الضمائر المستترة في اللغة العربية: مفهومها وأنواعها وأحكامها النحوية
الضمائر المستترة في اللغة العربية: مفهومها وأنواعها وأحكامها النحوية
مقدمة
بعد الانتهاء من دراسة الضمائر البارزة بنوعيها؛ المتصلة والمنفصلة، تأتي مرحلة الحديث عن الضمائر المستترة، وهي مرحلة لا تقل أهمية عن سابقتها؛ إذ يرتبط بها فهم جانب كبير من أبواب الإعراب، ولا سيما باب الفاعل. فاللغة العربية تمتاز بالإيجاز والدقة، ومن مظاهر هذا الإيجاز أن يُستغنى أحيانًا عن التصريح بالفاعل، ويُكتفى بدلالة صيغة الفعل عليه، فيكون الضمير مستترًا يُفهم من السياق دون أن يُنطق به أو يُكتب.
وقد أولى علماء العربية هذا النوع من الضمائر عناية كبيرة، لما يترتب عليه من صحة الإعراب وسلامة الفهم، فبينوا مواضع استتاره، وحالات وجوبه أو جوازه، والضمائر التي يمكن أن تأتي مستترة، كما فصلوا الفرق بينه وبين الضمير البارز الذي يظهر في اللفظ والكتابة. ومن خلال هذا المقال نتناول هذه الأحكام بأسلوب علمي مبسط، مدعوم بالأمثلة القرآنية والتطبيقات النحوية، حتى تتضح الصورة للقارئ بصورة متكاملة.
أولًا: تعريف الضمير المستتر
الضمير المستتر هو ضمير لا يظهر في اللفظ نطقًا ولا في الكتابة رسمًا، وإنما يُقدَّر اعتمادًا على صيغة الفعل أو على السياق الذي ورد فيه. ولهذا سُمِّي مستترًا؛ لأنه خفي عن السمع والبصر، مع بقاء أثره في التركيب النحوي، إذ يقوم بوظيفة الفاعل أو ما ينوب عنه بحسب المقام.[1]
ويتميز هذا النوع من الضمائر بأنه لا يُذكر صراحة داخل الجملة، وإنما يستنبطه النحوي من دلالة الفعل، ولذلك فإن معرفة صيغ الأفعال العربية تُعد أساسًا في تقدير الضمير المستتر وإعرابه.
ومن أوضح الأمثلة القرآنية على ذلك قول الله تعالى:
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: 134].
فعند تأمل الأفعال الواردة في الآية يظهر أن بعضها يشتمل على ضمير مستتر، ومن ذلك:
ادع: فاعله ضمير مستتر تقديره أنت.
عهد: فاعله ضمير مستتر تقديره هو.
لنؤمنن: فاعله ضمير مستتر تقديره نحن.
لنرسلن: فاعله ضمير مستتر تقديره نحن.
ويكون إعراب كل واحد من هذه الضمائر:
والفاعل ضمير مستتر تقديره (أنت/هو/نحن)، في محل رفع.
ويتبين من ذلك أن الضمير المستتر يؤدي وظيفة الفاعل كاملة، وإن لم يكن له وجود ظاهر في اللفظ.
ثانيًا: محل الضمير المستتر من الإعراب
من القواعد الأساسية في هذا الباب أن الضمير المستتر يكون في الأصل في محل رفع؛ لأنه يؤدي وظيفة الفاعل، ولذلك فإن النحويين إذا أعربوا فعلًا اشتمل على ضمير مستتر قالوا:
والفاعل ضمير مستتر تقديره (…) في محل رفع.
وهذه القاعدة هي الأصل العام الذي يكثر تطبيقه في أبواب النحو، غير أن الضمير المستتر قد يأتي في مواضع أخرى مرتبطة ببعض الأبواب الخاصة، كأن يكون نائبًا عن الفاعل إذا بُني الفعل للمجهول، أو يكون اسمًا لـ(كان) أو إحدى أخواتها، وسيأتي بيان تلك المواضع عند دراسة أبوابها الخاصة.[2]
ومن هنا فإن إدراك الموضع الإعرابي للضمير المستتر يساعد الدارس على فهم كثير من التراكيب العربية، ويمنحه القدرة على إعراب الجمل إعرابًا صحيحًا، خاصة في النصوص القرآنية والأدبية التي يكثر فيها هذا النوع من الضمائر.
ثالثًا: الضمائر التي يجوز أن تأتي مستترة
اتفق النحويون على أن الضمير المستتر لا يخرج عن خمسة ضمائر فقط، وهي:
- (هو-هي-أنا-أنت-نحن)
وتُقدَّر هذه الضمائر بحسب صيغة الفعل وسياق الكلام، ولا يجوز العدول عنها إلى غيرها عند تقدير الضمير المستتر؛ لأن بقية ضمائر الرفع لها علامات ظاهرة تؤدي معناها داخل الفعل، كما سيأتي بيانه في آخر هذا المقال.
وفي الجزء التالي سنعرض كل واحد من هذه الضمائر الخمسة بشيء من التفصيل، مع بيان الشواهد القرآنية الدالة عليه، وطريقة تقديره وإعرابه، والفوائد النحوية المستنبطة من كل مثال.
—————————–
[1] فهو ضمير خفي غير ظاهر في النطق والكتابة، فالاستتار بمعنى الاختفاء.
[2] أو: نائب الفاعلية إذا كان الفعل مبنيًّا للمجهول، أو: على أنها اسم لـ(كان) أو إحدى أخواتها، وسيأتي ذكر ذلك بالتفصيل في باب نائب الفاعل، وباب (كان) وأخواتها، إن شاء الله تعالى.
في الجزء الثاني سأبدأ بشرح الضمائر الخمسة المستترة (هو، هي، أنا، أنت، نحن) مع جميع الشواهد القرآنية، مع الإبقاء على الحواشي [3]–[8] كما وردت في المقال الأصلي، ثم ننتقل بعد ذلك إلى الفرق بين الضمير المستتر والبارز.
