أسرار النواسخ في الحرف العربي: دليل التوجيه الإعرابي لـ (إنَّ) وأخواتها
أسرار النواسخ في الحرف العربي: دليل التوجيه الإعرابي لـ (إنَّ) وأخواتها
مقدمة المقال
تتربع الحروف الناسخة على عرش المباحث الجملية في علم النحو العربي، كواحدة من الأدوات البيانية التي تمنح لغة الضاد مرونة دلالية وسعة إعرابية فريدة. إن الجملة الاسمية المكونة من المبتدأ والخبر تدخل في طور جديد من الأبعاد البيانية بمجرد أن يتقدمها حرف ناسخ؛ إذ لا يقتصر أثر هذا الحرف على تغيير الحركة الإعرابية فحسب، بل يمتد ليعيد صياغة المعنى المراد في ذهن السامع تثبيتاً أو تشبيهاً أو استدراكاً. ومن هنا، اهتم جهابذة النحو المتقدمون والمتأخرون بضبط أحكام هذه الحروف وتتبع شواهدها في القرآن الكريم وكلام العرب. وفي هذا المقال، سنقودك في رحلة معرفية ممتعة ومبسطة لاستكشاف المبحثين الأول والثاني من باب (إن وأخواتها)، مسلطين الضوء على طبيعة عملها الإعرابي، ودلالاتها المعنوية، والعلل النحوية التي جعلت منها ركيزة لا غنى عنها لكل كاتب وباحث يسعى لإتقان الملكة اللغوية وتجنب اللحن في الكلام.
أولاً: المبحث الأول: عمل (إنّ) وأخواتها وأثره الإعرابي
لَمَّا فرغ ابن آجروم رحمه الله من الكلام على القسم الأول من نواسخ المبتدأ والخبر – وهو ما يرفع الاسم، وينصب الخبر[1] – أخذ يتكلم على القسم الثاني، وهو ما ينصب الاسم، ويرفع الخبر، وهو (إن) وأخواتها[2].
إن هذه الأدوات تدخل على تركيب الجملة الاسمية (المبتدأ والخبر)، فتنصب المبتدأ ويُسمَّى اسمها، وترفع الخبر؛ بمعنى: أنها تُجدِّد له رفعًا غير الذي كان له قبل دخولها[3]، ويُسمَّى خبَرها[4].
ومن أبهى الشواهد على نصب (إن) المبتدأ اسمًا لها، ورفعها الخبر خبرًا لها: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20]، فقد عمِل الحرف الناسخ (إن) في هذه الآية:
◘ النصب في المبتدأ (الله)، وسمي اسم (إن).
◘ والرفع في الخبر (قدير)، وسمي خبر (إن)[5].
ولإيضاح القاعدة، يسير إعراب هذه الآية هكذا:
إن: حرف ناسخ، يفيد التوكيد[6]، وهو ينصب المبتدأ، ويسمى اسمًا له، ويرفع الخبر ويسمى خبرًا له، وهو مبني على الفتح, لا محل له مِن الإعراب[7].
الله: اسم (إن) منصوب بها، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ لأنه صحيح الآخر.
قدير: خبر (إن) مرفوع بها، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ لأنه صحيح الآخر.
ثانياً: أوجه المقارنة والفرق بين (كان) وأخواتها و(إنّ) وأخواتها
لقد أخَّر ابنُ آجرُّوم رحمه الله (إن) وأخواتها في الذِّكر بعد (كان) وأخواتها؛ لأنها أحرف، و(كان) وأخواتها أفعال، والحروف أدنى مرتبةً مِن الأفعال. وبناءً على ما تقدم، يتبيَّن لنا أن الفرق بين (كان) وأخواتها، و(إن) وأخواتها من وجهين:
الوجه الأول: مِن جهة العمل: وذلك أنَّ (كان) وأخواتها ترفع المبتدأ، وتنصب الخبر؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 17]. بينما (إن) وأخواتها تنصب المبتدأ، وترفع الخبر[8]؛ نحو قوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173].
الوجه الثاني: مِن جهة النوع: فإن (كان) وأخواتها أفعال، بينما (إن) وأخواتها أحرف.
