النص وتعريفاته: مقاربة ابستمولوجية شاملة بين التراث اللغوي والنقد الحديث (2)
النص وتعريفاته: مقاربة ابستمولوجية شاملة بين التراث اللغوي والنقد الحديث
استكمالا للمقال السابق حول الحديث عن النص وتعريفاته نتعرف على تعريف النص في التراث الغربي والمقاربات الغربية
المقاربات الغربية لتعريف النص
المقاربة السوسيولوجية (لوتمان): تعبير لغوي، تحديد دلالي ثقافي، خاصية بنيوية منظمة
المقاربة الألسنية واللسانية:
هلمسليف: الملفوظ اللغوي المحكي أو المكتوب بغض النظر عن طوله (مثل: stop)
تودوروف: إنتاج لغوي منغلق على ذاته ومستقل بدلالاته (جملة أو كتاب)
فان ديك: نتاج لفعل وعملية إنتاج، وأساس للتلقي والاستعمال التفاعلي
هاليداي ورقية حسن: وحدة لغوية دلالية في طور الاستعمال تتحقق بواسطة الجمل
دريسلر: القول المكتفي بذاته والمكتمل في دلالته بشرط التعالق والروابط
المقاربة السيميائية والتفكيكية:
بوجراند: يتسع ليشمل أي علامة لغوية دالة أو إشارة مرئية وسياقية
رولان بارت: نسيج من الدوال، وجود منهجي متميز عن العمل المادي التعددي
كريستيفا: جهاز عبر لغوي، عملية إنتاجية قائمة على التناص وإعادة التوزيع
أ. المقاربة السوسيولوجية والثقافية
يمثلها الباحث الروسي يوري لوتمان (Lotman) الذي يرى أن النص يعتمد سوسيولوجياً وثقافياً على ثلاثة مكونات جوهرية:
1) التعبير: ويقصد به الجانب اللغوي التواصلي المادي للنص.
2) التحديد: ويعني أن للنص دلالة كلية لا تقبل التجزئة؛ فهو “يحقق دلالة ثقافية محددة، وينقل دلالتها الكاملة” داخل نسق المجتمع.
3) الخاصية البنيوية: وتعني أن النص بنية منظمة وخاضعة لقوانين داخلية، وليس مجرد متوالية عشوائية من العلامات؛ بل إن التنظيم الداخلي ضروري للنص وأساس مكين في تكوينه.
ب. المقاربة اللسانية والألسنية
◘ لويس هلمسليف (Louis Hjelmslev): يرتبط النص عنده بالملفوظ اللغوي المحكي أو المكتوب مباشرة، طويلاً كان أو قصيراً دون التفات للحجم؛ “فعبارة stop أي قف هي في نظر هالمسليف نص” متكامل الأركان.
◘ تزفيتان تودوروف (Todorov): يرى أن “النّص إنتاج لغوي منغلق على ذاته، ومستقل بدلالاته، وقد يكون جملة، أو كتاباً بأكمله”. وهذا الإنتاج اللغوي لا شك أن له وجهين متلازمين: وجه اللفظ ووجه المعنى. ولا يمكن بأي حال تعريف النص من خلال اللفظ الظاهر فقط، بل إن هناك من اللسانيين من أعطى الأولوية المطلقة للمعنى على اللفظ، حيث يكون النص في روعهم “وحدة دلالية، وليست الجمل إلا الوسيلة اللسانية التي يتحقق بها النص” على أرض الواقع.
◘ فان ديك (Van Dijk): يعتبر من أبرز الباحثين الذين اشتغلوا على قواعد النص؛ وقد ذكر في كتابيه العميقين: “بعض مظاهر قواعد النصّ” (1972)، و”النصّ والسياق” (1977)، أن “النصّ نتاج لفعل ولعملية إنتاج من جهة، وأساس لأفعال، وعمليات تلق واستعمال داخل نظام التواصل والتفاعل الاجتماعي، من جهة أخرى”.
