علم النحو العربي: تاريخ النشأة، حركية المدارس، وبنية المفهوم والتقعيد
علم النحو العربي: تاريخ النشأة، حركية المدارس، وبنية المفهوم والتقعيد
مقدمة المقال
إن النحو العربي ليس مجرد قواعد جافة لضبط أواخر الكلمات، بل هو نظام متكامل من العلاقات والمعاني التي تحكم بنية اللسان العربي وتصون دلالاته الشريفة. لقد درج العرب الأوائل على نطق لسانهم وفق سليقة فطرية نقية، ولم يكونوا بحاجة إلى تدوين قوانين تنظم كلامهم أو تقيد إعرابهم. بيد أن الاتساع المطرد لرقعة الدولة الإسلامية، واختلاط الفاتحين بالعجم والأعاجم، أحدث شرخاً في هذه السليقة؛ فمالت الألسن عن صوابها وتسرّب اللحن إلى الخطاب اليومي، بل وصل الأمر إلى مشارف النص القرآني؛ مما أحدث فزعاً معرفياً ودينياً لدى ولاة الأمر وعلماء الأمة خوفاً من جهل الناس بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ. ومن رحم هذه الحاجة الوجودية، ولد علم النحو كجدار حماية لغوي، وسياج أصولي يضمن بقاء العربية كما نزلت. وسنبسط في هذا المقال العلمي القول في ماهية هذا العلم، ونشأته، والمدارس العلمية التي صاغت قضاياه عبر التاريخ.
محتويات الدراسة:
- أولاً: الدلالة المفهومية لعلم النحو (بين اللغة والاصطلاح)
- ثانياً: نشأة النحو وبواعث التدوين (التدافع الديني والاجتماعي)
- ثالثاً: واضع النحو وتفكيك الروايات التاريخية (من النقط إلى التقعيد)
- رابعاً: الخارطة التاريخية للمدارس النحوية الكبرى وأبرز روادها
- خامساً: خاتمة وتوصيات علمية
- سادساً: حواشي المقال والتوثيق الأكاديمي
أولاً: الدلالة المفهومية لعلم النحو (بين اللغة والاصطلاح)
1. النحو في البنية اللغوية (جذر القصد والجهة)
ترتد مادة (نَحَا) في المعاجم العربية إلى عدة معانٍ محورية؛ كالجهة، والتحريف، والطريق، غير أن المحققين من اللغويين يجمعون على أن جماع هذه المعاني وأصلها هو (القصد).
توجيه أئمة اللغة:
يشير الإمام ابن فارس إلى هذا الرابط التأسيسي بقوله: “النون والحاء والواو كلمة تدل على قصد…، ولذلك سُمِّي نحو الكلام؛ لأنه يقصِد أصول الكلام، فيتكلم على حَسَبِ ما كان العرب تتكلم به”.
الارتباط بالرواية التاريخية:
يؤكد هذا المنزع ما ورد في الأثر اللغوي من أن التسمية مأخوذة مباشرة من مقولة أبي الأسود الدؤلي حين وضع جمل العربية الأولى ثم قال: “… انحوا هذا النحو” أي اقصدوا هذا الطريق، فغلب المصدر الشائع على هذا الفن العلمي المخصوص.
رأي بديل ومناقشته:
ذهب بعض المحدثين كالدكتور حسن عون إلى ترجيح أن الأصل الحسي للمادة هو “الناحية” (أي الجانب من الشيء) ومنها اشتُق الفعل نَحَا بمعنى اتجه وقصد. ورغم وضوح العلاقة بين الجانب والقصد، إلا أن هذا الترجيح يظل مرجوحاً؛ لأنه يضرب بصنيع وكلام اللغويين المتقدمين عرض الحائط؛ إذ جعلوا “الناحية” معنى ثانوياً، فضلاً عن إجماع النحاة على ارتباط التسمية التاريخية بقصة أبي الأسود.
2. النحو في العرف الاصطلاحي (مراحل تطور التعريف)
مرّ تعريف النحو اصطلاحاً برحلة طويلة من التطور، عكست رغبة العلماء في فصله عن العلوم المجاورة كالصرف والتصريف، ويمكن رصد هذا التطور عبر المحطات التالية:
◘ تعريف ابن السراج (ت 316 هـ): يعد أقدم تعريف اصطلاحي مستقر؛ إذ يقول: “النحو إنما أُرِيد به أن ينحو المتكلِّم إذا تعلَّمه كلامَ العرب، وهو علمٌ استخرجه المتقدِّمون فيه مِن استقراء كلام العرب، حتى وقفوا منه على الغرض الذي قصده المبتدئون بهذه اللغة”، وهو تعريف مشحون بالدلالة اللغوية (القصد) في تصديره.
