من الشفاهية إلى التدوين: المنهج النقدي عند المحدثين وأثره في تأصيل علوم العربية

أولاً: فضاء الأمية الجاهلية والاتكاء على الذاكرة الشفوية

عاش العرب في عصر الجاهلية الأولى ضمن فضاء اتسم بالأمية الغالبة، فلم تكن القراءة والكتابة شائعة بينهم إلا في حواضر ضيقة وقرائن نادرة تعود لثلة قليلة من أصحاب التجارات. وقد فرضت طبيعة الحياة البدوية القاسية، بظروفها المتنقلة وترحالها المستمر وراء مساقط الغيث ومنابت الكلأ، نمطاً معيشياً لم يجد فيه البدوي حاجة ملحة لتوثيق يومياته أو تدوين معارفه عبر رقوع مكتوبة.

بيد أن هذه الأمية لم تكن عجزاً عقلياً، بل أنتجت ذاكرة فولاذية خارقة؛ حيث اعتمدت القبائل اعتماداً مطلقاً على الرواية الشفوية والنسق السماعي في نقل موروثها الفكري. ومن خلال هذا السيل الشفوي، تناقلت الأجيال دواوين الشعر الجاهلي المعقدة، وحفظت مشجرات الأنساب المتشعبة، ونشرت علومها الفطرية المتصلة بالأنواء، والنجوم، والطبابة القائمة على التجربة، وقصص أيام العرب ومغازيها.

ثانياً: بزوغ الإسلام والانقلاب المعرفي نحو تدوين الوحي

مع بزوغ فجر الإسلام وتنزّل الوحي على رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-، حدثت هزة معرفية كبرى غيرت وجه التاريخ الثقافي للعرب. فقد حث الدين الجديد على العلم والتعلم، وجعل الإسلام من محو الأمية هدفاً استراتيجياً لبناء الدولة الروحية والسياسية. ولعل الموقف التاريخي الأبرز المتمثل في جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فداء أسرى قريش بـمعركة بدر أن يعلم كل أسير متعلم عشرة من غلمان المسلمين أبناء الأنصار القراءة والكتابة، يعد دليلاً قاطعاً على هذه الرغبة الحتمية في نشر التدوين.

ونتيجة لهذا الدعم النبوي، راجت صناعة الكتابة والخط في المدينة المنورة بشكل متسارع، وغدا تعلمها فريضة ملحة تمليها ضرورة حفظ النص القرآني الموحى به مشافهة. وتمددت حركة التدوين حتى زاد عدد كتاب الوحي في العصر النبوي على أربعين كاتباً، تميزوا بالأمانة والسرعة، وعلى رأس هؤلاء الفحول: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، فإذا غابا عن مجلس الرسول تفرغ للكتابة أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، فإن لم يحضرا في تلك اللحظة تعاقب على الخط والتقييد غيرهما من الصحابة الأجلاء (1).

ثالثاً: حروب الردة وجمع الشتات القرآني

عقب انتقال الرسول -عليه الصلاة والسلام- إلى الرفيق الأعلى، واجهت الخلافة الراشدة الأولى بقيادة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- زلزالاً سياسياً وعسكرياً تمثل في حركات الردة. وشهدت معركة اليمامة الطاحنة تساقط أعداد مخيفة من خيرة حفاظ القرآن الكريم وقرائه من الصحابة. وأمام هذا النزيف البشري المعرفي، استشعر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الخطر الداهم، فأشار على الخليفة أبي بكر الصديق بضرورة جمع القرآن خوفاً من ضياعه بذهاب الحفاظ.

أخذ أبو بكر الصديق هذا العبء التاريخي على عاتقه، وندب للمهمة شاباً ذكياً من كتاب الوحي وهو زيد بن ثابت. وانطلقت عملية أثرية استقصائية فريدة لجمع آيات القرآن من صدور الرجال أولاً، ومن المواد المادية البدائية التي كتب عليها الوحي مفرقا بين يدي الرسول، مثل:

العُسُب: وهي جمع عسيب، ويمثل جريدة النخل المستقيمة بعد قشر خوصها.

القُضُم: ومفردها قضيم، وهي القطع البيضاء من الجلد المصقول.