◘ مايكل هاليداي ورقية حسن (M. Halliday & R. Hassan): أكدا في كتابهما المرجعي “الاتساق في الإنكليزية” (1976) أن النصّ “وحدة لغوية في طور الاستعمال، وهو لا يتعلق بالجمل، وإنما يتحقق بواسطتها”. وهما يركزان بشكل مكثف على معايير الوحدة والانسجام في البنية النصّية من خلال الإشارة إلى كونه وحدة دلالية بالمقام الأول، ولا يهتمان بطول النص أو قصره؛ حيث يقولان: “النص يمكن أن يكون له أي طول…. وبعض النصوص تتشابه في الحقيقة من حيث إنها يمكن أن تكون أقل من جملة واحدة في التركيب النحوي مثل: التحذيرات، العناوين، الإعلانات، الإهداءات”.
◘ فولفجانج دريسلر (Dressler): يؤكد في السياق نفسه أن “النص هو القول المكتفي بذاته والمكتمل في دلالته”. فهو لا يعتمد على معيار الطول اللفظي في تحديد ماهية النص، بل يركز على صفتي الاكتمال والاستقلال. وهذا يعني إجرائياً أن النص قد يكون كلمة مفردة، أو جملة بسيطة، أو مجموعة معقدة من الجمل، ولكن بشرط أساسي وهو “التعالق” والترابط فيما بينها؛ فكل متتالية من الجمل تشكل نصاً شريطة أن تكون بين هذه الجمل علاقات سببية وسياقية، أو على الأصح أن تكون بين عناصر هذه الجمل علاقات وعبارات متسقة.
◘ روبرت دي بوجراند (De Beaugrande Robert): يتوسع في المفهوم ليتجاوز الأطر اللسانية الضيقة ليشمل أي علامة لغوية دالة، سواء كانت مكتوبة أو منطوقة أو حتى إشارة مرئية كلغة الإشارات؛ فالنص في نظره قد “يتألف من عناصر ليس لها ما للجملة من الشروط (مثلاً علامات الطرق والإعلان والبرقيات ونحوها)” طالما أنها تؤدي وظيفتها الإبلاغية.
ج. المقاربة السيميائية والتفكيكية الكبرى
◘ رولان بارت (Roland Barthes): ساهم في تعريف النص مساهمة جليلة؛ حيث نشر بحثه الشهير والمحوري “من العمل إلى النص” ليضع فاصلاً منهجياً ميز فيه بين العمل الأدبي والنص الأدبي؛ فالأول (العمل) هو شيء محدد، مادي، ملموس يُحمل باليد ويُخزن في المكتبات، بينما الثاني (النص) تحمله اللغة، وله وجود منهجي وتحليلي فقط. والأول يرتبط بالأجناس والأنواع التقليدية ويخضع للتصنيف الصارم، بينما الثاني (النص) يتجاوز تلك الأطر والحدود كلها. والأول أحادي المعنى والاتجاه، أما الثاني فـ “تعددي” تنصهر في بوثقته النصوص الأخرى (التناص). والأول ملك قانوني ونفسي لصاحبه المؤلف، والثاني ملك مشاع لقارئه، يقرؤه من جديد ويعيد إنتاجه، لا كما أراد مؤلفه بالضرورة، بل “قراءة إنتاجية، تقرب القراءة من الكتابة، حيث يصبح القارئ كاتباً لنصّ جديد”. ويعطي بارت للنص تعريفاً لغوياً سيميائياً حيث يرى أنه “نسيج من الكلمات، ومجموعة نغمية وجسم لغوي”، ثم يعرفه في إطار السيميائيات بأنه “نسيج من الدوال التي تكون العمل”. وقد شبّه هذا النسيج اللغوي المتشابك بنسيج العنكبوت؛ فهو محكم، ومتماسك، ويرتبط بعضه ببعض في إطار وحدة بنوية كلية وديناميكية.
◘ جوليا كريستيفا (Julia Kristeva): ترى من منظور تفكيكي وسيميائي خالص أن النص يتجاوز حدود الخطاب أو القول العابر؛ فهو في نظرها موضوع مركزي للعديد من الممارسات السيميائية التي تشكل ظواهر “عبر لغوية” مكونة بواسطة اللغة. إن النص بهذا المعنى هو “جهاز عبر لغوي، يعيد توزيع نظام اللغة بكشف العلاقة بين الكلمات التواصلية، مشيراً إلى بيانات مباشرة تربطها بأنماط مختلفة من الأقوال السابقة والمتزامنة معها”. والنص نتيجة لذلك إنما هو عملية إنتاجية مستمرة، مما يعني أمرين جوهريين:
1) علاقته باللغة التي يتموقع فيها تصبح من قبيل إعادة التوزيع والخلخلة (عن طريق التفكيك وإعادة البناء)، مما يجعله صالحاً لأن يُعالج بمقولات منطقية ورياضية مرنة، أكثر من صلاحية المقولات اللغوية الصرفة والجامدة له.
