فقه اللغة وأثره في التصحيح الشرعي: قراءة بلاغية في أوهام منع ألفاظ الدُّعاء
مدخل: في الحاجة إلى التلازم بين علوم الشريعة وعلوم اللسان
إن المتأمل في مسيرة العلوم الإسلامية يدرك يقيناً أنه لا يمكن لعالم أو فقيه أن يستنبط حكماً، أو يوجّه فتوى، أو يقوّم سلوكاً لفظياً عامّياً، ما لم يكن راسخ القدم في علوم العربية، محيطاً بأساليبها وبلاغتها ومجازاتها. فاللغة هي الوعاء الذي نزل به الوحي، وأي محاولة لمحاكمة الألفاظ الدارجة على ألسنة المسلمين بمعزل عن القواعد البلاغية المستقرة قد يوقع المفتي في مضايق التشديد بغير مقتضى، ويدفعه إلى تبديع أو تخطئة عبارات هي في جوهرها ونيّة قائليها محض طاعة وقربة.
ومن هذا المنطلق، نلحظ في الساحة الدعوية المعاصرة توجيهاً متكرراً من كثير من العلماء الأفاضل والمشايخ الفضلاء لجماهير مستمعيهم وتلامذتهم، يخطّئون فيه بعض الألفاظ المستعملة في سياق الموت أو الصلاة على النبي صَلَّى الله عليه وسلَّم. حيث يمنعون مثلاً إطلاق لفظ “المرحوم فلان”؛ بدعوى أن هذا التعبير يتضمن جزماً بحدوث الرحمة للميت، وهو أمر غيبي يمثل ادعاءً على الله تعالى بغير علم، ويأمرون باستبدالها بعبارة “رحمه الله” لأنها بصيغة الدعاء. وفي السياق ذاته، يرى هؤلاء أن الصلاة على الرسول صَلَّى الله عليه وسلَّم ينبغي أن تقتصر على صيغة “صَلَّى الله عليه وسلَّم”؛ لأنها تحمل معنى الطلب والدعاء، بينما ينكرون صيغة “عليه الصلاة والسلام” بزعم أنها مجرد “تقرير” وإخبار بصلاة الله عليه، وليست دعاءً صادراً من العبد لنبيه.
إن المشكلة الحقيقية التي وقع فيها هؤلاء الأفاضل تعود إلى عدم تدقيق النظر في القواعد البلاغية واللغوية قبل إطلاق هذه الأحكام التخطئيّة. فالعالم الشرعي أحوج ما يكون إلى “فقه اللغة”؛ إذ المعوّل عليه في جواز القول أو منعه في مثل هذه المسائل هو معرفة سنن العرب في كلامها وتوجيه جملها.
أولاً: التقسيم البلاغي للجمل (بين الخبر والإنشاء)
يقرر علماء البلاغة واللغة العربية أن الجمل في لسان العرب تنقسم من حيث الغرض وسياق الإفادة إلى قسمين رئيسين:
الجملة الخبرية:
وهي الجملة التي تحتمل الصدق والكذب في ذاتها، بصرف النظر عن قائلها ومكانته. فإذا قلتَ مثلاً: “طلعت الشمس” أو “حانت الصلاة”، فهذا كلام يحمل خبراً يمكن للمتلقي أن يطابق بينه وبين الواقع الخارجي؛ فإما أن يكون صادقاً إن كانت الشمس قد طلعت بالفعل، وإما أن يكون كاذباً إن كان الواقع خلاف ذلك.
الجملة الإنشائية:
وهي الجملة التي لا تحتمل تصديقاً ولا تكذيباً في ذاتها، ويندرج تحتها أساليب شتى كالأمر، والنهي، والاستفهام، والدعاء. فعندما يسأل سائل: “هل حانت الصلاة؟” أو عندما يدعو مؤمن ربّه فيقول: “اللهم أدخلني الجنة”، فلا يصح في منطق اللغة أن يُقال لهذا السائل أو الداعي إنه “كاذب” أو “صادق”؛ لأن النص لم يأتِ ليروي واقعاً، وإنما جاء لإنشاء طلب أو تضرع.
