عبقرية الضاد: اللغة العربية كقاعدة للهوية الإسلامية وتحديات الصراع الحضاري

أولاً: العربية بوصفها هويّة.. عناصر القوة والخلود

عندما نخرج من الإطار المجرّد للغات ونلج إلى فضاء “العربية”، فإننا لا نتحدث عن مجرد وسيلة تخاطب، بل عن هوية عقائدية وحضارية من طراز خاص، تجمع العرب بآصرة القومية، وتضم إليها ملايين المسلمين من غير العرب الذين يتعبدون بها. وتستمد العربية قدرتها الفائقة على تمثيل الهوية من عناصر قوة ذاتية ندر أن تجتمع في لغة أخرى على وجه الأرض، ومن أهمها:

القداسة الدينية: تكتسب العربية هالتها المقدسة من ارتباطها العضوي بكلام الله عز وجل (القرآن الكريم). فالقرآن بنصوصه وألفاظه صفة من صفات الله تعالى، وقد نص التنزيل الحكيم في مواضع عديدة على عروبته تمديحاً لبيانه وإبانته. وبما أن الصلاة -وهي عماد الدين- لا تصح بأي لغة سواها، فإن المسلم غير العربي يجد نفسه مدفوعاً بحافز روحي لتعلمها. وقد اعترف بهذه الميزة المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، مؤكداً أن للعربية وظيفة دينية متعالية تتجاوز التواصل، فهي لغة مناجاة الخالق وأداة الوحي الإلهي.

الحفظ الإلهي والخلود: تمتاز العربية بأنها لغة محروسة بوعد رباني قطعي: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9] ¹. هذا الارتباط الوثيق بالقرآن حماها من مصير اللغات القديمة كاللغات اللاتينية التي تفرعت وتلاشت؛ فالعربي اليوم يقرأ ويكتب ويفهم نصوصاً دُبّجت قبل خمسة عشر قرناً دون عوائق جوهرية. وما يراه البعض من انزواء لبعض الألفاظ أو التراكيب ليس سوى حركية طبيعية داخل جسد اللغة الحي الثابت الملامح.

الامتداد التاريخي الخصب: اللغة وعاء التاريخ، وتاريخ العربية ممتد ومتصل بلا انقطاع أو بتر، فظلت عبر القرون ترجماناً حياً للمشاعر والانتصارات والإخفاقات، ومستودعاً لعلوم الأمة.

الاتساع الجغرافي الطوعي: انتشرت العربية بفضل الفتوحات الإسلامية على مساحات شاسعة من المعمورة. وكان هذا الانتشار فريداً من نوعه؛ إذ لم يفرض بقوة السلاح الفكري، بل أقبلت عليه الشعوب طواعية وشغفاً، فغدت العربية ثقافة وحضارة تسكن القلوب، ولذا لم يزول أثرها المعرفي والروحي حتى بعد انحسار السلطة السياسية عن بعض الأقاليم.

القيادة الحضارية العالمية: لم تكن العربية لغة آداب وقبائل فحسب، بل تسلمت راية القيادة العلمية والفلسفية لقرون مديدة في العصر العباسي وفي الأندلس، فكانت لغة الطب والفلك والرياضيات التي نهلت منها أوروبا نهضتها.

الثراء المادي والآلي: صُنِّفت العربية ضمن أسرة “اللغات المتصرفة”، وهي أرقى العائلات اللغوية؛ لما تملكه من مرونة فائقة في الاشتقاق، والنحت، والإلصاق، والمجاز. وتضم المعاجم العربية ما يربو على (10) آلاف جذر لغوي، مما يمنحها قدرة لا تبارى على استيعاب المعاني وتوليد المصطلحات الحديثة.

ثانياً: تشخيص الواقع.. عناصر الضعف واغتراب “الأنا”

على الرغم من عناصر القوة الفطرية الكامنة في العربية، إلا أنها تواجه اليوم عناصر ضعف حادة، وهي في حقيقتها عناصر “خارجية” لا تعود لذات اللغة، بل ترتبط بـ “أصحابها” وبالمحيط المأزوم الذي يعيشون فيه. ويكمن جذر هذه الإشكالية في “الهزيمة النفسية والحضارية”؛ فالشعوب المهزومة لا يمكن للغتها أن تصمد إذا انكسرت عزيمة أبنائها، مصداقاً لمقولة العلامة ابن خلدون التاريخية: “المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب، في شعاره وزيّه ونحلته، وسائر أحواله وعوائده” ².

