فلسفة الحركة والرمز: قراءة ألسنية حديثة في دلالة الفتحة على آخر الفعل الماضي
مدخل: في أسرار الضاد ومناجمها الدفينة
ما تفتأ لغتنا العربية الأبية تبوح بأسرارها المكنونة، وتكشف عن جواهرها الدفينة لكل باحث أمعن النظر وسبر أغوارها بيقين الغواص المعرفي. لقد كشفت الضاد قديماً عن كنوزها لجهابذة النحو واللغة من أمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي، وسيبويه، والأخفش، والزجاج، والفراء، وأبي علي الفارسي، وابن جني، وعبد القاهر الجرجاني. ولم ينقطع هذا العطاء في العصر الحديث؛ بل استمرت مناجم العربية تمنح فيوضاتها لأساتذة أكفاء ومشايخ أجلاء أحبوا اللسان الشريف فأكرمهم بفك شفراته الفلسفية.
وفي ظل عولمة اللغات الهجينة وتراجع الفصحى بسبب وهن أهلها، بات من الواجب استنشاق أريج العربية والوقوف عند ملمح واحد من أسرارها النحوية. ولعل طرح فكرة جديدة في النحو العربي قد يثير حرجاً أو توجساً لدى المحافظين والمتشددين الذين يرددون دائماً أن “النحو قد شاط واحترق” ولم يعد فيه مستزاد لمستزيد، بيد أن العربية بحر لا ينضب، وتظل تطلق صرختها التاريخية التي خلّدها حافظ إبراهيم:
أَنَا الْبَحْرُ فِي أَحْشَائِهِ الدُّرُّ كَامِنٌ… فَهَلْ سَاءَلُوا الْغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتِي
إن فكرتنا هنا تتمحور حول “الإيجاز والرمز” في النظام الحركي للنحو العربي، وتحديداً استخدام الحركات القصيرة كرموز تشير إلى معانٍ وظائفية وتركيبية ودلالية بالغة الدقة.
أولاً: الإعراب والتحول الدلالي بالحركة
من المسلّمات المعرفية أن “الإعراب” هو الميزة الكبرى والخاصية الأسمى للغة العربية، ومعناه في أصل الوضع اللغوي: الإفصاح والإبانة؛ يقال: “أعرب الرجل عن حاجته” إذا أبان عنها وأظهرها. والإعراب يرتبط بالمعنى ارتباطاً روحياً وعضوياً، إذ بدونه يتداخل الفاعل بالمفعول، والخبر بالمبتدأ. ويتحقق الإعراب إما بالحركات الأصلية القصيرة (الفتحة، والضمة، والكسرة)، أو بالعلامات الفرعية من الحروف المقابلة لها (الألف، والواو، والياء).
وتنقسم الحركات في بنية اللسان العربي إلى شطرين:
1. حركات البنية (الصرفية): وهي الحركات التي تدخل في أصل تكوين الكلمة وصيغتها، كحركة الراء في (رَسول)، أو حركة العين في (قَرَنَ) و(يَقْرِنُ). وفائدتها التمييز بين ماهية الكلمة (كالفَرق بين “فَرَح” الاسم، و”فَرِحَ” الفعل)، أو التمييز بين المشتقات (كـ “فَرِح” صيغة المبالغة، و”فَرَح” المصدر)، أو التفريق بين الفعل المبني للمعلوم (كَتَبَ) والمبني للمجهول (كُتِبَ).
2. حركات الإعراب (النحوية): وهي الحركات المتغيرة التي تلحق بأواخر الكلمات تبعاً لتغير وظيفتها في السياق؛ فبها نعرف الفاعل من المفعول، وبها نحدد المبتدأ والخبر.
بناءً على ذلك، فإن الحركة ليست تحسيناً صوتياً زائداً أو ثانوياً، بل هي ضرب من أرفع ضروب “الإيجاز الفلسفي”؛ لأننا عن طريق الحركة القصيرة نكسب الجملة معاني جديدة كلياً ودلالات عميقة دون الحاجة لزيادة حجم الكلمة أو إرفاقها بمقاطع صوتية طويلة أو أفعال مساعدة كما هو الحال في اللغات الهندوأوروبية. ويسمح هذا النظام المرن بـ “التقديم والتأخير” في الجملة مع الحفاظ على الرتب النحوية؛ فيظل الفاعل فاعلاً وإن أُخِّر، والمفعول مفعولاً وإن قُدِّم، محققين بذلك أغراضاً بلاغية كالقصر والحصر والاهتمام.