◘ تعريف ابن جني (ت 392 هـ): حدّه في كتابه الخصائص بأنه: “هو انتحاءُ سَمْتِ كلام العرب في تصرُّفه؛ من إعراب وغيره… ليلحق مَن ليس مِن أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة”. وقد اعتُرِض على هذا الحد بأن “انتحاء السمت” هو الغاية والثمرة من النحو وليس النحو في حد ذاته.
◘ المزج بين النحو والصرف: قدم ابن عصفور حداً للنحو بأنه “علمٌ مستخرج بالمقاييس المستنبطة مِن استقراء كلام العرب، الموصلة إلى معرفة أجزائه التي ائتَلف منها”، وتبعه ابن الناظم بتفصيل أحوال الكلم في ذواتها وفي حال تركيبها لتأدية المعاني بالتقديم والتأخير، وعرف ابن يعيش النحو بعبارة رشيقة وجيزة بأنه: “قانونٌ يُتوصَّل به إلى كلام العرب”. وجاء الشاطبي ليربط مجدداً بين القصد الاصطلاحي واللغوي معتبراً النحو ضداً للحن الذي هو عدول عن الصواب.
◘ التعريف بمعناه الخاص: عيب على التعريفات السابقة عدم دقتها وشمولها؛ فإما أنها تذكر الغاية والمصادر دون الحد، أو أنها تمزج النحو بالصرف (أحوال الكلم في ذواتها). لذا جاء خالد الأزهري بأول تعريف يفرز النحو بمعناه المخصوص قائلاً: “علمٌ بأصولٍ تُعرَف بها أحوال أواخر الكلم إعرابًا وبِناءً”.
◘ الاعتراض المحدث والبديل الأدق: تعقب الدكتور السيد علي حسن مطر تعريف الأزهري؛ محتجاً بأن كتب النحو تشتمل على مباحث واسعة لا تتعلق مباشرة بظاهرة الإعراب والبناء في أواخر الكلم (كالمبتدأ، والتقديم والتأخير، وشروط العوامل)، وقدّم سياقاً يراه الأولى بالاعتماد للنحو بمعناه الخاص وهو: “العلم الباحث عن أحكام الكلمة المركَّبة”.
ثانياً: نشأة النحو وبواعث التدوين (التدافع الديني والاجتماعي)
يتفق مؤرخو العربية على أن النحو لم يظهر ترفاً فكرياً، بل وُلد بباعث ديني محض غايته صيانة النص الحكيم وسد ثغرات اللحن.
1. فساد الملكة اللسانية وأثر الهجنة
يصف العلامة ابن خلدون هذه الظاهرة التاريخية في مقدمته واصفاً حتمية التدوين: “إنَّه لَمَّا فسَدت مَلَكة اللسان العربي في الحركات المُسمَّاة – عند أهل النحو- بالإعراب استنبطت القوانين لحفظها… ثم استمر ذلك الفساد إلى موضوعات الألفاظ، فاستُعمل كثيرٌ مِن كلام العرب في غير موضوعه عندهم، ميولًا مع هُجْنَة المُستَعرِبين في اصطلاحاتهم المخالِفةِ لصريح العربية، فاحتيج إلى حفظ الموضوعات اللُّغوية بالكتاب والتدوين، خشيةَ الدروس وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث…”.
2. تلافي اللبس وفهم الوظائف التركيبية
إن الإعراب في اللسان العربي ليس حليات صوتية، بل هو أداة معيارية لتحديد الوظائف النحوية (فاعل، مفعول، مبتدأ) وتلافي اللبس في المعاني؛ فالنحو في جوهره “نظامٌ من المعاني والعَلاقات التي تتحكم في معنى الجملة العربية”.
وتسجل الحوليات التاريخية قصة الآية الكريمة من سورة التوبة: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 3]؛ حيث أخطأ بعض العرب قديماً في قراءتها نتيجة الجهل بالتركيب، فقرؤوا لفظ (رسوله) بالكسر عطفاً على (المشركين)، مما قلب المعنى إلى تبرؤ الله جل وعلا من رسوله ﷺ! وهو خطأ شنيع هزّ الوجدان الإسلامي ودق ناقوس الخطر لضرورة إيجاد تقييد علمي صارم يضبط ألسنة الناس عند تلاوة الذكر الحكيم.
