الضمائر المستترة في اللغة العربية: مفهومها وأنواعها وأحكامها النحوية الجزء الثالث والأخير

الضمائر المستترة في اللغة العربية: مفهومها وأنواعها وأحكامها النحوية

الجزء الثالث والأخير

خامسًا: الفرق بين الضمير المستتر والضمير البارز

بعد التعرف إلى مفهوم الضمير المستتر وأنواعه، يبقى من المهم التمييز بينه وبين الضمير البارز؛ لأن كثيرًا من الدارسين قد يلتبس عليهم الأمر عند إعراب الأفعال.

فالضمير المستتر هو الذي لا يظهر في اللفظ ولا في الكتابة، وإنما يُقدَّر اعتمادًا على صيغة الفعل وسياق الكلام، ويؤدي وظيفته الإعرابية من غير أن يكون له صورة ظاهرة. أما الضمير البارز فهو الذي يظهر في الكلام نطقًا وكتابة، سواء أكان ضميرًا متصلًا بالفعل أم منفصلًا عنه.

ولهذا قرر النحويون قاعدة مهمة، وهي أن وجود الضمير البارز يمنع تقدير ضمير مستتر يؤدي الوظيفة نفسها؛ لأن الأصل عدم الجمع بين فاعلين للفعل الواحد، فإذا ظهر الفاعل أو الضمير الدال عليه، لم يعد هناك محل لتقدير ضمير آخر يقوم بوظيفته نفسها.[9]

وهذه القاعدة تعد من القواعد الأساسية التي تضبط إعراب الأفعال، وتمنع الوقوع في الخطأ عند تحليل التراكيب العربية.

سادسًا: متى يمتنع استتار الضمير؟

لا يكون الضمير مستترًا في جميع الأفعال، بل توجد حالات يمتنع فيها استتاره، وذلك إذا اشتمل الفعل على ضمير ظاهر يؤدي وظيفة الفاعل.

فإذا اتصل بالفعل أحد ضمائر الرفع المتصلة، كواو الجماعة، أو ألف الاثنين، أو نون النسوة، فإن الفاعل يكون ظاهرًا في صورة الضمير المتصل، ولا يصح بعد ذلك تقدير ضمير مستتر؛ لأن الضمير المتصل قد أدى وظيفة الفاعل كاملة.

ومن هنا يتبين أن تقدير الضمير المستتر لا يكون إلا عند خلو الفعل من الضمير الظاهر الذي يقوم مقام الفاعل.

تطبيق نحوي من القرآن الكريم

ومن أوضح الأمثلة التي تبين اجتماع الضمائر المستترة والبارزة في سياق واحد قول الله تعالى:

﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24].

وتشتمل هذه الآية على عدد من الأفعال، وقد رفع كل فعل منها فاعلًا، غير أن هذه الفواعل ليست على صورة واحدة، بل تنقسم إلى نوعين:

أولًا: أفعال فاعلها ضمير مستتر

من ذلك:

  • ندخلها: فاعله ضمير مستتر تقديره نحن.
  • اذهب: فاعله ضمير مستتر تقديره أنت.

وفي هذين الفعلين لم يظهر الضمير في اللفظ، وإنما عُرف من صيغة الفعل وسياق الخطاب، ولذلك كان مستترًا.


ثانيًا: أفعال فاعلها ضمير بارز

ويقابل ذلك أفعال ظهر فيها الضمير صراحة، ومن أمثلتها:

قالوا: والفاعل واو الجماعة.

داموا: والفاعل واو الجماعة.

فقاتلا: والفاعل ألف الاثنين.

فهذه الضمائر المتصلة ظاهرة في اللفظ والكتابة، ولذلك تعد من الضمائر البارزة، ولا يجوز معها تقدير ضمير مستتر؛ لأن الفاعل قد ظهر بالفعل.

ومن خلال هذا المثال يتضح أن التمييز بين الضمير المستتر والبارز يعتمد على وجود صورة ظاهرة للفاعل من عدمها، وهي قاعدة يسيرة إذا أُحسن فهمها، فإنها تسهل كثيرًا من مسائل الإعراب.[10]


فوائد واستنتاجات نحوية

وبعد استعراض أحكام الضمائر المستترة يمكن استخلاص عدد من النتائج المهمة، من أبرزها:

الضمير المستتر هو ضمير مقدر لا يظهر في النطق ولا في الكتابة.

الأصل في الضمير المستتر أن يكون في محل رفع؛ لأنه يؤدي وظيفة الفاعل، وقد يأتي في بعض الأبواب النحوية الأخرى بحسب ما يقتضيه التركيب.

الضمائر التي يجوز استتارها خمسة فقط: هو، هي، أنا، أنت، نحن.

يعتمد تقدير الضمير المستتر على صيغة الفعل وسياق الكلام، ولا يصح تقديره بعيدًا عن القرائن اللغوية.

إذا ظهر الضمير الدال على الفاعل، انتفى موجب الاستتار، وأصبح الضمير بارزًا.

الضمائر السبعة الأخرى من ضمائر الرفع لا تستتر؛ لأن العربية جعلت لها ضمائر متصلة تقوم مقامها داخل الفعل.

كثرة ورود الضمائر المستترة في القرآن الكريم تؤكد أهمية هذا الباب في فهم النصوص الشرعية وإعرابها إعرابًا صحيحًا.

خاتمة

يُعد باب الضمائر المستترة من الأبواب الرئيسة في النحو العربي، إذ تتوقف عليه سلامة إعراب الأفعال وفهم العلاقات بين عناصر الجملة. وقد ظهر من خلال هذا العرض أن الضمير المستتر ليس عنصرًا غامضًا أو مجهولًا، بل هو ضمير معلوم يُقدَّر وفق قواعد دقيقة وضعها علماء العربية، مستندين إلى دلالة الفعل والسياق.

كما تبين أن الضمائر المستترة محصورة في خمسة ضمائر فقط، وأن لكل واحد منها مواضع وأمثلة تدل عليه، وأن ظهور الضمير في صورة متصلة بالفعل يمنع استتاره؛ لأن العربية لا تجمع بين ضميرين يؤديان وظيفة الفاعل للفعل الواحد.

ومن ثم فإن إتقان هذا الباب لا يفيد في الإعراب وحده، بل يسهم أيضًا في فهم النصوص القرآنية والحديثية والأدبية فهمًا صحيحًا، ويمنح الدارس قدرة أكبر على تحليل التراكيب العربية واستيعاب دقائقها، وهو ما يبرز عظمة النظام النحوي في اللغة العربية ودقته.

————————–

[9] فمتى وُجد الضمير الذي يعود على الفاعل، وظهر، لا يكون الفاعل أبدًا ضميرًا مستترًا؛ لوجود الضمير البارز.

[10] أما الضمير (أنت) المذكور في الآية فليس هو الفاعل، وإنما هو توكيد للفاعل الضمير المستتر في الفعل (اذهب)؛ فتقدير الكلام: اذهب أنت أنت.

ترك تعليق