذا الحرف الناسخ[25]، وكان اسمُ هذا الحرف الناسخ مؤخرًا منصوبًا، فلينتبِه طالبُ العلم في كلامه وكتابته إلى نصبه؛ فإن كثيرًا من إخواننا الخطباء والمؤلفين يُخطِئون فيرفعونه؛ لتوهمهم أنه خبر هذا الحرف الناسخ.
ومما وقع فيه خبر (إن) أو إحدى أخواتها ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا مُقدَّمًا، واسمها مؤخرًا منصوبًا، قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل: 13]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: 13]، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: 12][26].
خامساً: الفروق الإعرابية الجوهرية بين أخبار المبتدأ والنواسخ
ذكرنا – فيما سبق – أن خبرَ (إن) وأخواتها إذا كان جملةً أو شبه جملةٍ فإنه يُعرب إعرابًا محليًّا، فيكون في محل رفع، خبرًا لهذا الحرف الناسخ. وبذلك يكون قد مر علينا ثلاثة أنواع من الخبر؛ هي:
1) خبر المبتدأ.
2) وخبر (كان) وأخواتها.
3) وخبر (إن) وأخواتها.
فأما خبر المبتدأ وخبر (إن) وأخواتها، فإنهما يكونان في محل رفع[27]، بخلاف خبر (كان) وأخواتها، فإنه يكون في محل نصب[28].
وبهذه الفائدة ينتهي الحديث على باب (إن) وأخواتها، فاللهم كما يسَّرتَ هذا الكتاب في أوله ووسطه فيسِّره في آخره.
———————-
[1] كباب الفاعل، وباب نائب الفاعل، وباب المبتدأ، واسم (كان) وأخواتها.
[2] فلا يكون اسم (إن) وأخواتها ضميرًا مستترًا؛ وذلك لسببين: 1 – أن الضمائر المستترة إنما تستتر في الأفعال، و(إن) وأخواتها – كما هو معلوم – أحرف. 2 – أن الضمائر المستترة لا تكون إلا في محل رفع، واسم (إن) وأخواتها هو من منصوبات الأسماء. ولا يكون اسم (إن) وأخواتها كذلك ضميرًا منفصلًا من الضمائر المنفصلة التي تكون في محل نصب (إياي) وفروعها، وتعليل ذلك واضح، وهو أن هذه الضمائر المنفصلة يسد مسدها، ويؤدي نفس معناها الضمائر المتصلة الأربعة التي سأذكرها الآن إن شاء الله تعالى.
[3] قد تقدم ذكر هذه الأشكال في باب الضمائر.
[4] قد تقدم ذكر هذه الأشكال في باب الضمائر.
[5] أما باقي الضمائر المتصلة، وهي: تاء الفاعل بأشكالها الستة، ونون النسوة، وألف الاثنين، وواو الجماعة، وياء المخاطبة – فإنها كما سبق أنْ ذَكَرْنا لا تكون إلا في محل رفع دائمًا.
[6] فالضمير (نا) في الآية الأولى في محل رفع فاعل، وفي الآية الثانية في محل رفع اسم (كان)، وفي الآية الثالثة في محل رفع نائب فاعل. تنبيه: الفعل (كنا) قد يظن الظانُّ أنه مبني على الفتح؛ لأن النون مفتوحة، ولكن نقول: إن هذه النون هي حرف مشدد، فهي عبارة عن نونين: النون الأولى منهما ساكنة، والثانية هي المفتوحة، ولذلك كان هذا الفعل الماضي مبنيًّا على السكون، ولذلك كان الضمير (نا) المتصل به في محل رفع.
[7] ويكون الضمير (نا) في هذه الحالة في محل نصب، اسمًا لهذا الحرف الناسخ.
[8] ويكون الضمير (نا) في هذه الأحوال الثلاثة الأخيرة في محل نصب مفعولًا به.
[9] ويكون الضمير (نا) في هذه الأحوال الثلاثة الأخيرة في محل نصب مفعولًا به.
[10] ويكون الضمير (نا) في هذه الأحوال الثلاثة الأخيرة في محل نصب مفعولًا به.
[11] فيعرب الضمير (نا): ضمير مبني على الفتح، في محل جر اسم مجرور.
[12] ويعرب الضمير (نا): ضمير مبني على الفتح، في محل جر مضاف إليه.
[13] والمراد بالخبر المفرد هنا هو نفس المراد بخبر (كان) وأخواتها المفرد، وخبر المبتدأ المفرد يعني أن المراد بخبر (إن) وأخواتها المفرد ما ليس جملة ولا شبه جملة، وبِناءًَ عليه يدخل فيه المثنَّى والجمع.
[14] ففي هذه الآية وقع خبر (إن) جملة اسمية؛ هي: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية: 19]، وإعراب هذه الآية هكذا: إن: حرف توكيد ناسخ، يدخل على الجملة الاسمية، فينصب المبتدأ اسمًا له، ويرفع الخبر خبرًا له، وهو مبنِيٌّ على الفتح، لا محل له من الإعراب. الظالمين: اسم (إن) منصوب بها، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم. بعضهم: مبتدأ مرفوع بالابتداء، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والهاء ضمير مبني على الضم، في محل جر، مضاف إليه. أولياء: خبر المبتدأ (بعضهم)، مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. بعض: مضاف إليه مجرور، وعلامة جرِّه الكسرة الظاهرة، والجملة الاسمية المكوَّنة مِن المبتدأ (بعضهم)، والخبر (أولياء) في محل رَفْع خبر (إن).