2) يمثل النصّ عملية استبدال وامتصاص من نصوص أخرى، أي عملية (تناصّ) دائمة؛ ففي فضاء النصّ المفتوح تتقاطع أقوال عديدة مأخوذة من نصوص وقراءات أخرى، مما يجعل بعضها يقوم بتحييد بعضها الآخر ونقضه وتجاوزه.
إن هذا التصور الديناميكي للنص جعل كريستيفا “تقترح رؤية نقدية جديدة، تؤكد انفتاحية النص الأدبي على عناصر لغوية، وغير لغوية (ك الإشارات والرموز الثقافية) متجاوزة بذلك التصور البنيوي” المغلق الذي سجن النص داخل حدوده اللفظية.
ثالثاً: إشكالية التداخل والتمايز بين النص والخطاب
وتجدر الإشارة في نهاية هذا الاستعراض المعرفي إلى أن بعض الدارسين واللسانيين يرون أن مفهوم النص يتداخل تداخلاً وثيقاً مع مفهوم الخطاب (Discours)؛ ومنهم فان دايك الذي يرى أن “النص والسياق يعتمد كلّ منهما على الآخر” اعتماداً متبادلاً لا ينفصم. فالسياق يحيل بالضرورة على الخطاب وعناصره المقالية والمقامية. وفي الاتجاه نفسه يربط بوجراند بين البنية النصية الداخلية وعناصر المحيط الخارجي التي تؤكد ارتباط النص بالخطاب، فيقول: “ينبغي للنص أن يتصل بموقف يكون فيه، تتفاعل فيه مجموعة من المرتكزات، والتوقعات، والمعارف، وهذه البيئة الشاسعة تسمى سياق الموقف”.
العلاقة بين النص والخطاب
اتجاه التطابق والاتصال:
◘ فان دايك وبوجراند: النص والسياق (الخطاب) يعتمد كل منهما على الآخر تفاعلياً
◘ بول ريكور : النص هو خطاب تم تثبيته بواسطة الكتابة لضمان استمراريته
◘ جوفري هرتمان: النص قطعة ذات دلالة ووظيفة اتصالية (تداولية)
اتجاه التمايز والانفصال (ميشيل آدم):
◘ الخطاب: النص مدمجاً معه ظروف الإنتاج والسياق الخارجي الإنجازي
◘ النص: البناء اللغوي النسقي المجرَّد دون ظروف الإنتاج (غير إنجازي)
ويذهب الفيلسوف والناقد الفرنسي بول ريكور (Paul Ricœur) إلى صياغة معادلة تفريعية؛ حيث يرى أن النص هو خطاب تمت كتابته وحفظه، حيث يقول: “لنطلق كلمة نص على كل خطاب تم تثبيته بواسطة الكتابة”. فالكتابة إذن هي الأداة التي تضمن استمرارية الكلام وتخلصه من زوال الشفاهية، وهي كما يعرفها جاك دريدا: “تثبيت الأصوات اللغوية بواسطة علامات خطية” مرئية. ويرى جوفري هرتمان (G. Hartman) من جانبه أن النص هو أي “قطعة ما ذات دلالة وذات وظيفة، وبالتالي هي قطعة مثمرة من الكلام”. إن وجود الوظيفة، وبالتحديد الوظيفة الاتصالية البارزة التي يدل عليها الكلام والتفاعل، يوحي بأن هارتمان يعطي للنص بعداً تداولياً حيوياً، ومن ثمة فهو لا يختلف في جوهره عن الخطاب.