شواهد أثر الحركة في توجيه المعنى:
الشاهد الأول (صيغ “ما أحسن”): تأمل كيف تتنقل الجملة بين ثلاثة معانٍ متناقضة بمجرد تبدل الحركات:
التعجب: كقولك: “ما أحسَنَ زيداً!”؛ بفتح نون (أحسنَ) على أنه فعل ماضٍ، ونصب (زيداً) على المفعولية، فتتحول الجملة إلى إنشاء تعجبي.
الاستفهام: كقولك: “ما أحسَنُ زيدٍ؟”؛ بضم نون (أحسنُ) على أنه خبر المبتدأ، وجر (زيدٍ) بالإضافة، ويكون المعنى: أيُّ أجزاء زيدٍ هو الحسن؟
النفي: كقولك: “ما أحسَنَ زيدٌ”؛ بفتح نون (أحسنَ) على أنه فعل ماضٍ، ورفع (زيدٌ) على الفاعلية، والمعنى: لم يقع من زيد أي إحسان.
الشاهد الثاني (مناظرة عبد الملك بن مروان): ومما يؤثر في دهاء الإعراب وحماية الدماء، أن الخليفة عبد الملك بن مروان أحضر رجلاً من الخوارج ليقتله، محتجاً عليه بقول الشاعر:
فَمِنَّا حُصَيْنٌ والْبَطِينُ وَقعْنَبٌ… وَمِنَّا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ شَبِيبُ
فأنكر الرجل قوله بالرفع، وقال: لم أقل ذلك يا أمير المؤمنين، وإنما قلتُ: “وَمِنَّا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ شَبِيبُ” (بنصب أمير). وهذا تخلص بلاغي فائق؛ لأنه بالرفع يكون (أميرُ) مبتدأ مؤخراً و(شبيبُ) عطف بيان له، فيصبح الخارجي شبيب هو أمير المؤمنين، أما بالنصب فيصير (أميرَ) منادى بحذف أداة النداء، وتقدير الكلام: “ومنا يا أميرَ المؤمنين شبيبُ”، فدرأ الرجل عن نفسه القتل بصرف حركة الإعراب من الرفع إلى النصب (1).
ثانياً: وظيفة الفتحة على آخر الماضي (مقاربة ألسنية)
إذا كان النحو التقليدي قد استقر على أن الفتحة الظاهرة على آخر الفعل الماضي (مثل: ذَهَبَ) هي مجرد علامة بناء لا محل لها من الإعراب، فإن العقل التفكيكي اللساني لا يقنع بهذا التوجيه الصامت. فمفهوم البناء عند النحاة هو لزوم آخر الكلمة لحالة واحدة، ولكننا نرى حركة آخر الماضي تتنقل في قولنا: (ذَهَبَ، ذَهَبُوا، ذَهَبْنا)، فعللوا ذلك بأن الفتح هو الأصل، وأن السكون عارض لدفع توالي أربع متحركات في كلمة واحدة، وأن الضم عارض لمناسبة واو الجماعة.
إننا نطرح هنا رؤية مغايرة ترى أن الفتحة في آخر الفعل الماضي ليست مجرد علامة بناء جامدة، بل هي رمز ودليل صريح على الفاعل المفرد الغائب. فاللغة العربية لغة إيجازية تضمر الضمائر في الحركات القصيرة كما تضمرها في الحروف الطويلة.
وقد وقف بعض المستشرقين والباحثين في العصر الحديث أمام غموض الفتحة في آخر الماضي، بيد أن الحيرة تملكتهم؛ فهذا “جورجي زيدان” يرى أن تمييز الجنس بين المذكر والمؤنث مقصور على الحركات (مثل حَسَنَ وحَسَنَة)، لكنه يعود ليقرر في اضطراب بأنه لا يوجد للغائب ضمائر متصلة مرفوعة خاصة بالماضي، وأن الفتحة في آخر الماضي مجهولة الأصل وغامضة المعنى (2) (3).
