أسرار النواسخ في الحرف العربي: دليل التوجيه الإعرابي لـ (إنَّ) وأخواتها

الضمائر المستترة في اللغة العربية: مفهومها وأنواعها وأحكامها النحوية

الجزء الثاني

رابعًا: الضمائر المستترة الخمسة وأبرز تطبيقاتها

بعد بيان مفهوم الضمير المستتر وموضعه من الإعراب، يحسن الانتقال إلى دراسة الضمائر التي يجوز استتارها في العربية. وقد اتفق النحويون على أن الضمائر المستترة تنحصر في خمسة ضمائر فقط، هي: هو، وهي، وأنا، وأنت، ونحن. ويُقدَّر كل واحد منها بحسب صيغة الفعل والسياق الذي ورد فيه، ويُعرف من خلال القرائن اللفظية والمعنوية.

وفيما يأتي بيان كل نوع مع الاستدلال بالشواهد القرآنية ووجه الإعراب.

أولًا: الضمير المستتر (هو)

يأتي الضمير المستتر مقدرًا بـ (هو) إذا كان الفاعل مفردًا مذكرًا غائبًا، ويُفهم ذلك من صيغة الفعل دون الحاجة إلى التصريح بالفاعل.

ومن الشواهد الواضحة على ذلك قول الله تعالى:

﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: 70].

ففي الفعلين (جهزهم) و(جعل) ضمير مستتر تقديره (هو)، يعود على نبي الله يوسف عليه السلام، ولذلك يكون الإعراب:

والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو)، في محل رفع.

ويلاحظ أن السياق هو الذي يحدد مرجع الضمير، فمع أن الضمير غير ملفوظ به، فإن المعنى يدل عليه دلالة واضحة، وهو ما يبرز دقة الأسلوب العربي في الإيجاز والاختصار.[3]

ثانيًا: الضمير المستتر (هي)

إذا كان الفاعل مؤنثًا مفردًا غائبًا، فإن الضمير المستتر يُقدَّر بـ (هي)، ويظهر ذلك في كثير من الأفعال التي تسند إلى مؤنث معلوم من السياق.

ومن ذلك قول الله تعالى:

﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ[يوسف: 31-32].

فالأفعال: (سمعت-أرسلت-أعتدت-آتت-قالت)

كل واحد منها يشتمل على ضمير مستتر تقديره (هي)، يعود على امرأة العزيز، ولذلك يعرب كل فعل منها بقولنا:

والفاعل ضمير مستتر تقديره (هي)، في محل رفع.

وتتكرر هذه الصورة كثيرًا في النصوص العربية، حيث يُكتفى بدلالة الفعل على الفاعل، توفيرًا للألفاظ مع بقاء المعنى واضحًا للقارئ أو السامع.[4]

ثالثًا: الضمير المستتر (أنا)

قد يكون الفاعل هو المتكلم نفسه، وفي هذه الحال يُقدَّر الضمير المستتر بـ (أنا).

ومن الشواهد القرآنية قوله تعالى:

﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ۝ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: 18-19].

فنجد أن الفعلين:

  • أعوذ.
  • أهب.

قد تضمنا ضميرًا مستترًا تقديره (أنا).

إلا أن مرجع الضمير يختلف باختلاف المتكلم؛ ففي الفعل (أعوذ) يعود الضمير إلى مريم عليها السلام، أما في الفعل (أهب) فيعود إلى المَلَك الذي أرسله الله إليها.

ويكون الإعراب في الموضعين:

والفاعل ضمير مستتر تقديره (أنا)، في محل رفع.

وهذا المثال يبين أن تقدير الضمير لا يعتمد على صيغة الفعل وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى فهم السياق الذي ورد فيه الكلام.[5]

رابعًا: الضمير المستتر (أنت)

إذا كان الفعل مسندًا إلى مخاطب مفرد مذكر، فإن الفاعل يكون ضميرًا مستترًا تقديره (أنت).

ومن أوضح الأمثلة على ذلك قول الله تعالى:

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199].

ففي الأفعال الثلاثة: (خذ-أمر-أعرض)

فاعل كل فعل منها ضمير مستتر تقديره (أنت).

ويقال في الإعراب:

والفاعل ضمير مستتر تقديره (أنت)، في محل رفع.

ويكثر هذا النوع في أساليب الأمر والنهي والدعاء والإرشاد، حيث يُفهم المخاطب من صيغة الفعل نفسها دون الحاجة إلى ذكره صراحة.[6]


خامسًا: الضمير المستتر (نحن)

إذا كان الفعل مسندًا إلى جماعة المتكلمين، فإن الضمير المستتر يكون مقدرًا بـ (نحن).