الأسلوب الثالث: خبري اللفظ إنشائي المعنى
لكن التدقيق المعمق في نصوص الوحيين (الكتاب والسنة) يظهر لنا صنفاً ثالثاً فائق البلاغة، وهو الجملة التي تأتي في “ظاهرها اللفظي” على هيئة الخبر، ولكنها في “حقيقتها الدلالية وسياقها” تؤدي وظيفة الإنشاء (كالطلب، أو الأمر، أو النهي، أو الدعاء). وهناك شواهد قرآنية وحديثية بالغة الوضوح تؤكد هذا الأسلوب:
الground الأول من القرآن (آية أمن الحرم): يقول الله سبحانه وتعالى في شأن المسجد الحرام: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} ⁽¹⁾. إذا جئنا للقواعد السطحية، فإن الآية تبدو “خبراً” يقرر أن كل من يلج الحرم الشريف يصبح آمناً من أي اعتداء. ونحن نؤمن بصدق الله المطلق، ولكن صفحات التاريخ تنبئنا بوقوع حوادث أليمة داخل الحرم، لعل من أبشعها ما اقترفته فرقة القرامطة من غزو للمسجد الحرام، وقتل للحجاج في صحن الطواف، ونهب للحجر الأسود. فهل يمثل هذا الواقع التاريخي طعناً في صدق الآية؟ حاشا لله، والسبب البلاغي هو أن الآية ليست جملة خبرية محضة، بل هي “خبرية اللفظ إنشائية المعنى”؛ ظاهرها خبر، ومضمونها أمر إلهي وتشريع للمسلمين مفاده: (يا أيها المؤمنون، أمِّنوا كل من دخل البيت الحرام ولا تعرضوا له بسوء).
الشاهد الثاني من القرآن (آية الطيبين والخبيثين): يقول الله جل وعلا: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ…} ⁽²⁾. وقد نقل الإمام ابن كثير عن المفسر عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قوله في توجيهها: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال ⁽³⁾. في الظاهر يبدو الكلام تقريراً لواقع وقاعدة إلهية مطردة، بيد أن واقع الحياة يشهد بوقوع العكس أحياناً؛ فقد تقع امرأة صالحة طيبة في حبال رجل خبيث دون أن تعلم حاله (وكذا العكس). والتوجيه البلاغي المستقيم هو أن الآية جملة إنشائية في ثوب خبر، ومعناها: (أيها المؤمنون، زوّجوا الطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين؛ صيانة للمجتمع ولتستقيم الحياة).
الشاهد من السنة النبوية (تحريم مكة):
عن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم فتح مكة: “إن هذا البلد حرمه الله: لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها” ⁽⁴⁾. إن الألفاظ: “لا يعضد” و”لا ينفر” و”لا يلتقط” جاءت كلها في صيغة الفعل المضارع النافي (إخبار بعدم حدوث الشيء)، لكن المعنى الحقيقي لها هو “النهي الصارم” والتحريم. ويدل على هذا الفهم البلاغي ما ورد في رواية أخرى عن أبي شريح أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولاً قام به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغد من يوم الفتح… فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: “إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس؛ فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة…” ⁽⁵⁾. فعبارة “فلا يحل لامرئ” رفعت اللبس وأكدت أن الإخبار في الحديث الأول كان يراد به النهي والتحريم الإنشائي.
هذا الفهم البليغ الذي يربط اللفظ بمراده وسياقه كان مستقراً في أذهان الصحابة رضوان الله عليهم؛ ففي الموطأ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ الرَّجُلَ: كَيْفَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ. فَقَالَ عُمَرُ: “ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ” ⁽⁶⁾. فالرجل أخبر بصيغة الخبر المحض “أحمد”، وعمر رضي الله عنه فهم مباشرة أن مراده هو إنشاء الثناء والشكر لله رب العالمين وعلم أن هذا هو المطلوب.