الرقاع: جمع رقعة، وهي الخرق من الورق أو القماش أو الجلد.

اللَّخاف: جمع لخفة، وهي الصفائح الرقيقة من الحجارة البيضاء العريضة.

الأكتاف والأضلاع: وهي عظام الحيوانات الكبيرة بعد جفافها (2).

وقد استمر هذا الجهد التوثيقي حتى غدا عمر بن الخطاب بعد ذلك أول من جمع تلك الصحف والرقاع في “مصحف” واحد منسق ومحفوظ، ليمثل هذا الحدث أول تدوين رسمي شامل في تاريخ الأمة (3).

رابعاً: اتساع الفتوحات والتدوين الإمبراطوري للحديث النبوي

لم تتوقف عجلة التاريخ عند جمع القرآن؛ بل إن اتساع رقعة الدولة الإسلامية في عهد الخلافة الراشدة والأموية، وانتقال كبار الصحابة إلى الأمصار المفتوحة (كالكوفة، والبصرة، والشام، ومصر) لتعليم الناس أحكام الدين، أفرز تحدياً جديداً. فقد تباعدت المسافات، وظل الحديث النبوي الشريف -في أغلب تفاصيله- مخزوناً في صدور الحفاظ وموزعاً في الأمصار. ومع تقادم العهد وموت الحفاظ، خاف قادة الأمة وعلماؤها على السنة النبوية من الضياع أو التحريف، لا سيما مع حاجة المجتمعات الجديدة إلى مرجع تشريعي تفصيلي يضبط شؤون حياتهم ومعاملاتهم اليومية.

أمام هذه الحاجة الملحّة والخطيرة، اتخذ الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز قراراً سيادياً وتنظيمياً حاسماً، فأمر أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ومعه كبار علماء زمانه كابن شهاب الزهري، بالبدء الرسمي في تدوين السنة النبوية وجمع الحديث الشريف من صدور الحفاظ وضبط أسانيده (4).

خامساً: أثر التدوينين (الكتاب والسنة) في نشأة علوم الشريعة واللغة

كان لحركة جمع القرآن الكريم أولاً، ثم الحديث النبوي ثانياً، الأثر البالغ والمباشر في هندسة وتأصيل سائر العلوم الإسلامية والعربية؛ إذ نشأت علوم النحو، والصرف، والبلاغة، ومعاجم اللغة، والفقـه، وأصوله، كلها في ظلال رعاية النص الشرعي وخدمته وحمايته من اللحن والتحريف. وعلى الرغم من حيازة التدوين لمكانة رفيعة، إلا أن العلماء ظلوا لفترة طويلة متمسكين بـ”الرواية الشفوية” كشرط أساسي لتحصيل العلوم ونشرها، معتبرين المخطوط مجرد مساعد للذاكرة.

إلا أن الرواية العربية تميزت منذ نشأتها الأولى بالحرص البالغ والدقة المتناهية والأمانة المطلقة التي ندر وجودها في الحضارات الأخرى (5). ويعود سبب هذا التشدد التوثيقي -كما يعلل الأستاذ المحقق عبد السلام هارون- إلى أن الدين الإسلامي يدعو في أصوله إلى الأمانة والتثبت، ولأن نصوص الكتاب والسنة كانت تمثل شواهد للتشريع، وآيات تُستنبط منها الفتاوى والأحكام التكليفية، وأي تساهل فيها يعني فساد الشريعة (6).

سادساً: هندسة آداب العالم والمتعلم (تكامل المحدثين واللغويين)

بناءً على خطورة الرواية، وضع جهابذة المسلمين منظومة متكاملة من “الآداب الفكرية والسلوكية” التي يجب على المعلم والطالب الالتزام بها. وكان لـ”أهل الحديث” (المحدثين) قصب السبق والريادة التامة في الكتابة والتأصيل لهذه الآداب، بينما جاء علماء اللغويات تَبَعاً لهم، مقتبسين مناهجهم (7).