ومن ذلك قول الله تعالى:

﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 145].

ففي الأفعال:(نؤته-نؤته-سنجزي)

فاعل كل فعل منها ضمير مستتر تقديره (نحن)، يعود على الله سبحانه وتعالى.

ويكون الإعراب:

والفاعل ضمير مستتر تقديره (نحن)، في محل رفع.

ويُستفاد من هذا المثال أن الضمير المستتر قد يتكرر في الجملة الواحدة أكثر من مرة، ويظل تقديره واحدًا ما دام السياق واحدًا.[7]

فوائد نحوية مهمة

ومن خلال الأمثلة السابقة يتبين أن الضمير المستتر لا يُقدَّر اعتباطًا، بل يعتمد على ثلاثة أمور رئيسة:

صيغة الفعل.

سياق الكلام.

المرجع الذي يعود إليه الضمير.

ولهذا ينبغي للناظر في النص أن يجمع بين هذه القرائن جميعًا قبل الحكم على تقدير الضمير أو تعيين مرجعه.

كما يتضح أن الضمائر المستترة الخمسة هي في الأصل من ضمائر الرفع المنفصلة التي سبق الحديث عنها، غير أنها لا تستتر جميعًا، وإنما اختصت هذه الخمسة بالاستتار دون غيرها، لأسباب صرفية ونحوية سيأتي بيانها عند الحديث عن الضمائر التي لا يجوز استتارها.[8]

—————————

[3] فكل من الفعلين (جهَّزهم، جعل) فيه ضمير مستتر، تقديره: (هو)، يعود على يوسف صلى الله عليه وسلم. ويقال في إعراب هذا الضمير: والفاعل ضمير مستتر، تقديره: (هو)، في محل رفع.

[4] ففي الأفعال: (سمعت، أرسلت، أعتدت، آتت، قالت) في كل واحد منها ضمير مستتر، تقديره: (هي)، يعود على امرأة العزيز، ويقال في إعراب هذا الضمير: والفاعل ضمير مستتر تقديره (هي)، في محل رفع.

[5] ففي كل من الفعلين (أعوذ، أهب) ضمير مستتر، تقديره: (أنا)، وهو في الفعل الأول (أعوذ) يعود على مريم رضي الله عنها، وفي الفعل الثاني (أهب) يعود على المَلَك المرسل إليها عليه السلام، ويقال في إعراب هذا الضمير: والفاعل ضمير مستتر، تقديره (أنا)، في محل رفع.

[6] ففي الأفعال (خُذ، أمُر، أعرِض) ضمير مستتر، تقديره: (أنت)، ويقال في إعراب هذا الضمير: والفاعل ضمير مستتر، تقديره: (أنت)، في محل رفع.

[7] ففي الأفعال: (نؤته، نؤته، سنجزي) ضمير مستتر، تقديره: (نحن) يعود على الرب سبحانه، ويقال في إعراب هذا الضمير: والفاعل ضمير مستتر، تقديره: (نحن)، في محل رفع.

[8] يلاحظ أن هذه الضمائر الخمسة المستترة هي من ضمائر الرفع البارزة المنفصلة التي تقدم ذكرها.

ولكن قد يُشكِل هنا: أننا عندما ذكرنا ضمائر الرفع البارزة المنفصلة ذكرنا أنها في العدد اثنا عشر ضميرًا، فلماذا لم نذكر منها في الضمائر المستترة إلا هذه الخمسة فقط؟

والجواب عن هذا الإشكال أن نقول: إن السبب في كون الضمائر السبعة الباقية لا تقع ضمائر مستترة، أنها ينوب عن استتارها في الفعل ضمائر أخرى متصلة، تؤدي نفس معناها؛ فينوب عن الضميرين (هم، وأنتم): الضمير المتصل واو الجماعة، وينوب عن الضميرين (هن، وأنتن): الضمير المتصل نون النسوة، وينوب عن الضميرين (هما، وأنتما): الضمير المتصل ألف الاثنين، أو الاثنتين، وينوب عن الضمير (أنتِ)، الضمير المتصل ياء المخاطبة المؤنثة(

فيقال على سبيل المثال: تضربين. بذكر الضمير المتصل (ياء المخاطبة)، ولا يقال: تضرب، بجعل الضمير (أنتِ) مستترًا في هذا الفعل.

فهذه هي الضمائر السبعة الباقية قد ناب عنها الضمائر المتصلة المذكورة.

ترك تعليق