الهمزة

الهَمْزةُ: لُغةً من الهَمْزِ؛ والهَمْزُ يفيد معنى الضَّغْط، ويتعلَّق الضَّغْطُ في النُّطْق بالهمزة في حَبْسِ الهواء الخارج من الحنجرة، وفي انقباض الحَلْق، وانطباق الوترَينِ الصَّوتيَّينِ انطباقًا تامًّا، الأمر الذي يجعل الهمزة من حيث الصفات حرفًا مهموسًا، وأمَّا من حيث درجة الانفتاح فهي شديدة، ما يجعل الهمزة حرفًا ثقيلًا يخرج من أقصى الحَلْق، وتحقُّقُه لا يخلو من بَذْلِ جِهة مقارنة مع بعض الأحرف الأخرى الخفيفة؛ كالحروف الأمامية أو الوسطية.

والهمزة حرف من حروف المعجم، أو من حروف الأبجديَّة العربية بلا خلاف، لكنَّ اللُّغويِّينَ العرب يَخلطون بينها وبين الألف، علمًا أن الهمزة صَوْتٌ مختلفٌ عن الألف، والهمزة حرفٌ مُتحقِّق، في حين أن الألف إشباعٌ أو مَدٌّ من جنس الفتحة القصيرة التي تسبقها.

والهمزة تجيء في الكلمة المفردة أصلًا؛ أي: فاءً أو عينًا أو لامًا، في حين أن الألف لا تكون كذلك، وبما أن الهمزة قابلةٌ للتحريك، وتحريكُها يكون بالفتحة أو الضمَّة أو الكسرة، فإن الألف لا تتحرَّكُ البتة.

والهمزة قد تسبقها أي الحركات مثلما يسبقها الساكن، في الوقت الذي لا تسبق الألف إلَّا الفتحة التي هي من جنسها؛ وتبعًا لهذا تجيء الهمزة أولًا أو ثانيًا أو ثالثًا، والألف لا تجيء إلَّا في حَشْوِ الكلمة أو في آخرها باعتبارها إشباعًا وباعتبارها زائدةً، ولا تجيء أول الكلمة مُطلقًا؛ لأنها ساكنة.

لهذه الاعتبارات لا بُدَّ من التمييز، وبشكل واضح، بين الهمزة والألف، وعدم الخلط بينهما؛ لأن الأولى تنتمي إلى النظام الصامتي، في حين أن الثانية تنتمي إلى النظام الصائتي، وإن قامَتْ بدور الزيادة فيما يتعلَّق ببِنْية الكلمة، ولعلَّ هذا ما جعل الخَلْطَ وارِدًا بينهما.

ولا يجب الاقتصارُ على التفريق بين الهمزة والألف؛ وإنما لا بُدَّ من التفريق بينها وبين ما يُسمَّى بالهمزة الوصليَّة أيضًا، والمشترك بين هاتين الهمزتَينِ لا يَعْدُو أن يكون في مستوى التسمية لا غير؛ ذلك أن الهمزة حرفٌ مُتحقِّقٌ ثقيلٌ يخرُج من حيِّز الحَلْق، أو بتعبيرٍ أدَقَّ من أقْصَى الحَلْق، وفي تحقُّقِه بَذْلُ جُهْدٍ، ما يجعله حرفًا قويًّا مُستثقَلًا، والدليل على ثقله نزوعه إلى الحذف أو البدل، في الوقت الذي لا تعدُو أن تكون فيه الهمزة الوصليَّة حركةً، أو حركةً مُختلَسةً، نجيء بها للتمكُّن من النطق بالساكن على حَدِّ عبارة النُّحاة، أو تبدو كذلك؛ لأن النطق بالساكن في الحقيقة ممكِنٌ وليس صَعْبًا أو مستحيلًا، والدليل على هذا وجود الكثير من اللُّغات التي تبدأ الكثيرُ من الكلمات فيها بالساكن، واللهجات العاميَّة من ضمن هذه اللُّغات دون إنكار.


