النص وتعريفاته: مقاربة ابستمولوجية شاملة بين التراث اللغوي والنقد الحديث
النص وتعريفاته: مقاربة ابستمولوجية شاملة بين التراث اللغوي والنقد الحديث
مقدمة: النص بوصفه ملتقى للمجالات المعرفية
يعتبر النص نقطة تلاقي العديد من المجالات المعرفية، بل لا يكاد يخلو مجال من وجود النص؛ فهو القاسم المشترك الذي تتقاطع عنده العلوم الإنسانية، والتطبيقية، والنظرية على حد سواء. إلا أن وجهة النظر، وطريقة الاشتغال، وأشكال المقاربة، تختلف من مجال إلى آخر، ومن شخص لآخر، ومن نص لآخر. ولعل ذلك راجع لما عرفه ويعرفه مصطلح النص من تعدد دلالي، تطور عبر التاريخ، خاضعاً لتحولات الفكر والمناهج النقديّة. وقبل أن أبحث في الدلالة الاصطلاحية للنص، لا بد أن أتطرق للدلالة اللغوية التي قد تمدنا ببعض التوضيحات المضيئة لدلالة النص الاصطلاحية، رغم أنه يجب ألا نعول كل التعويل على هذه الدلالة في شرح المصطلح، بل يجب بناء “مفهوم النص من جملة المقاربات النقدية التي قدمت له في البحوث البنيوية والسيمولوجية الحديثة”.
بنية دراسة المفهوم
الدلالة اللغوية
التراث العربي: الرفع، الظهور، المنتهى، التحريك
المعجم الأوروبي: النسيج، الحياكة، التنظيم، الاتساق
الدلالة الاصطلاحية
العلوم التراثية: الأصول (عدم التأويل)، الحديث (الإسناد)، الفقه (الدليل)
النقد العربي الحديث: البناء الجملي، الأبعاد الدلالية والتواصلية، التناسل المعنوي
المدارس الغربية: البنيوية والسيميائية (بارت، كريستيفا)، اللسانيات (فان ديك، هاليداي)
أولاً: التعريف اللغوي للنص
1. في اللغة العربية: أصالة الرفع والظهور
إنّ المتتبع لكلمة “النص” في المعاجم العربية يلاحظ كثرة الدلالات التي ترتبط بها وتتشعب عبرها؛ فقد جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس: “النون والصاد أصل صحيح يدل على رفع وارتفاع وانتهاء في الشيء… ونصصت الرجل: استقصيت مسألته عن الشيء حتى تستخرج ما عنده. وهو القياس، لأنك تبتغي بلوغ النهاية”. ويقول ابن منظور في لسان العرب مؤكداً هذا المنحى الاشتقاقي: “النص: رفْعُك الشَّيْءَ.
نَصَّ الْحَدِيثَ يَنُصُّه نَصًّا: رفَعَه.
وَكُلُّ مَا أُظْهِرَ، فَقَدْ نُصَّ…… وأَصل النَّصّ أَقصى الشَّيْءِ وغايتُه”.
وفي تاج العروس للزبيدي نجد مزيداً من التوسيع والتدقيق؛ حيث يقول: “أَصْلُ النَّصِّ: رَفْعُك لِلشَّيْءِ وإظهاره فهو من الرفع والظهور ومنه المنصة…. نَصَّ الشَّيْءَ (يَنُصُّهُ) نَصّاً: حَرَّكَهُ”. ويضيف الزبيدي مبيناً الأبعاد المجازية المستعملة في لسان العرب: “النَّصُّ: الإِسْنَادُ إِلى الرَّئِيسِ الأَكبَر. والنَّصُّ: التَّوقِيفُ. والنَّصُّ: التَّعْيِينُ على شَيْءٍ مَا، وكُلُّ ذلِكَ مَجَازٌ، من النَّصِّ بمَعْنَى الرفع والظُّهُورِ”.
وهكذا يظهر أن النص له دلالات كثيرة في اللغة العربية، كالغاية والمنتهى، والتحريك، والتعيين والتوقيف؛ إلا أن هذه المعاني المختلفة ما هي إلا مجازات تفرعت عن الأصل اللغوي، فالمعنى الأصلي الذي تدور في فلكه المادة هو الرفع والظهور.
2. في اللغات الأوروبية: استعارة النسيج والحياكة
على الجانب الآخر، نجد في اللغات الأوروبية ك الفرنسية والإنجليزية أن مصطلح النص (Texte / Text) يرتبط بالنسيج أو الأسياخ المظفرة في أصله الاشتقاقي اللاتيني (Textus). ويعود المصطلح أساساً إلى ما تعنيه كلمة “النسيج” في المجال المادي الصناعي، وقد نتج عنها اشتقاقات توليدية لا تخرج عن هذا المعنى الأصلي، ثم نُقل هذا المعنى لاحقاً من الحقل المادي إلى الحقل المجرد عبر استعارة نسيج النص، ثم اعتُبر النص نسجًا من الكلمات المترابطة.