ثالثاً: المبحث الثاني: بيان عدد هذه الأحرف ودلالاتها المعنوية
إن حصر هذه الأدوات يسهل على الدارس الإلمام بتركيبها؛ حيث إن (إن) وأخواتها ستة أحرف، هي[9]:
1 و2- (إِنَّ)[10] و(أَنَّ)[11]:
وهما يُفيدان التوكيد[12]، والتوكيد بهما يدلُّ على أن خبرهما محقَّق عند المتكلِّم[13]، وليس موضع شكٍّ[14]، ومثال دلالة (إن) على معنى التوكيد مع عملها النصب في المبتدأ، والرفع في الخبر، قولُ الله عزَّ وجل: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: 15][15].
ومثال دلالة (أن) على معنى التوكيد، مع عملها النصب في المبتدأ، والرفع في الخبر: قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18].
3- (لكنَّ):
وهي تفيد الاستدراك[16]، والاستدراك هو: اتباع وتعقيب الكلام السابق: بنفي ما يتوهم ثبوته؛ نحو:زيد عالم، فيوهم ذلك أنه صالح لملازمة الصلاح للعلم، فتقول: لكنه فاسق[17]، فتدفع بـ(لكن) توهم أنه صالح. أو إثبات ما يتوهم نفيه؛ نحو: ليس زيد غنيًّا، فيوهم ذلك أنه ليس بكريم، فتقول: لكنه كريم[18].
4- (كأنَّ)[19]:
وهي تدل على تشبيه المبتدأ بالخبر[20]؛ نحو قول الله عز وجل: ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: 24]، وقوله سبحانه: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [المرسلات: 7]، وقوله صلى الله عليه وسلم في وصف الملائكة التي تنزل لقبض روح العبد المسلم: ((كأن وجوهَهم الشمسُ)).
5- (ليت):
وهي للتمني[21]، والتمنِّي هو طلب الشيء المحبوب المستحيل حدوثه[22]؛ نحو قول الشاعر:
ألا ليتَ الشباب يعود يومًا ♦♦♦ فأُخبِرَه بما فَعَلَ المشيبُ[23]
ونحو قول الله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: 27]، وقوله سبحانه: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73]. أو العسير تحققه؛ كقول مَن يريد الحج وليس لديه مال: ليت لي مالًا فأحجَّ منه؛ فإنَّ حُصول المال ممكن، ولكن فيه عُسر[24].
6- (لعل):
ذَكَر ابن آجرُّوم رحمه الله في متن الآجرومية للحرف الناسخ (لعل) معنيين؛ هما:
المعنى الأول: الترجي[25]: والترجي هو: طلب الأمر المحبوب، ولا يكون هذا إلا في الممكن الميسور التحقُّق؛ نحو قولك: لعل زيدًا يقدم غدًا، وأنت تعرف أنه قريب المجيء غدًا بإذن الله تعالى، ومن ذلك قولُ الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: 36].
المعنى الثاني: الإشفاق والتوقُّع[26]: وهو: انتظار وقوع الأمر المكروه في ذاته؛ كقولك: لعل زيدًا هالكٌ، فأنت هنا لا ترجو أن يكون زيد هالكًا، ولكن تتوقع أن يَهلِك[27]، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: 17]، فإن الساعة مخوفة في حق المؤمنين، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى: 18][28].
رابعاً: الفائدة النحوية: علة تسميتها بالأحرف المشبَّهة بالفعل
تسمى (إن) وأخواتها الأحرف المشبَّهة بالفعل، وقد سميت بذلك لعدة أسباب نذكُر منها:
1) أن أواخرها كلها مفتوحة كالفعل الماضي[29].
2) ولوجود معنى الفعل في كل واحدة منها؛ فإن التشبيه والتوكيد والاستدراك والتمني والترجي هي من معاني الأفعال.
3) ولأنها تعمل فيما بعدها كعمل الفعل فيما بعده[30].
خامساً: خلاصة القواعد وضوابط المبحثين
وخلاصة ما مضى أن (إن) وأخواتها ست أدوات، تشترك كلها في أمرين، وتختلف في أمر:
◘ فأما الأمران اللذان تشترك فيهما، فهما:
1) أنها كلها أحرف.