ومقابل هذه الآراء التي تنحو نحو الوصل والدمج، نجد بعضاً آخر من علماء لغة النص يرى أن هناك اختلافاً حقيقياً وحدوداً فاصلة بين النص والخطاب؛ فالخطاب يرتبط أساساً بالتلفظ الحي، والتداول الفعلي، أي أن له وجوداً سياقياً مشروطاً بالموقف والذوات المتكلمة، بينما النص يتعلق بالوجود اللساني البنيوي المحض خارج السياق العارض، أي أن له وجوداً نسقياً إن صح التعبير.
ومن أبرز هؤلاء المنظرين الفرنسي ميشيل آدم الذي يرى بكثير من التحديد والتركيز:
◘ الخطاب: هو النص مع ظروف الإنتاج المحيطة به.
◘ النص: هو الخطاب عارياً من ظروف الإنتاج وعواملها.
وبعبارة أخرى يصوغها آدم: “الخطاب يدمج السياق أي الظروف الخارج لسانية المنتجة له. في حين أن النص يبعدها بوصفه ترتيباً لقطع تعود إلى البعد اللساني” الصرف؛ فالنص بناء لغوي نسقي غير إنجازي، على العكس تماماً من الخطاب المتسم بالإنجازية والحركية السياقية.
خلاصة وتوجيه منهجي لـمُتبنى البحث
بناءً على هذا الاستعراض النقدي المستفيض لآراء كبار اللسانيين والنقاد العرب والغربيين، ونظراً للتداخل العميق في آليات الاشتغال الإجرائي بين المفهومين، يتم في هذا البحث تبني الرأي القائل بـ تطابق النص والخطاب واشتراكهما الوظيفي؛ فكل نص مدون أو منطوق هو في حقيقته خطاب يتفاعل في سياق تواصلي محدد وله مقاصده التداولية، والخطاب بدوره لا يمكنه أن يتجسد ويتحقق للعيان بنيوياً ودلالياً إلا من خلال كونه نصاً متسقاً ومنسجماً في سياق ما. وبناءً عليه، سنستعمل المصطلحين بوصفهما وجهين لعملة معرفية واحدة تجمع بين دقة النسق اللساني الداخلي وحيوية السياق الخارجي.
—————————
[22] يسري نوفل، المعايير النصية في السور القرآنية، دار النابغة للنشر والتوزيع، ط1، 2014، ص 18.
[23] محمد عزام، النص الغائب، ص14.
[24] محمد خطابي، لسانيات النص: مدخل إلى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط1، 1991، ص13.
[25] محمد عزام، النص الغائب، ص 16.
[26] المرجع نفسه، ص ن.
[27] صبحي إبراهيم الفقي، علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق: دراسة تطبيقية على السور المكية، دار قباء، القاهرة، 2000، ص29.
[28] صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، ص 215.
[29] ينظر محمد خطابي، لسانيات النص، ص 13.
[30] روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والاجراء، ترجمة تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 1998، ص97.
[31] ينظر صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، ص213.
[32] محمد عزام، النص الغائب، ص 19.
[33] حسين خمري، نظرية النص، ص 44.
[34] المرجع نفسه، ص ن.
[35] ينظر رولان بارت، درس السيمولوجيا، ترجمة: بن عبدالعالي، دار توبقال للنشر، ط3، 1993، ص85.
[36] ينظر: جوليا كريستيفا، علم النص، ترجمة: فؤاد الزاهي، دار توبقال للنشر، المغرب، ط2، 1997.
[37] عبد القادر بقشي، التناص في الخطاب النقدي والبلاغي، إفريقيا الشرق، المغرب، ط1، 2007، ص19.
[38] فان دايك، علم النص: مدخل متداخل الاختصاصات، ترجمة: سعيد بحيري، دار القاهرة للكتاب، ط1، 2001، ص 156.
[39] روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والاجراء، ص 91.
[40] ينظر صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، ص 219.
[41] حسين خمري، نظرية النص، ص 45.
[42] سعيد بحيري، علم اللغة النص المفاهيم والاتجاهات، ص101-102.
[43] ماري آن بافو وجورج إليا سرفاتي، النظريات اللسانية العربية، ترجمة: محمد الراضي، المنظمة العربية للترجمة، لبنان، ط1، 2012، ص315- عن جميل الحمداوي محاضرات في لسانيات النص، مكتبة المثقف، ط1، 2015، ص13.