موضوعات ذات صلة:

إن الخلط بين الهمزة والألف واضحٌ، مثلما أشرنا إليه، والدليل المعتبر في هذا المضمار صورةُ الأبجديَّة العربية ذاتها؛ إذ نقول: ألف، باء، تاء، ثاء… إلخ، ولا نقول: همزة، باء… بل إن ذكر الهمزة في هذه الأبجديَّة غير وارد، ولو قدَّرْنا أنَّ الأبجديَّةَ ثمانية وعشرون حرفًا، مثلما هو مُتَّفَقٌ عليه عند الجمهور، فأين الهمزة من هذه القائمة يا ترى؟ ولو قدَّرْنا أن الهمزة حرفٌ، وأن الألف كذلك، فستغدُو الأبجديَّةُ تسعةً وعشرين حرفًا، لا ثمانية وعشرين حرفًا، وهذا اضطرابٌ بَيِّنٌ لا محالة.

ومثلما أن الخلط بين الهمزة والألف واضِحٌ، فهو بين الهمزة القطعيَّة والهمزة الوصليَّة واضِحٌ أيضًا، وللاستدلال على هذا يكفي أن نرجع في هذا الشأن إلى تنظيم الكلمات وترتيبها في المعاجم أو القواميس العربية، والشاهد أن إدراج الوحدات المعجميَّة التي تبدأ بالهمزة يكون ضمن الوحدات المعجميَّة التي تبدأ بالهمزة الوصليَّة، وفي باب واحد، هو باب الألف، وكأن لا فَرْق بينهما.

وأما الدليل الثاني الذي قد يكون مُقْنِعًا أيضًا اختلافُ النُّحاة في عدة الحروف في أبنية كلمات من نحو “استفعل” هل هي خمسة أحرف أم ستة؟ وفي أبنية من نحو “افعِيلال” هل هي ستة أم سبعة؟

وأخيرًا: إن هذا الخَلْطَ بين الهمزة والألف من جهة، وبين الهمزة القطعيَّة والهمزة الوصليَّة من جهة ثانية – قد تعكسه المفاهيم والمصطلحات المتعلِّقة بها نفسها.

فالهمزة صامتٌ وحرفٌ من حروف المعجم بلا خلافٍ، والألف ليست كذلك، وذلك في مستوى النطق، أو التمثُّل الصوتي لها، والدليل مثلما أشَرْنا إلى هذا مجيئُها فاءً أو عينًا أو لامًا في الكلمة، ومجيئُها أصليةً أو زائدةً، وما علاقتها بالألف أو خلطها بها إلَّا من باب التصوُّر الخَطِّي في مستوى الكتابة؛ لأن الهمزة تُكْتَبُ في الكثير من حالاتها على الألف؛ من نحو: “أكل”، و”سأل”، و”قرأ”، مثلما تُكْتَبُ على الواو أو الياء وسائبة أيضًا؛ وذلك بالنظر إلى موقعها من جهة، وإلى طبيعة حركتها أو الحركة التي تسبقها من جهة ثانية.

وأما بشأن الفرق بين الهمزة القطعيَّة والهمزة الوصليَّة في هذا المضمار، فيعود إلى التسمية الاصطلاحية، وما سُمِّيَتِ الهمزة الوصليَّة بالهمزة الوصليَّة إلا للشَّبَه الحاصل بين الهمزتَينِ في النطق؛ أي: في الجانب الصوتي، ذلك أن الهمزة الوصليَّة صورةٌ منطوقةٌ مُخفَّفة للهمزة القطعيَّة، وهذا ليس غريبًا؛ لأن الهمزة ثقيلةٌ مثلما أسلفنا القول، ومن باب التغيير قد تُحْذَف أو تُبْدَل أو أن تجيء بَيْنَ بَيْنَ.

وقد يُطلِق بعضُ النُّحاة على الهمزة الوصليَّة اسْمَ ألف الاتِّكاء، وهذا المفهومُ يحيل بالضرورة على الخطِّ أو الكتابة؛ لأن الهمزة الوصليَّة التي لا تجيء إلَّا في أول الكلمة تُكْتَبُ ألِفًا، دون إغفال وَضْع حركةٍ بسيطةٍ تُلازِمُها من فوق أو من تحت، تُشير إلى الضمَّة أو الكسرة.

شبكة الألوكة

 

اضغط على أيقونة رابط قناتنا على التليجرام

ترك تعليق