2) أنها كلها تعمل عملًا واحدًا، وهو نصب اسمها ورفع خبرها.
◘ وأما الأمر الذي تختلف فيه، فهو المعنى: فإن معناها مختلف[31]، باستثناء اثنين منها معناهما واحد، وهما: (إنَّ، وأنَّ) كما مَضَى.
—————————
[1] وهو – كما تقدم – باب (كان) وأخواتها.
[2] المراد بأخوات (إن) نظائرها في العمل، فهي أخوات لـ(إن)، لاشتراكها معها في نفس العمل من نصب الاسم، ورفع الخبر، وأخوات (إن) كما سيأتينا في المبحث الثاني، إن شاء الله تعالى: (أن، كأن، لكن، ليت، لعل).
[3] فقد كان الخبر قبل دخول (إن) وأخواتها مرفوعًا بعامل لفظي آخر، هو المبتدأ.
[4] فـ(إن) وأخواتها تعمل عكس عمل (كان) وأخواتها؛ لأن (كان) ترفع الاسم، وتنصب الخبر، كما تقدم، بينما (إن) تنصب الاسم، وترفع الخبر. فإن قال قائل: أليست (لا) النافية للجنس تعمل عمل (إن) وأخواتها؟ فلماذا لم يذكرها ابن آجروم رحمه الله ضمن باب (إن) وأخواتها – كما فعل بباقي أخوات (إن)التي تعمل عملها – وجعل لها بابًا مستقلًّا يخصها؟ فالجواب: لأن (لا) النافية للجنس يُشتَرط لإعمالها هذا العمل شروطٌ معينة – كما سيأتينا إن شاء الله تعالى بالتفصيل في بابها – بخلاف (إن) وأخواتها؛ فإنها لا يشترط فيها هذه الشروط حتى تعمل هذا العمل.
[5] وبذلك يتبيَّن خطأ بعض المؤذِّنين الذين يقولون في أذانهم: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، بنصب (رسول)، فهذا خطأ، والصواب أن يقول: رسولُ، بالرفع، وانظر مزيدًا من البحث في هذه المسألة في كتابنا: (التعليقات الجلية على شرح المقدمة الآجرومية)، صـ 488 – 490، ط دار العقيدة.
[6] سيأتينا في المبحث الثاني إن شاء الله تعالى من مباحث هذا الباب تفصيلُ القول في معاني هذه الأحرف النواسخ.
[7] وكذا يقال في إعراب سائر أخوات (إن) إلا في المعنى؛ فإن معاني هذه الأحرف تختلف من حرف لآخر، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في المبحث الثاني، وإلا فكلها أحرفٌ ناسخة، تنصب المبتدأ اسمًا لها، وترفع الخبر خبرًا لها، وهي كلها كذلك مبنية على الفتح، لا محل لها من الإعراب.
[8] فهي عكس (كان) وأخواتها من جهة العمل.
[9] فهي في العدد ستة فقط()، كما أنها لا شروط لعملها النصب في المبتدأ، والرفع في الخبر()، ولهذين السببين كان باب (إن) وأخواتها أسهل وأيسر من باب (كان) وأخواتها. فهي أقل في العدد من (كان) وأخواتها، فقد تقدم بنا عند الحديث على (كان) وأخواتها أن عددها ثلاثة عشر فعلًا. بخلاف (كان) وأخواتها؛ فإن منها خمسة أفعال لا تعمل الرفع في المبتدأ، والنصب في الخبر إلا بشروط، على ما سبَق بيانُه بالتفصيل في باب (كان) وأخواتها.
[10] بكسر الهمزة وتشديد النون، بخلاف (إن) بكسر الهمزة، وتخفيف النون، فهذه – كما تقدم – تفيد الشرط، وهي تعمل الجزم في كل من فعل الشرط، وجواب الشرط، وقد بدأ ابن آجروم رحمه الله بالحرف (إن)؛ لأنها أم الباب، كما تقدم.
