تفكيك المفاهيم: أبعاد اللغة وجدلية الهوية في الفكر الإنساني
مدخل: في غفلة الألفاظ وانحسار الدلالات
ثمة ظاهرة معرفية لافتة تتجلى في أن بعض الألفاظ تلتصق بحياتنا اليومية إلى درجة تجعلنا نغفل عن أبعادها العميقة ودلالاتها الفلسفية البعيدة. ومع مرور الزمن وكثرة التداول السطحي، ترقّ بنية هذه الألفاظ وتنزوي معانيها الجوهرية، فلا تكاد تظهر إلا لدى النخبة المتخصصة وفي سياقات ضيقة وراء جدران مراكز البحوث. ومِن أبرز هذه الألفاظ التي تعرضت للسطحية والتسطيح: لفظا (اللغة) و(الهوية).
ففي العصر الراهن، لم يتبقَ في الأذهان من “اللغة” سوى أنها أداة آلية للاتصال اليومي، ولم يتبقَ من “الهوية” سوى “البطاقة الشخصية” التي تُثبت مظهر الأنا الفردية مقتطعة الصلة عن الأنا الجمعية. بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى استبدال الأسماء العربية بألفاظ أجنبية دخيلة مثل (I.D)، وهو ما يعد قفزاً على اللغة وتشويهاً للهوية ذاتها. ومن المفارقات أن العوام باتوا أحياناً أكثر عفوية وصدقاً في الالتفات للمستويات العليا للهوية مقارنة ببعض النخب الواقعة تحت بريق المادة وضغوط السلطة والإعلام، والتي تبتلع وعيها كأنها ثقوب كونية سوداء. لذا، أصبح لزاماً علينا إعادة تبيان هذه الدلالات واستكشاف ماهيتها.
أولاً: اللغة.. من الطرح اللساني إلى الوعاء المعرفي
عند العودة إلى الجذور الاشتقاقية، نجد أن كلمة “لغة” في العربية تعود إلى المادة اللغوية (لغو) أو (لغي) ⁽¹⁾. ويدور هذا الجذر في أصله حول معاني الرمي، والطرح، والإلقاء، وهي معانٍ ارتبطت بظلال من الزهد بالشيء وعدم أهميته ونبذه ⁽²⁾. وقد استخدم العرب قديماً كلمة “لغة” و”لغات” للإشارة إلى “اللهجات” القبيلية التي كانت منتشرة في شبه الجزيرة العربية، مثل لغة أهل الحجاز، ولغة أهل اليمن، ولغة بني تميم أو قريش.
غير أن النص القرآني الحكيم عدل عن استخدام لفظ “لغة”، واستبدل به لفظ “لسان” ⁽³⁾، في حين استعمل تصاريف “لغو” و”لغي” لتؤدي دلالات ترتبط بالكلام المستكره أو القبيح والباطل، واليمين غير المقصودة ⁽⁴⁾. والمفارقة المعرفية هنا تكمن في أن اللفظ الذي كان يدل على “الطرح والنبذ” استقر في الاصطلاح ليدل على أسمى ما يصدر عن العقل البشري؛ لأن الكلام في النهاية هو فكر يُلقى ويُطرح نظراً لاشتداد الحاجة إليه في التواصل البشري العاقل ⁽⁵⁾.
أما في الاصطلاح، فقد عرّف اللغويون والنحاة العرب، وعلى رأسهم ابن جني، اللغة بأنها: “أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم” ⁽⁶⁾. وهذا التعريف يفكك اللغة إلى عناصر متكاملة:
أصوات: وهي المادة الفيزيائية المنطوقة (الكلام).
كل قوم: وهم الجماعة البشرية الصانعة للوعاء الاجتماعي.
التعبير عن الأغراض: وهي الوظيفة النفعية والتواصلية.
التجاذبات المفهومية للغة:
اللغة واللسان: في مطالع القرن العشرين، نبّه عالم اللغويات الغربي فرديناند دي سوسير إلى تفرقة جوهرية بين اللغة (Langue) والكلام أو اللسان (Parole). فاللغة نظام اجتماعي ونفسي مستقر في العقل والضمير الجمعي، بينما الكلام هو التحقق المادي والتطبيق الفعلي لهذا النظام عبر الرموز والأصوات. بناءً على هذا، فإن اللغة المرتبطة بالهوية هي الكامنة في الفكر والعقل أولاً، وليست مجرد حركات تجري على اللسان.
اللغة والثقافة: ترتبط اللغة بالثقافة برباط عضوي؛ فلا وجود للغة لا تنتج ثقافة، ولا يمكن لثقافة أن تنمو بلا وعاء لغوي يحميها وينقلها. وإذا كانت اللغة هي الفكر المتفاعل مع الأشياء، فإن الثقافة هي النظرية المنظمة للسلوك والاستجابات البشرية تجاه الكون والمجتمع، وهنا يفترق العلم عن الثقافة؛ إذ الثقافة نظرية في السلوك بينما العلم نظرية في المعرفة ⁽⁷⁾.
اللغة والتواصل: على الرغم من محورية وظيفة التواصل، إلا أنها بمفردها ذات قيمة محدودة، لأن الكائنات غير العاقلة تتواصل أيضاً بما يكفي حاجتها. إن الأهمية الجوهرية للتواصل البشري تنبع من ارتداده إلى الفكر وتغيير طرائقه، ومساهمته في بناء القيم والمشاعر.