وقد انقسم التأليف في آداب الرواية والعلم عند المحدثين إلى اتجاهين رئيسين (8):

الاتجاه الأول: التدوين الضمني (النوعي) داخل مصنفات المصطلح

وهو إدراج آداب المحدث وطالبه ضمن أبواب وفصول كتب مصطلح الحديث العامة، ومن أبرز معالم هذا الاتجاه:

1)    “مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح”: حيث عقد الإمام ابن الصلاح فصلاً مطولاً، أفرد فيه النوع السابع والعشرين لمعرفة آداب المحدث وشروطه، والنوع الثامن والعشرين لمعرفة آداب طالب الحديث وطرق تحصيله (9).

2)    “شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر”: للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، والذي فصل فيه الشروط النفسية والأخلاقية لحملة الآثار النبوية (10).

3)    “تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي”: للإمام جلال الدين السيوطي، حيث سار على نهج ابن الصلاح، وأفرد النوع السابع والعشرين لآداب المحدث، والنوع الثامن والعشرين لآداب الطالب (11).

الاتجاه الثاني: إفراد الآداب بمصنفات مستقلة

وهو الاتجاه الفلسفي والتربوي الشامل الذي يفرد كتاباً كاملاً لرصد أخلاقيات المعرفة. ويمثله بجدارة كتاب “تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم” للإمام القاضي بدر الدين بن جماعة الكناني (12). وتميز هذا المصنف بأنه طرح رؤية تربوية عامة صالحة لجميع العلوم (الشرعية واللغوية والعقلية)، وقسم الآداب إلى:

آداب ذاتية: تخص أخلاق العالم والمتعلم في أنفسهم (كالإخلاص، والتواضع، والزهد).

آداب بيئية وغير ذاتية: تنظم علاقة العالم بطلبته، وعلاقة المتعلم بشيخه، وكيفية التعامل مع الكتب، والمسكن، ومجالس الدرس.

أما على الصعيد اللغوي، فقد التقط علماء اللسان هذه الآداب ونثروها في بطون مصنفاتهم. ومن ذلك ما صنعه الإمام السيوطي في كتابه الموسوعي “المزهر في علوم اللغة وأنواعها”، حيث خصص النوع الحادي والعشرين لمعرفة “آداب اللغوي” (13). وجاءت هذه الآداب لتشترط في طالب اللغة: الإخلاص وتصحيح النية، والتحري الدقيق في الأخذ عن الشيوخ الثقات، والدؤوب والملازمة، وتقييد وكتابة كل مسموع لضمان الضبط، والرحلة في طلب اللغات، والاعتناء بحفظ أشعار العرب باعتبارها مستودع الحكم ومفتاح تفسير غريب القرآن والحديث النبوي.


 (1) نقلاً عن الموقع الرسمي لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: www.qurancomplex.org.

(2) انظر تفاصيل دلالات هذه المواد البدائية في: “المعجم الوسيط”، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ص 600، 742، 365، 820.

(3) عبد السلام هارون: “تحقيق النصوص ونشرها”، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط7، 1998م، ص 13.

(4) المرجع نفسه، ص 13.

(5) عبد السلام هارون: “تحقيق النصوص ونشرها”، ص 11.

(6) المرجع نفسه والصفحة نفسها.

(7) عبده الراجحي: “مصطلح الحديث وأثره على الدرس اللغوي”، دار النهضة العربية، بيروت، ط1، 1983م، ص 13.

(8) عبده الراجحي: “مصطلح الحديث وأثره على الدرس اللغوي”، ص 12-13.

(9) ابن الصلاح (تقي الدين أبو عمرو الشهرزوري): “مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح”، تحقيق د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، دار المعارف، القاهرة، ص 419-427، وص 428-436.

(10) عبد الله بن حسين السمين: “حاشية لقط الدرر بشرح متن نخبة الفكر” لشهاب الدين بن حجر العسقلاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط1، 1938م، ص 165-166.

(11) جلال الدين السيوطي: “تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي”، تحقيق صلاح بن عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1996م، ج2، ص 47، وص 87.

(12) بدر الدين بن جماعة: “تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم”، مطبعة بيت الأفكار الدولية، دبي، 2004م.

(13) جلال الدين السيوطي: “المزهر في علوم اللغة وأنواعها”، شرح وضبط: محمد أحمد جاد المولى، علي البيجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، دار الجيل، بيروت، ص 302-341.

ترك تعليق