[11] بفتح الهمزة وتشديد النون، بخلاف (أنْ) بفتح الهمزة وتخفيف النون، فإنها – كما تقدم – تدخل على الفعل المضارع، وتعمل فيه النصب، وبذلك يتضح لنا أن أنواع (أن) التي أوردها ابن آجروم رحمه الله في آجروميته تنقسم إلى: 1 – (إِنْ) بكسر الهمزة، وتخفيف النون، وهذه شرطيةٌ جازمة، تدخل على الفعل المضارع، فتعمل فيه الجزم، وهي – كما تقدم – تجزم فعلين مضارعين، هما: فعل الشرط، وجواب الشرط. 2 – (أَنْ) بفتح الهمزة، وتخفيف النون، وهذه تدخل على الفعل المضارع، فتعمل فيه النصب. 3، 4 – (أَنَّ، وإِنَّ) بتشديد النون مع فتح الهمزة وكسرها، وهذان مختصَّانِ بالدخول على الجملة الاسمية المكونة من المبتدأ والخبر، فيعملان النصب في المبتدأ اسمًا لهما، والرفع في الخبر خبرًا لهما.
[12] أي إن معناهما واحد، والفرق بينهما: أنَّ (إن) بكسر الهمزة تبتدأ بها الجملة، وهي مع اسمها وخبرها كلام تامٌّ، بخلاف (أن) بفتحها؛ فإنها لا بد أن يسبقها كلام، كما أنها تعتبر مع اسمها وخبرها في حكم المفرد؛ كقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: 77]، ولإفادتهما التوكيد يقال فيهما عند إعرابهما: حرف توكيد.
[13] تقو ل: زيد قائم، ثم تدخل (إن) لتوكيد الخبر وتقريره، فتقول: إن زيدًا قائم، وكذلك (أن).
[14] ومن ثم فقد أجيب بالحرف (إن) القسم، كما يجاب بلام التوكيد، فكما يقال: والله لزيد قائم، يقال: والله إن زيدًا قائم، ومن التوكيد بـ(إن) بعد القسم قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1، 2].
[15] فقد دخلت (إن) في هذه الآية لتقرير الخبر – وهو إتيان الساعة – وتوكيده. ومثال ذلك أيضًا: قول النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه البخاري ومسلم رحمهما الله: ((إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِم)).
[16] ولذلك يقال فيها عند إعرابها: حرفٌ دالٌّ على الاستدراك.
[17] وكأن يقال كذلك: خالد غني، فيوهم ذلك أنه كريم، فتقول: لكنه بخيل.
[18] يلاحظ في هذه الأمثلة الثلاثة السابقة ضرورةُ وقوع (لكن) بين جملتين كاملتين متغايرتين إيجابًا أو سلبًا، بينهما اتصال معنوي؛ بحيث تكون (لكن) في صدر الجملة الثانية منهما، فلا بد أن يسبق الحرف (لكن) كلام حتى يتم الاستدراك، فلا يبتدأ بها من أول الجملة، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: 17]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44]، والشاهد في هذه الآية الأخيرةِ: نفي الله عز وجل الظلم عن نفسه، ثم استدرك سبحانه، وأثبت ظلمَ الناس لأنفسهم.
[19] يُنتبه إلى أن هذه الأحرف الأربعة الأول كلها (إنَّ – أنَّ – لكنَّ – كأنَّ) بتشديد النون.
[20] تشبيهًا مؤكدًا بالاتفاق؛ لأنها في الأصل مركبةٌ من (أن) التوكيدية وكاف التشبيه، فإذا قلت على سبيل المثال: كأن العلم نور، فالأصل: إن العلم نور، ثم إنهم لَمَّا أرادوا الاهتمام بالتشبيه الذي عليه عقَدوا الجملة، قدَّموا الكاف وفتحوا همزة (إن) لمكان الكاف، التي هي حرف جر، وقد صارت وإياها حرفًا واحدًا، يراد به التشبيه المؤكد، ويقال في هذا الحرف عند إعرابه: حرف تشبيه.
[21] ولذلك يقال فيها عند إعرابها: حرف تمنٍّ.
[22] وفي القرآن الكريم جاء لفظ التمني بهذا المعنى، الذي هو طلب الشيء البعيد؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 94، 95]، والخطاب هنا لبني إسرائيل، وهم مطالَبون في هذا الخطاب أن يتمنَّوا شيئًا لا يمكن أن يقع منهم، وهو تمنِّي الموت، ولهذا جاء قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ كاشفًا عن هذا، ولهذا أيضًا جاء قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: 96]، جاء مؤكدًا لعدم وقوع هذا الأمر منهم؛ إذ إن الحريصَ على الشيء لا يتمنَّى إفلاته من يده، فكيف إذا كان أشد الناس حرصًا عليه؟!