وترتبط كلمة النسيج في هذا السياق بعدة دلالات قريبة من معنى النص اصطلاحاً ومنها: “دقة التنظيم، وبراعة الصنع، والجهد، والقصد، والكمال والاستواء”. وبذلك، فإن النص في اللغات الأجنبية مشتق من الاستخدام الاستعاري في اللاتينية لمعاني الحياكة والنسيج والتشابك اللغوي.
إن هذه الدلالة اللغوية للنص في اللغات الأجنبية تبدو أكثر ارتباطاً بحقيقة النص الاصطلاحية المعاصرة، على عكس الدلالة في اللغة العربية التي تظهر للوهلة الأولى بعيدة عن معنى النص كما هو متعارف عليه حديثاً؛ رغم أنه يمكن للمتأمل تلمس طريق دقيق للربط بين الدلالة اللغوية العربية (الرفع والظهور والبيان) والدلالة الاصطلاحية، وكيف انتقل المفهوم وتطور عبر القنوات التراثية إلى دلالته الحالية.
ثانياً: التعريف الاصطلاحي للنص
تتعدد تعريفات النص وتتشابك حسب التوجهات المعرفية والنظرية للباحثين واختلاف مقارباتهم الإبستمولوجية؛ بل قد تتعدد تعريفات الباحث الواحد وتتحول حسب توجهاته النقدية المختلفة ومراحله الفكرية. فرولان بارت (Roland Barthes) مثلاً، تعددت تعريفاته للنص الأدبي بتعدد المراحل النقدية والمنهجية التي مرّ بها طوال مسيرته، بدءاً من المرحلة الاجتماعية، وحتى المرحلة الحرة، مروراً بالبنيوية، والسيميائية.
وهذا التنوع والخصوبة في تعريف النص يدل على عدم استقرار المفهوم بشكل نهائي من جهة، وتباين طرقه الإجرائية وآليات تشغيله في حقول معرفية مختلفة من جهة أخرى. بل إن مسألة وجود تعريف جامع مانع للنص تعتبر مسألة غير منطقية من جهة التصور اللغوي؛ ويؤكد ذلك الاختلاف الجذري بين علماء اللغة الذين ينتمون إلى مدارس لغوية وألسنية متعددة حول حدود المصطلحات التي ترتكز عليها بحوثهم وسياقاتهم المعرفية.
1. مفهوم النص اصطلاحاً عند العرب
أ. في العلوم التراثية (الأصول، الحديث، الفقه)
يختلف معنى النص اصطلاحاً في التراث العربي القديم حسب المجال المعرفي والمنهجي الذي تتم فيه الدراسة والتحليل:
◘ عند الأصوليين: يدل النص على “مَا لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا أَو ما لَا يحْتَمل التَّأْوِيل”، فهو اللفظ الواضح الصريح في معناه القطعي.
◘ عند أهل الحديث: جاء النص بمعنى الإسناد، والتعيين، والتحديد الدقيق للرواية؛ حيث يقولون في مصطلحهم: “نص عليه في كذا”.
◘ عند الفقهاء: يُطلق النص ويراد به الدليل الشرعي المكتوب والمنقول كالقرآن والسنة؛ ومنه جرت قاعدتهم الشهيرة: “لا اجتهاد مع النص”.
تعريفات النقاد العرب المحدثين لـ “النص“:
◘ طه عبد الرحمان: بناء يتركب من جمل سليمة مرتبطة بعلاقات متبادلة
◘ سعيد يقطين: بنية دلالية تنتجها ذات ضمن بنيات ثقافية واجتماعية
◘ محمد عزام: وحدات لغوية ذات وظيفة تواصلية دلالية تحكمها مبادئ أدبية
◘ محمد مفتاح: مدونة كلامية وحدث تواصلي تفاعلي مغلق كتابياً توالدي معنوياً
◘ أحمد اليبوري: ملفوظ يتعارض مع الخطاب أو يرادف المتن والوثائق
ب. في اصطلاح النقاد المحدثين المعاصرين
إن الذي يهمنا في هذا المقام هو تتبع مفهوم النص في اصطلاح النقاد المحدثين؛ حيث برزت مجموعة من المساهمات العربية الرائدة التي حاولت مأسسة المفهوم:
◘ طه عبد الرحمان: يعرف النص من منظور تداولي ومنطقي بأنه: “بناء يتركب من عدد من الجمل السليمة مرتبطة فيما بينها بعدد من العلاقات. وقد تربط هذه العلاقات بين جملتين أو بين أكثر من جملتين”.
◘ سعيد يقطين: ينطلق من أفق بنيوي وسياقي ليعرف النص بأنه: “بنية دلالية تنتجها ذات (فردية أو جماعية)، ضمن بنية نصية منتجة، وفي إطار بنيات ثقافية واجتماعية محددة”.