ثالثاً: واضع النحو وتفكيك الروايات التاريخية (من النقط إلى التقعيد)
1. اضطراب الروايات حول الباعث الأول
يروي أبو سعيد السيرافي اختلف الناس في أول من رسم النحو؛ فبين قائل إنه نصر بن عاصم، وقائل إنه عبد الرحمن بن هرمز، إلا أن كلمة جمهور المؤرخين كادت تطبق على أن الواضع الأول هو أبو الأسود الدؤلي. وتتعدد الروايات خلف الباعث الذي دفعه لذلك، ومنها:
- سماعه لقارئ يلحن في آية سورة التوبة المذكورة سابقاً بكسر لام (رسوله)، ففزع وقال: “ما ظننتُ أمرَ الناس يصل إلى هذا”، فاستأذن زياد بن أبيه والي البصرة (45-53 هـ)، أو ابنه عبيد الله من بعده (55-64 هـ) في وضع رسم العربية.
- شكواه لزياد بن أبيه من مخالطة العرب للأعاجم وتغير ألسنتهم، طالباً الإذن بوضع كلام يعرفون به كلامهم.
- دخوله على ابنته فسمعها تقول: “ما أحسنُ السماءِ” (بالضم والكسر) وهي تريد التعجب لا الاستفهام، فصوب لها قائلاً: “قولي: ما أحسنَ السماءَ” (بالفتح).
- رواية رجوعه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ حيث وضع له الأخير أصول النحو وأبوابه وقال له: “انحُ هذا النحو”.
وفي سياق متصل، يشرك الإمام أبو بكر الزبيدي مع أبي الأسود تلميذيه؛ نصر بن عاصم، وعبد الرحمن بن هرمز، مؤكداً: “أولُ مَن أصَّل النحو وأعمل فكرَه فيه أبو الأسود ظالِمُ بنُ عمرٍو الدؤلي، ونصر بن عاصم، وعبدالرحمن بن هرمز؛ فوضعوا للنحو أبوابًا وأصَّلوا له أصولًا، فذكروا عوامل الرفع والنصب والخفض والجزم، ووضعوا باب الفاعل والمفعول والتعجب والمضاف”.
2. محاكمة الروايات: رأي شوقي ضيف والدرس المحدث
يذهب ثلة من محققي المحدثين -وفي مقدمتهم الدكتور شوقي ضيف- إلى مذهب نقدي يرى في هذه الروايات دمجاً وخلطاً من الرواة المتأخرين؛ فصنيع أبي الأسود الدؤلي الحقيقي لم يكن وضع القوانين والقياسات النحوية الكلية، بل كان منحصراً في “رسم إعراب القرآن الكريم” عبر النقط بالصبغ فوق أواخر الكلمات (النقطة فوق الحرف للفتح، وتحته للكسر، وبين يديه للضم) لحماية النص الشريف من اللحن اللفظي.
وقد حمل هذا العمل الجليل عن أبي الأسود تلامذته من قراء البصرة؛ كجماعة يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم، وعنبسة الفيل، وعبد الرحمن بن هرمز، وميمون الأقرن؛ فكل هؤلاء “نقطوا المصحف وأُخذ عنهم النقطُ، وحُفظ وضُبط وقُيِّد وعُمل به…”. هذا الصنيع الدقيق المتصل بـ “نقط الإعراب” و”نقط الإعجام” (تمييز الباء والتاء والثاء) هو ما جعل بعض القدماء يتوهمون ظناً أنهم صاغوا قواعد الإعراب الكلية وقوانين العوامل.