[23] الشاهد في هذا البيت قولُه: ليت الشباب يعود؛ حيث دلَّت (ليت) على التمني، وهو طلب الشيء المستحيل تحققه، والذي لا طمع في حصوله، وهو هنا في هذا البيت عودةُ الشباب إلى الشيخ العجوز؛ إذ إن ما ينقضي مِن العمر لا يرجع، وقد عمِلَتْ (ليت) في الاسم النصب، وهو قوله: الشباب، وعملت الرفع في خبرها، وهو جملة (يعود).
[24] كما أن (ليت) قد تستعمل كذلك في الأمر الممكن، ولكنه قليل؛ كقولك: ليت محمدًا يذهب، وذهابه أمر ممكن ميسور التحقُّق، ولعلَّ مِن ذلك قولَ النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم رحمهما الله: ((ليت رجلًا من أصحابي صالحًا يحرسني الليلة))؛ إذ سمِعنا صوت سلاح، فقال: ((مَن هذا؟))، فقال: أنا سعد بن أبي وقاص، جئتُ لأحرسك، ونام النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل منه أيضًا قولَ عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، فيما رواه مسلم رحمه الله: “فليت حظي من أربع ركعات؛ ركعتان متقبلتان”، ومن هذا أيضًا قول أبي فراس الحمداني – وهو أسيرٌ – إلى سيف الدولة: فليتَكَ تحلو والحياة مريرةٌ وليتَك ترضى والأنامُ غِضابُ وليتَ الذي بين وبينك عامرٌ وبيني وبين العالَمين خرابُ إذا صحَّ منك الودُّ فالكل هيِّنٌ وكلُّ الذي فوق الترابِ ترابُ. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان يقول هذه الأبيات في مناجاة الرب سبحانه، ويقول: “إنها تصلح للخالق، وليس للمخلوق”، والخلاصة الآن أن الحرف (ليت)يكون في تمني الممكن والعسير والمستحيل، ولكنه في الممكن بقلة.
[25] ولذلك يقال فيها عند إعرابها: حرف ترجٍّ، والترجِّي هو أكثر ما تستعمل له (لعل).
[26] ولذلك يقال فيها عند إعرابها: حرف إشفاق وتوقع، وقد جمع أبو حيان رحمه الله في تفسيره (البحر المحيط) بين هذين المعنيين المذكورين للحرف الناسخ (لعل) بقوله: (لعل) للترجي في المحبوب، وللإشفاق في المحذور؛ اهـ.
[27] ومثال ذلك أيضًا أن تقول: لعلَّ الثمر يفسُدُ من شدة الحر، فهنا كذلك أنت لا ترجو أن يفسد الثمر، ولكن تتوقع ذلك، ومن الأمثلة التي جمعتْ بين معنَيَيْ (لعل)، قول الفلاح: لعل المحصول وفير، لكن لعل السعر رخيص.
[28] ومن ذلك أيضًا: قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: 111]، وانظر مزيدًا من معاني (لعل) في كتابنا (التعليقات الجلية) صـ 487، 488.
[29] فالأحرف الستة كلها تُبنى على الفتح، كما أن الفعل الماضي الأصل فيه كذلك أن يبنى على الفتح، كما أن هذه الأحرف كذلك تُشبِه الأفعال من وجه آخر، وهو: أنها إذا اتصل بها ياء المتكلم فإنها تلحقها نون الوقاية، كالأفعال تمامًا، فعلى سبيل المثال: قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]، وقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: 42].
[30] فكما أن الفعل يرفع فاعلًا وينصب مفعولًا، فكذلك (إن) وأخواتها، إلا أنها تجري مَجرى الفعل الذي تقدَّم مفعولُه وتأخَّر فاعله، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 124]، وقوله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ [الممتحنة: 12].
[31] وذلك لاختلاف ألفاظها، فلكل لفظ معنًى معيَّن يُعرَف به.