◘ محمد عزام: يقترب من هذا الطرح مع التركيز على الوظيفة والنوع؛ إذ يقول عن النص الأدبي إنه: “وحدات لغوية، ذات وظيفة تواصلية – دلالية، تحكمها مبادئ أدبية، وتنتجها ذات فردية أو جماعية”. فالنص بناءً على هذا التحديد هو بنية لسانية ذات دلالة عميقة، وذات بعد تواصلي وظيفي، تحقق “الأدبية” من خلال مجموعة من المبادئ البنيوية والجمالية كالانسجام والاتساق، وتنتجه ذوات متعددة تتداخل سياقياً سواء قبل عملية الكتابة، أو أثناءها، أو بعدها.
◘ أحمد اليبوري: يذكر عدة مقولات تحيل على النص حسب النظرية السيميائية؛ فالنص عنده ملفوظ، أي أنه يتعارض بنيوياً مع الخطاب، على الرغم من أن هناك من الدارسين من يجعلهما مترادفين في الاستعمال. والنص في طيات هذا المنظور هو “مجموعة السلسلة اللغوية اللامحدودة بسبب إنتاجية المنظومة”. كما أن النص بالمعنى الضيق والإجرائي قد يُطبق على “عمل كاتب أو مجموعة من الوثائق المعروفة أو الشهادات التي تم جمعها، وفي هذه الحالة يكون النص مرادفاً للمتن”.
◘ محمد مفتاح: يرى في أطروحاته المتعددة أن النص عبارة عن: “وحدات لغوية طبيعية منضدة متسقة منسجمة”. ويعرفه كذلك من خلال استقراء مقوماته الأساسية؛ فالنص عنده مدونة كلامية، وحدث تواصلي، وتفاعلي مشروط بسياقه، وله بداية ونهاية محددة؛ أي أنه مظهر “مغلق كتابياً، لكنه توالدي معنوياً” لأنه في جوهره “متولد من أحداث تاريخية ونفسانية ولغوية… وتتناسل منه أحداث لغوية أخرى لاحقة له” في قراءات وتأويلات مستمرة.
2. مفهوم النص اصطلاحاً عند الغربيين
لقد بحث في ماهية النص ودلالته الإجرائية مجموعة واسعة من النقاد، اللسانيين، والباحثين الغربيين من مختلف المشارب والاتجاهات النقدية؛ ويمكن تقسيم هذه المقاربات بحسب الحقول المعرفية.
————-
[1] صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص عالم المعرفة، العدد 164، غشت 1992، ص 211
[2] ابن فارس (المتوفى: 395هـ) معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الفكر، دون طبعة، 1979م، ج5، ص357.
[3] أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور، لسان العرب، دار صادر – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1414 هـ، ج7، ص98 وما بعدها.
[4] أبو الفيض، محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، الزبيدي، تاج العروس، مجموعة من المحققين، دار الهداية، دط، دت، ج18، ص 179.
[5] المرجع نفسه، ج 18، ص180.
[6] فولفجانج هنيه من، ديتر فيهجر، مدخل إلى علم اللغة النصي، ترجمة فالح العجمي، جامعة الملك سعود، 1999، ط1، ص ٤.
[7] محمد مفتاح، المفاهيم معالم، نحو تأويل واقعي، المركز الثقافي العربي، الرباط، ط1، 1999، ص 16.
[8] ينظر: عبد القادر شرشار، تحليل الخطاب الأدبي وقضايا النص، ص ١٧ عن: عبد الخالق فرحان شاهين، أصول المعايير النصية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة الكوفة، 2012، ص 7.
[9] ينظر في ذلك: نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، دط، 1990.
[10] محمد عزام، النص الغائب: تجليات التناص في الشعر العربي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001، ص14.
[11] حسين خمري، نظرية النص من بنية المعنى الى سيمائية الدال، منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2007، ص35.
[12] سعيد بحيري، علم لغة النص المفاهيم والاتجاهات، مكتبة لبنان ناشرون – لونجمان، ط 1، 1977، ص107.
[13] مجمع اللغة العربية بالقاهرة، المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، ط4، 2004، ج2، ص926.
[14] طه عبد الرحمان، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ط2، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2000، ص35.
[15] سعيد يقطين: انفتاح النص الروائي: النص والسياق، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط2، 2001 ص 32.
[16] محمد عزام، النص الغائب، ص 26.
[17] أحمد اليبوري، دينامية النص الروائي، منشورات اتحاد كتاب المغرب، ط1، 1993، ص 14.
[18] المرجع نفسه، ص ن.
[19] محمد مفتاح، التشابه والاختلاف، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء\بيروت، ط1، 1996، ص15.
[20] محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، البيضاء/ بيروت، ط3، 1992، ص 120.
[21] صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة، عدد 164، غشت 1992، ص 216.