رابعاً: الخارطة التاريخية للمدارس النحوية الكبرى وأبرز روادها
تداخلت أطوار علم النحو تاريخياً، وانتقلت من مرحلة الوضع والتكوين إلى طور النمو والنضج، ثم الترجيح والبسط والتعليل نتيجة تعدد الاجتهادات والأدلة وأساليب القياس. ويمثل الجدول التالي مسحاً جغرافياً وتاريخياً للمدارس النحوية الخمس الكبرى وأبرز أعلامها الذين قادوا مسيرة التقعيد:
|
المدرسة النحوية |
طورها التاريخي وخصائصها المعرفية |
أبرز روادها وأعلامها المحققين |
|
المدرسة البصرية |
مدرسة التأسيس والوضع والتكوين الأولى؛ تميزت بالتشدد في قبول السماع ووضع الأقيسة الكلية الصارمة. |
ابن أبي إسحاق، عيسى بن عمر الثقفي، أبو عمرو بن العلاء، يونس بن حبيب، الخليل بن أحمد الفراهيدي، سيبويه (صاحب الكتاب)، الأخفش الأوسط، والمبرد. |
|
المدرسة الكوفية |
ظهرت في طور نشوء العلم ونموه؛ تميزت بالتوسع في قبول السماع وتجويز القياس على الشاهد الواحد الفصيح. |
الكسائي (مؤسس المدرسة)، هشام بن معاوية الضرير، الفراء (صاحب معاني القرآن)، وأبو العباس ثعلب. |
|
المدرسة البغدادية |
مدرسة انتخابية توفيقية مزجت بين آراء البصريين والكوفيين مع إعمال النظر النقدي المستقل. |
ابن كيسان، أبو القاسم الزجاجي، أبو علي الفارسي، وأبو الفتح ابن جني (صاحب الخصائص). |
|
المدرسة الأندلسية |
تميزت بالنزوع نحو التسهيل والتلخيص، وظهور بوادر الثورة على التعليل النحوي ومحاولة تيسير العوامل. |
ابن مضاء القرطبي (صاحب الرد على النحاة)، ابن عصفور الإشبيلي، والإمام ابن مالك الجياني (صاحب الألفية). |
|
المدرسة المصرية |
مدرسة ناضجة عنيت بالشروح الكبرى والتحقيقات الدقيقة لمتون المتأخرين وتلخيص القواعد. |
ابن الحاجب (صاحب الكافية والشافية)، والإمام ابن هشام الأنصاري (صاحب مغني اللبيب). |
خامساً: خاتمة وتوصيات علمية
تأسيساً على ما تقدم، نخلص إلى أن علم النحو العربي صنيعة إسلامية خالصة، نبعت من دافع غيور صان كتاب الله من عوادي اللحن والتحريف. وقد تطور هذا العلم من محض “نقط” وضعه أبو الأسود الدؤلي لضبط أواخر الكلم، ليصبح علماً قانونياً كلياً تتبارى في صياغته مدارس جغرافية متعددة.
ويوصي هذا البحث الموجز طلاب العربية والباحثين بضرورة دراسة النحو في ضوء سياقه التاريخي وألا يقفوا عند حدود القواعد الصامتة، بل أن يتفهموا حركية المدارس النحوية وعللها الأصولية، تيسيراً لتقديم هذا العلم الجليل للأجيال الناشئة بلغة تجمع بين أصالة التراث ودقة المعاصرة اللسانية.
————————
[1] الدكتور/ عبد الله معروف: دكتوراه في اللغات وعلوم اللغة العربية – باحث في مركز تدبير الاختلاف للدراسات والأبحاث – فاس / المغرب.
[2] ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: علي عبد الواحد وافي، ط3، القاهرة: د. ت، دار نهضة مصر للطبع والنشر، ج3، ص 1268.
[3] الزجاجي، الإيضاح في علل النحو، ص 19.
[4] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة (نحا).
[5] ابن منظور، لسان العرب، مادة (نحو).
[6] مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، مادة (نحا).
[7] حسن عون، اللغة والنحو: دراسات تاريخية وتحليلية مقارنة، ص 217.
[8] ابن السراج، الأصول في النحو، ج1، ص 36.
[9] ابن جني، الخصائص، ج1، ص 34.
[10] ابن عصفور، المقرب، ج1، ص 45.
[11] ابن الناظم، شرح ابن الناظم على ألفية ابن مالك، ص 4.
[12] ابن يعيش، شرح المفصل، ج1، ص 66.
[13] الشاطبي، المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية، ج1، ص 17.
[14] السيد علي حسن مطر، مصطلح النحو، ص 68، 69.
[15] خالد الأزهري، شرح التصريح على التوضيح، ج1، ص 11، 12.
[16] السيد علي حسن مطر، مصطلح النحو، ص 71.
[17] د. محمود السعران: علم اللغة: مقدمة للقارئ العربي، بيروت، دار النهضة العربية، د. ت، ص 233.
[18] د. تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص 35.
[19] شوقي ضيف، المدارس النحوية، ص 11. (نقلاً عن الزبيدي).
[20] نفسه، ص 13.
[21] الداني، المحكم في نقط المصاحف، ص 6.
[22] انظر في هذا الصدد: الشيخ محمد الطنطاوي، نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، ص 284، وكذلك شوقي ضيف، المدارس النحوية، ص 13، 16.
[23] انظر تفصيل الطبقات والمدارس وتراجم أعلامها: شوقي ضيف، المدارس النحوية، المرجع السابق.