بينما امتلك الأستاذ الدكتور “رمضان عبد التواب” جرأة معرفية أكبر حين أثبت أصالة هذه الفتحة وأرجعها إلى أصول سامية تاريخية، مؤكداً أن الفتحة هي “الدال” والـمُفرد الغائب المذكر هو “المدلول”؛ حيث نجد الأفعال الماضية المسندة للغائب المفرد تنتهي في اللغات السامية الجنوبية بالفتحة القصيرة مثل (كَتَبَ) في العربية، وبالمثل في الحبشية القديمة والأمهارية المعاصرة. والدليل القاطع على أصالة هذه الحركة أنها تظهر في اللغات السامية الشمالية في وسط الكلمة عند اتصال الفعل ببعض ضمائر النصب المتصلة، والعناصر اللغوية القديمة غالباً ما تحتمي بوسط الكلمة لتبتعد عن عوارض التغير والوقف (4).
وعند تتبع ضمير الرفع المنفصل للمفرد الغائب في أمهات اللغات السامية، نجد أنه ينتهي بفتحة؛ فهو في العربية (هُوَ) بفتحة قصيرة، وفي السريانية كذلك، أما في العبرية فيكتب (הוּא – هُوَا) بفتحة طويلة، مما يؤكد أن حركة الفتح هي المكون الأصيل للغيبة، فاستعارت اللغة هذه الحركة القصيرة ووضعتها في آخر الماضي لتكون رمزاً دالاً على الغائب المفرد. وإذا تساءل سائل: لِمَ لمْ يضعوا حرف “الهاء” متصلاً بالفعل ليدل على الغائب؟ فالجواب البلاغي هو “أمن اللبس”؛ لأن الهاء خُصصت لضمير النصب المتصل نحو (ضَرَبَهُ)، فلو جُعلت للرفع والنصب معاً لفسد البيان اللغوي وتداخلت المعاني.
ثالثاً: الصراع بين “الدال صفر” ولواحق المصوتات القصيرة
إن وجود هذه الفتحة لاحقةً حقيقيةً في آخر الماضي يهدم فكرة “الضمير المستتر جوازاً تقديره هو” التي وضعها النحاة ظناً منهم أن صيغة المفرد الغائب خلت من اللواحق. فكما أن (ألف الاثنين) في (ذَهَبَا) هي مصوت طويل يدل على التثنية، فإن (الفتحة) في (ذَهَبَ) هي مصوت قصير يدل على الإفراد، والفتحة -في الميزان الصوتي- تعادل نصف الألف تماماً وهي من جنسها الطبيعي.
وإنما يجد العقل التقليدي صعوبة في تقبل كون الفتحة هي الفاعل لأن “علم الرسم والخط العربي” يبرز المصوتات الطويلة (الحروف) ويهمل في الغالب إبراز المصوتات القصيرة (الحركات)، مع أن الوظيفة النطقية والدلالية للمصوت القصير لا تقل بحال عن المصوت الطويل؛ فالفتحة في (قَالَ) لاحقة حقيقية تدل على الجنس (المذكر) والعدد (المفرد) والشخص (الغائب).
وهنا تجدر الإشارة إلى محاولات لسانية أخرى حاولت تفسير هذه الظاهرة لكنها وقعت في التكلف؛ إذ ذهب الدكتور “أحمد الحمو” إلى أن الألف في وسط الفعل الأجوف (مثل: قالَ) هي الدال الوحيد على الغائب، مستدلاً بأنها تختفي عند الحضور (مثل: قُلْتُ) أو عند جمع الإناث (قُلْنَ)، زاعماً أن الألف لم تنشأ عن انقلاب واو أو ياء، مما ينفي فكرة الإعلال بالقلب من أساسها (5).
ولكن عند محاكمة رأيه أمام الأفعال الصحيحة (مثل: صَعِدَ، ضَرَبَ)، لم يجد دليلاً سوى اللجوء إلى نظرية “الدال صفر” (Zero Morpheme) في اللسانيات الحديثة، والتي تعني خلو الصيغة من دال منطوق بالمقارنة مع صيغ أخرى، فاعتبر خلو الماضي من اللواحق الحرفية هو الدال بذاته على الغائب (6). وهذا التوجيه فيه نظر؛ لأنه يحمل الأصل (الفعل الصحيح الشائع) على الفرع (الفعل المعتل)، بينما الأيسر والأقرب لسنن العربية هو اعتبار “الفتحة الظاهرة” هي الرمز الصريح المكتمل للدلالة على الغيبة والعدد والجنس.