ويمكن تصنيف تجليات هذه الهزيمة في ملمحين خطيرين:

1)       غياب وعي “الأنا” (التهميش الداخلي):

إن غياب الوعي بأهمية اللغة أضحى مرضاً مستشرياً يمتد من العوام إلى النخب الثقافية والسياسية وأصحاب القرار. وتتجلى مظاهر هذا الغياب السرطاني في المؤسسات التعليمية، والإعلامية، والبحثية:

المؤسسات التعليمية: تُحاصَر لغة الضاد في حيز ضيق، وتتعرض مناهجها للحذف والاختزال المستمر لصالح اللغات الأجنبية.

المؤسسات البحثية والعلمية: غدا البحث العلمي لا يحفل بالسلامة اللغوية، ولا يرى في العجمة والرّكاكة واللحن ما يشين الباحث، مع تمييع المصطلحات.

المؤسسات الإعلامية: يجري التعامل مع الفصحى بنوع من السخرية والدونية، وتصويرها في الأعمال الفنية على أنها مادة للتندر والتهريج والتقعر، وتفشي ظاهرة “المستصحفين والمتكاتبين” من الناشئة الذين لا يفرقون في كتاباتهم بين الحواضر التاريخية (كالبصرة وبصرى)، أو بين الأعلام (كالمبرّد وبشار بن برد)، أو بين الرموز (كسلمان الفارسي وأبي فراس الحمداني)، فضلاً عن العجز عن التمييز بين حرفي الضاد والظاء.

المظهر الثقافي

واقع اللغة في عصر الازدهار

واقع اللغة في عصر التبعية الحالي

الوعي النخبوي

لغة فكر، فلسفة، وقسم علمي رصين

لغة هامشية، وتفضيل الرطانة الأجنبية

المؤسسات التعليمية

لغة التدريس الأساسية لجميع العلوم

محاصرة واختزال مستمر للمناهج

الإنتاج الإعلامي

منبر للبلاغة، والخطابة، والبيان المشرق

وسيلة للتهريج، والتندر، وإشاعة العامية

ثالثاً: يقظة “الآخر” واستراتيجيات الصدام الحضاري

في المقابل تماماً من غيبوبة الوعي الداخلي لدى الأمة، نجد أن “الآخر” الاستعماري بعولمته الطاغية متيقظ تماماً لخطورة اللغة والدين باعتبارهما حائط الصد الأخير. فالغرب يدرك أن العربية هي الرابط الفكري لنحو 300 مليون إنسان، وأن الإسلام هو الجامع لأكثر من مليار وثلث المليار نسمة في ذلك الوقت، ولذلك يوجه ترسانته الثقافية لخلخلة هذه الركائز.

وليس هذا الاستنتاج ضرباً من التكهن، بل هو معلن صراحة على ألسنة كبار المنظرين الاستراتيجيين في مراكز الدراسات المستقبلية الغربية، والذين تُبنى على آرائهم السياسات الدولية العليا. ونذكر هنا صمويل هنتنجتون في كتابه الشهير “صدام الحضارات”، حيث نص على أن: “اللغة والدين هما العنصران المركزيان لأي ثقافة أو حضارة” ³. إن هذا التصريح يكشف بوضوح أن المعركة الحقيقية والأكثر خطورة هي معركة الهوية الثقافية؛ فإذا نجح الاختراق في ساحتي اللغة والدين، تهدمت الجدران النفسية، وسهل استتباع الأمة وإخضاعها بالكامل.

خاتمة ومستشرف: واجب التصدي والنهوض

إن الوجود العربي والإسلامي يقف اليوم كاشف الظهر بين غياب وعي داخلي مركب ويقظة خارجية متربصة. إن الاختراق الفكري يسعى جاداً لتغيير خلايا العقل العربي وقيمه وتاريخه عبر تشويه لغته. فهل ننتظر حتى تقوض جدران الذوق واللغة والأدب من أساسها؟

إن حماية هويتنا تحتم علينا التصدي لعابثي الحروف، والاعتزاز بأهليتها، وإعادة الاعتبار لمهنة الكتابة والخطاب الفكري، مستلهمين خطى عمالقة البيان من أمثال مصطفى صادق الرافعي، وعباس محمود العقاد، والمازني، والمنفلوطي، ليعود للأمة فكرها المتألق، وأدبها المشرق، ولغتها الرنانة، والسلام.


 (1) أحمد شفيق الخطيب: “المواصفات المصطلحية وتطبيقاتها في اللغة العربية”، بحث ضمن كتاب الموسم الثقافي الخامس عشر لمجمع اللغة العربية الأردني، عمان، المجمع، 1997م، (ص: 193).

(2) ابن خلدون: “المقدمة”، من تاريخ العبر وديوان المبتدأ والخبر، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1971م، (ص: 123).

(3) صمويل هنتنغتون: “صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي”، (بالإيجليزية)، نيويورك، طبعة 1997، (ص: 59).

ترك تعليق