[15] فقد وقَع خبر (ليت) في الآية الأولى، وخبر (إن) في الآية الثانية جملة فعلية على الترتيب: جملة (يعلمون)، وجملة (كان توابًا)، وإعراب ﴿إِنَّه كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3] هكذا: إنه: (إن): حرف توكيد ناسخ يدخل على الجملة الاسمية، فينصب المبتدأ اسمًا له، ويرفع الخبر خبرًا له، وهو مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. والهاء: ضمير متصل، مبني على الضم، في محل نصب، اسم (إن). كان: فعل ماضٍ ناسخ، يرفع المبتدأ اسمًا له، وينصب الخبر خبرًا له، وهو مبني على الفتح؛ لعدم اتصاله بضمير رفع متحرك، ولا واو جماعة، واسم (كان) ضمير مستتر، تقديره (هو). توابًا: خبر (كان) منصوب بها، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. والجملة الفعلية المكونة من الفعل (كان)، مع اسمها الضمير المستتر (هو)، مع خبرها (توابًا) في محل رفع خبر (إن)، ويؤخذ من هذه الآية أنه قد يوجد في الجملة الواحدة أحيانًا أكثر من ناسخ لفظي، ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: 16]. ومن أمثلة وقوع خبر (إن) أو إحدى أخواتها جملةً فعلية أيضًا، قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ﴾ [المائدة: 103]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: 33]، وقوله عز وجل: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1].
[16] ففي هاتين الآيتين وقع خبر الحرفين الناسخين (إنَّ، وأنَّ) شبهَ جملة جارًّا ومجرورًا، وهو على الترتيب: الجار والمجرور (في ظلال) في الآية الأولى، والجار والمجرور (لله) في الآية الثانية.
[17] (مع) يظنُّ كثيرٌ مِن الناس أنها حرف جر، وهذا غير صحيح؛ فإن (مع) اسمٌ، بدليل أنها تُنوَّن؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم – عند الترمذي – للرجل الذي كان يُصلِّي والمؤذن يقيم: ((أصلاتانِ معًا؟))، والتنوين دليلٌ على اسمية الكلمة كما هو معلوم. و(مع) ظرفٌ لمكان الاجتماع أو زمانه، فالأول نحو قول الله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء: 73]، والثاني نحو: جئتُ مع العصر.
[18] ففي هاتين الآيتين وقع خبر الحرفين الناسخين (أنَّ، وإنَّ) شبه جملة ظرفًا، وهو على الترتيب: (عندنا، ومع).
[19] ومثال ذلك في كتاب الله عز وجل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]، فـ﴿حَقًّا﴾ هنا خبر (كان) مقدَّم، و(نصر) اسمها مُؤخَّر، ومثال ذلك أيضًا قوله عز وجل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 177]، فكلمة (البر) خبر (ليس) مقدَّم جوازًا، على اسمها، الذي هو المصدر المؤول من (أن) والفعل المضارع (تُولُّوا)، والتقدير: ليس البرَّ توليتُكم، ومن ذلك من أشعار العرب قول الشاعر: سلي – إن جهلتِ – الناسَ عنا وعنهمُ فليسَ سواءً عالمٌ وجهولُ. والشاهد في هذا البيت قوله: فليس سواءً عالِمٌ وجَهولُ؛ حيث قدم خبر (ليس)، وهو (سواء)، على اسمها، وهو (عالم)، وذلك جائز. وقول الآخر: لا طيبَ للعيشِ ما دامتْ منغصةً لذاتُه بادِّكار الموت والهرمِ. والشاهد فيه قولُه: ما دامتْ مُنغَّصةً لذَّاتُه؛ حيث قدم خبر (دام) – وهو قوله: (مُنغَّصة) – على اسمها، وهو قوله: (لذَّاته).
[20] فيتوسَّط خبر (إن) وأخواتها الجار والمجرور والظرف بينها وبين اسمها؛ يعني: يتقدَّم على اسمها، كما سيأتي في الأمثلة، إن شاء الله تعالى.
[21] ومثال ذلك من كتاب الله عز وجل قول الله سبحانه: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: 22]، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25، 26]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: 12].
[22] فكان مفردًا، أو جملة اسمية، أو جملة فعلية.
[23] ولو قُدِّم لبطل عمل الحرف الناسخ، وفسد الأسلوب.
[24] وإنما جاز تقدم خبر (إن) وأخواتها على اسمها، فيما إذا كان ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا خاصة؛ لأنه يُتوسَّع في الظرف والجار والمجرور ما لا يُتوسَّع في غيرهما.
[25] ولكن لينتبه إلى أن هذا إنما هو إعراب محلي، وإلا فإن الظرف الواقع خبرًا قد يكون منصوبًا لفظًا؛ كأن تقول مثلًا: إن المسجد أمامك، وإن الرحيل غدًا.
[26] فقد وقع خبر (إن) في الآيتين الأوليين جارًّا ومجرورًا مقدمًا على اسمها (لنا، في ذلك)، وهو في محل رفع. بينما أتى اسمها (للآخرة، ولعبرة) مؤخرًا منصوبًا. وكذلك في الآية الثالثة، فقد تقدم ظرف المكان (لدى) على اسم (إن) (أنكالًا)، وهذا الظرف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مُقدَّرة على الألف، منع من ظهورها التعذُّر، وهو في محل رفع؛ لأنه خبر (إن)، وخبر (إن) – كما هو معلوم – من مرفوعات الأسماء، بينما وقع اسمها (أنكالًا) مؤخرًا منصوبًا. و(الأنكال): جمع (نِكْل) – بكسر النون -: أي: قيودًا وأثقالًا.
[27] وهذا ظاهر؛ لأن كلًّا من خبر المبتدأ، وخبر «إن» وأخواتها، هما من مرفوعات الأسماء.
[28] وهذا أيضًا ظاهر؛ لأن خبر «كان» وأخواتها من منصوبات الأسماء، كما هو معلوم.