ثانياً: محاكمة دعاوى المنع في الميزان البلاغي
إذا تفقهنا في هذا الأصل اللغوي العظيم، يسهل علينا تفكيك وردّ المقالات التي تشددت في تخطئة المسلمين في أمرين:
1. دعوى عدم صحة صيغة “عليه الصلاة والسلام”:
يرى المانعون أن قولنا “عليه الصلاة والسلام” هو إخبار وتقرير لصلوات الله على نبيه، فلا ثواب فيه لأنه ليس دعاءً منا له. والرد على هذه الشبهة يأتي من وجهين:
الوجه الأول (إلزام لغوي): إن العبارة التي يرتضيها هؤلاء الأفاضل ويعدونها دعاءً، وهي “صَلَّى الله عليه وسلَّم”، عبارة عن جملة فعلية صدرت بفعل ماضٍ (“صَلَّى” و”سَلَّمَ”). والفعل الماضي في أصل وضعه اللغوي يفيد الإخبار والتقرير بوقوع الحدث في الزمن الفائت. فبناءً على منطقهم السطحي، يلزمهم القول بأن صيغة “صَلَّى الله” هي تقرير بحدوث الصلاة من الله في الماضي وليست دعاءً، وهذا يلزم منه بطلان الصيغة التي يدافعون عنها، وهو تهافت واهٍ لا يقول به أحد.
الوجه الثاني (التصويب البلاغي): إن الصيغتين معاً (“صَلَّى الله عليه وسلَّم” و”عليه الصلاة والسلام”) صحيحتان فصيحتان في الصلاة على النبي الكريم؛ لأنهما من باب الجمل “خبرية اللفظ إنشائية المعنى”. فظاهرهما صياغة خبرية، بيد أن باطنها وحقيقتها وسياقها هو التضرع والدعاء من المسلم إلى الله تعالى بأن يزيد نبيه صلاةً وسلاماً وتكريماً.
2. دعوى منع إطلاق لفظ “المرحوم فلان”:
ينطبق القانون البلاغي نفسه على قول الناس عن الميت “المرحوم فلان” أو “المغفور له فلان”. فكلمة “المرحوم” هي اسم مفعول مشتق من الفعل المبني للمجهول “رُحِمَ”، أي (رُحِمَ من الله تعالى). والمانعون يرون في اسم المفعول هذا جزماً بوقوع الرحمة وتألياً على الغيب.
والصواب الذي يتماشى مع فقه اللغة وسنن البيان هو أن كلمة “المرحوم” -في سياق الحديث عن الموتى- شأنها شأن جملة “رحمه الله”، كلاهما جملتان خبريتا اللفظ إنشائيتا المعنى. فالقائل لا يجزم ولا يقطع بحدوث الرحمة كحقيقة واقعة، وإنما يسوق اللفظ خبراً ويريد به إنشاء الدعاء والرجاء والتفاؤل للميت بأن يتغمده الله برحمته. والعرب كثيراً ما تستعمل صيغة الإخبار بالوقوع تأكيداً لشدة الرجاء وحسن الظن بالله تعالى، لا جزماً بالغيب الذي لا يعلمه إلا هو سبحانه.
خاتمة
إن التيسير والتحقيق في الفتاوى الشرعية المرتبطة بعبارات الناس اليومية يستلزم عمقاً لغوياً يرفع الحرج عن الأمة. فما جرى عليه عرف المسلمين وسياق كلامهم من إطلاق عبارات مثل “المرحوم” و”عليه الصلاة والسلام” هو محض دُعاء وصلاة مبرأة من شبهة التقرير والادعاء على الله. أسأل الله جل وعلا أن يجعل هذا البيان خالصاً لوجهه الكريم، وفي ميزان الحسنات يوم نلقاه، فإن يكن فيه من توفيق وصواب فمن الله وحده وله المنة، وإن يكن غير ذلك فمن نفسي، وأستغفر الله العظيم العفو الغفور، والله ولي التوفيق.
⁽¹⁾ سورة آل عمران: الآية 97.
⁽²⁾ سورة النور: الآية 26.
⁽³⁾ الإمام عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير: “تفسير القرآن العظيم” (تفسير ابن كثير)، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1999م، ج6 / ص35.
⁽⁴⁾ الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: “الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه” (صحيح البخاري)، كتاب مغازي النبي، ج5 / ص498.
⁽⁵⁾ صحيح البخاري: كتاب العلم، باب كتابة العلم، ج1 / ص182 (حديث رقم 104).
⁽⁶⁾ الإمام مالك بن أنس: “الموطأ” (موطأ مالك)، رواية يحيى بن يحيى الليثي، كتاب السلام، حديث رقم 1516.