رابعاً: البراهين التطبيقية (أدلة الحضور والغيبة والتوكيد)
ثمة قرائن تركيبية قاطعة تؤكد أن الفتحة في آخر الماضي تدور مع “الغيبة” وجوداً وعدماً:
1. دليل المقارنة بين مجموعتي الغيبة والحضور:
تأمل المجموعتين الآتيتين:
المجموعة (أ) للغائب: (خَرَجَ، خَرَجَتْ، خَرَجَا، خَرَجَتَا، خَرَجُوا).
المجموعة (ب) للحاضر: (خَرَجْتُ، خَرَجْتَ، خَرَجْتِ، خَرَجْنَا، خَرَجْتُمَا، خَرَجْتُمْ، خَرَجْتُنَّ).
نلاحظ بشكل جلي أن الفتحة ثبتت في المجموعة (أ) المخصصة للغائب (وتحولت لضمة مع واو الجماعة لمناسبة صوتية)، بينما اختفت الفتحة تماماً وحلّ السكون في المجموعة (ب) بمجرد دخول ضمائر الحضور (المتكلم والمخاطب)؛ لأن تلك الضمائر الحرفية حملت دلالة الخطاب والتكلم، فلم تعد هناك حاجة لرمز الغيبة (الفتحة)، وهذا يثبت عدم جواز اجتماعهما.
2. دليل فعل الأمر المتصل بنون التوكيد:
يظهر البرهان الحركي بوضوح أشد عند تأمل فعل الأمر المسند إلى ضمائر مختلفة قبل وبعد اتصاله بنون التوكيد الثقيلة:
قبل التوكيد: (اضْرِبْ، اضْرِبُوا، اضْرِبِي، اضْرِبَا، اضْرِبْنَ).
بعد التوكيد: (اضْرِبَنَّ، اضْرِبُنَّ، اضْرِبِنَّ، اضْرِبَانِّ، اضْرِبْنَانِّ).
بالمعاينة اللسانية للصيغ الثلاث الأولى بعد التوكيد (اضرِبَنَّ، اضرِبُنَّ، اضرِبِنَّ)، نجد أن الشكل الكتابي والحرفي للفعل واحد وثابت، ولا يمايز بين الضمائر ويمنع اللبس سوى الحركة الواقعة على لام الفعل؛ فكانت الفتحة رمزاً للفاعل المفرد المذكر، والضمة رمزاً لـواو الجماعة المحذوفة (الفاعل الجمع المذكر)، والكسرة رمزاً لـياء المخاطبة المحذوفة (الفاعلة المفردة المؤنثة).
خاتمة
إن هذه القرائن البنيوية والصوتية تُثبت بوضوح عظمة اللسان العربي الفصيح، وتؤكد اللمحة الفلسفية التي قامت عليها هذه اللغة الشريفة في استخدام الحركة كرمز دلالي موجز يغني عن التكرار والمقاطع الطويلة، مما يفتح آفاقاً جديدة لإعادة قراءة النحو العربي بروح لسانية معاصرة تلتمس الحكمة في كل حركة وسكون.
______________________
(1) انظر تفصيل التوجيه البلاغي والنحوي لهذه الحادثة في: عبد الحميد ضحا، “علاقة المعنى بالإعراب”، مقال منشور على موقع الألوكة الإلكتروني، بتاريخ: 22/12/2008م.
(2) جورجي زيدان: “الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية”، إصدار دار الهلال، القاهرة، ص 115.
(3) المرجع السابق، ص 121.
(4) د. رمضان عبد التواب: “المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي”، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1985م، ص 267 وما بعدها.
(5) د. أحمد الحمو: “محاولة ألسنية في الإعلال”، مقال بحوث بمجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد العشرون، العدد الثالث، 1989م، ص 174.
(6) د. أحمد الحمو: المرجع السابق، ص 175.
(7) يُقصد باللواحق الخمسة هنا صيغ إسناد الماضي الخمس للغائب وهي: (قالَ، قالَتْ، قالا، قالتا، قالوا) حيث تدل اللواحق الحرفية فيها على العدد والجنس فقط، بينما تنفرد الحركة بالدلالة على الشخص الغائب.