ثانياً: الهوية.. ماهية الذات وأبعاد الانتماء
تتحرك كلمة “الهوية” في فلك الدلالات الفلسفية والمعجمية المرتبطة بالذات، والحقيقة، والماهية. وهي لغوياً مصدر صناعي جرى توليده من النسبة إلى ضمير الغائب “هو” أو “الهو”، والذي يعني في اصطلاح الفلاسفة والمتصوفة “الغيب المطلق” أو “الحقيقة الإلهية العليا” ⁽⁸⁾، ثم تطور اللفظ ليطلق على حقيقة الشيء الثابتة وماهيته التي تميزه عن غيره.
وقد خلصت الدراسات الفلسفية والنفسية إلى حصر دلالات الهوية في قيم: الوحدة، والاندماج، والانتماء، والتشابه ⁽⁹⁾. والهوية لا تولد مع الإنسان كاملة النضج، بل هي كائن ينمو ويتشكل عبر التفاعل المستمر مع المحيط الخارجي؛ فإنسانية الفرد تكتسب ملامحها من “الأنا الجمعية” التي تنتمي إلى فضاءات متعددة:
1) التاريخ: باعتباره كلاً مركباً من المعارف، والذكريات، والانتصارات، والإخفاقات التي تصوغ وجدان الجماعة.
2) الجغرافيا (المكان): الذي يطبع سلوك الإنسان وطباعه بخصائص بيئية معينة.
3) الفكر والمنظومة العقدية (الدين): وهو العنصر الأقوى الذي يمنح الجماعة رؤية شاملة وتفسيراً واضحاً للذات، والكون، والآخر.
ثالثاً: دوائر الالتقاء والافتراق بين اللغة والهوية
تُعتبر اللغة أقدم التجليات المادية للهوية؛ فاللسان المشترك هو الذي حوّل الشتات البشري إلى “جماعات” ذات ملامح مستقلة. وتبرز العلاقة الجدلية بينهما بوضوح في المنعطفات التاريخية الكبرى، سواء كانت إيجابية (كحالات النهوض والحضارة) أو سلبية (كحالات الانكسار والاستعمار). وتتقاطع اللغة والهوية في دوائر وثيقة تجعلهما وجهين لعملة واحدة:
الإنسانية والعقلانية: كلاهما خاصية بشرية محضة ناتجة عن الوعي والشعور بالذات، ولا يشاركهما فيها أي كائن آخر.
الأولية والتاريخية: كلاهما وُجد مع وجود الإنسان الأول (فقد ميّز الله آدم بعلم الأسماء التي هي أساس اللغة والهوية) ⁽¹⁰⁾، وفي الوقت ذاته يحتاجان إلى الزمن والتاريخ ليتشامخا وينضجا.
التركيب والجمعية: لا يمكن للغة أو هوية أن تعيش في عزلة الفرد الساذجة، بل هما نتاج الحراك الاجتماعي المشترك.
إن الإنسان في جوهره ما هو إلا لغة تعبّر عن فكره، وهوية تحدد انتماءه، وهو ما اختصره الشاعر القديم الأعور الشني في بيته السائر ⁽¹¹⁾:
لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ … فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ
وعلى الرغم من هذا التماهي الكامل، فإن بعض المنظرين يضعون حدوداً فاصلة، ويرون أن الهوية قد تتحقق أحياناً في أطر عرقية أو سياسية مستقلة عن العامل اللغوي، إلا أن هذا الافتراق يظل استثناءً لا يلغي القاعدة الجوهرية للالتقاء.
(1) السرقسطي: “كتاب الأفعال”، إعداد حسين محمد شرف، مراجعة محمد مهدي علام، ط3، القاهرة، مجمع اللغة العربية، 2002، (جـ2/ 416 – 423).
(2) ابن سيده: “المحكم والمحيط الأعظم في اللغة”، تحقيق مجموعة من المحققين، القاهرة، معهد المخطوطات العربية، 2004، مادة (لغو).
(3) مجمع اللغة العربية (مصر): معجم ألفاظ القرآن الكريم، القاهرة، المجمع، 1990، (جـ2/1008).
(4) السابق (2/1013)، وانظر أيضاً: الفيروز آبادي: “بصائر ذوي التمييز”، تحقيق عبدالعليم الطحاوي، القاهرة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1982م، (جـ4/ 434).
(5) محمد عبدالرؤوف المناوي: “التوقيف على مهمات التعاريف”، تحقيق محمد رضوان الداية، دمشق، دار الفكر، 1990، (ص: 622).
(6) ابن جني: “الخصائص”، تحقيق محمد علي النجار، ط3، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، (جـ1/33).
(7) مالك بن نبي: “شروط النهضة”، ترجمة عبدالصبور شاهين، وعمر كامل مسقاوي، دمشق، دار الفكر، 1986م، (ص: 82).
(8) محمد عابد الجابري: “الموسوعة الفلسفية العربية”، بيروت، معهد الإنماء العربي, 1986، (مج2/821).
(9) فيصل الحفيان: “اللغة والهوية إشكاليات المفاهيم وجدل العلاقات”، بحث منشور في مجلة التسامح، ع5، مسقط، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.
(10) إشارة وتناص مع الآية الكريمة: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ} [البقرة: 31].
(11) البيت للأعور الشني (ت 50 هـ)، وهو شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام.
