جناية “أدعياء الكتابة” على الفكر واللغة: صرخة لحماية عقول الناشئة

إن الكتابة في جوهرها ليست مجرد رص للكلمات أو ملء للمساحات البيضاء، بل هي مسؤولية أخلاقية وفكرية كبرى. ومع ذلك، نجد في عالمنا المعاصر صنفاً من الكتاب الذين أصيبوا بـ “إدمان الكتابة” دون امتلاك أدواتها، فأخذوا يخطون كلاماً غريباً وعجيباً، يفتقر إلى المضمون والعمق، فلا تجد فيه طعماً يفيد، ولا لوناً يجذب، ولا رائحة تنعش العقول. والمصيبة الكبرى تعود إلى أن هؤلاء يعيشون في أوهام العظمة، ويظنون واهمين أنهم يقدمون خدمة جليلة للقارئ وللمجتمع، بينما هم في حقيقة الأمر يمارسون نوعاً من التشويه الثقافي، ويسرقون وقت القارئ الثمين، ويبثون في فكره البلبلة والتشويش عبر نصوصهم الغثة والمهلهلة التي لا تقف على ساق. بل إن هؤلاء قد ارتكبوا الجرم الأكبر في حق أنفسهم أولاً حين استهلكوا أعمارهم في العبث، قبل أن يسيئوا إلى المتلقي، لكن المشكلة تكمن في غياب الوعي الذي يجعلهم يدركون حجم هذه الجناية، وفي غياب الرادع الحازم الذي يوقفهم عند حدهم ويمنعهم من الاستمرار في هذا المسار.

إن هذا العبث المستمر بعقول القراء وإهدار أوقاتهم ليس مجرد سقطة أدبية يمكن التغاضي عنها، بل هو في الواقع جريمة فكرية مكتملة الأركان، تستدعي أن تُدرج ضمن القوانين التي تعاقب على خداع المجتمع وتزييف وعيه. إن بلبلة أفكار الجيل الناشئ والشباب الذين يبحثون عن المعرفة والثقافة الحقيقية، والتشويش على أذهانهم الغضة، يمثل مسألة في غاية الخطورة؛ فالأفكار المشوهة كالسموم البطيئة، ولا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يُترك من يمارس هذا التضليل حراً طليقاً دون رقابة صارمة أو محاسبة فكرية ومجتمعية.

إن هذا الصنف من أشباه الكتاب يتحولون مع الوقت إلى معاول هدم صامتة، تضرب في جدران الذوق العام، وتهدم أركان اللغة السليمة والأدب الرفيع والعلم الرصين. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل ننتظر مكتوفي الأيدي حتى تنهار تلك الجدران الثقافية والتاريخية من أساسها؟ أم أن وازع الدفاع عن هويتنا، ولغتنا الشريفة، ومقدرات أمتنا الفكرية يحتم علينا جميعاً أن نتصدى بكل حزم وقوة لكل من يحاول العبث بأصولها أو تمييع معالمها؟

حين يمعن المرء النظر في هذه “الشخبطات” التي تمتلئ بها بعض المنصات، لا يجد فيها سوى الشناعة الفكرية، وقلة البضاعة والمعرفة في شتى علوم الأدب واللغة والفكر. ومما يبعث على الحزن والأسى على حال الأمة، أن ترى هؤلاء “المشخبطين” يتصدرون واجهات الصحف والمجلات الكبرى، ويُطلق عليهم زوراً وبهتاناً لقب “الكتاب الملتزمين”، بل والأدهى من ذلك أنهم يتلقون رسائل الإشادة والثناء من بعض الناشئة والشباب الذين انطلت عليهم هذه الحيل الثقافية. إن هذا التجاوب الجماهيري من قِبل العقول الغضة يمثل ناقوس الخطر الحقيقي، والمؤشر الفعلي على مدى التأثير السلبي والهدام الذي تتركه تلك الكتابات الركيكة في صياغة أفكار الجيل الجديد وتوجيهه نحو السطحية.

بناءً على ذلك، يصبح من الضروري والملح إيقاف هذا الخطر الداهم قبل أن يتسع الخرق على الراقع ويصعب العلاج. يجب منع غير المؤهلين من ممارسة التجريب في عقول الناس، وتطبيق المقولة السائرة: “لا تترك غير القادر يتعلم الحلاقة في رؤوس اليتامى”. إن العدالة تقتضي أن نقيس الكتابة باعتبارها فنّاً راقياً ورسالة مقدسة، تماماً كما نقيس بقية المهن الحيوية كالطب والهندسة والمحاماة، والتي لا يُسمح لأحد بممارستها إلا إذا كان مجيداً لها، ومتخصصاً في تفاصيلها، وحاملاً لشهادة تثبت أهليته. إن اعتبار الكتابة مهنة منظمة يعاقب القانون من يزاولها بلا أدوات أو علم، كنوع من التزوير، سيوفر حماية حتمية لـ “المستصحفين والمتكاتبين” من الناشئة، الذين يخلطون في كتاباتهم بين المتناقضات، فلا يفرقون بين الحواضر الفكرية كالبصرة وبصرى، ولا يميّزون بين علماء اللغة وعمالقة الشعر كالمبرد وبشار بن برد، أو بين الرموز التاريخية والأدبية كسلمان الفارسي وأبي فراس الحمداني، بل ويقعون في شرك الأخطاء الإملائية القاتلة كعدم التفريق بين حرفي الضاد والظاء في كل ما يسطرونه.

إن الأمة اليوم في أمسّ الحاجة إلى أدب رفيع، وفكر متألق يتسم بالعمق، ولغة رنانة قوية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وأسلوب بليغ مشرق يترفع عن الركاكة والضعف والأخطاء اللغوية. إننا نتوق إلى عودة الأدب الحقيقي، ذلك الأدب الذي رسخ جذوره عمالقة من أمثال مصطفى صادق الرافعي ببيانه العذب، وعباس محمود العقاد بعمقه الفكري، وإبراهيم عبد القادر المازني بأسلوبه الساخر الرشيق، ومصطفى لطفي المنفلوطي بعاطفته الإنسانية النبيلة، وغيرهم من فحول الأدب والكتابة. نريد كتابة ثرية، متدفقة بالمعاني، مشحونة بالأفكار والرؤى المستنيرة، ومصاغة بإبداع حقيقي وأسلوب أخاذ يأسر القلوب والعقول، بدلاً من كتابات هؤلاء المدعين المفتقرين لأبسط مستلزمات الفصاحة وأصول البيان.

وفي الختام، نقول لهؤلاء:

إن كنتم قادرين على الارتقاء بحروفكم إلى هذا المستوى الشامخ من الأدب والفكر، فحيهلاً بكم وأهلاً في ميدان الإبداع، فالساحة تتسع لكل مجدّ. أما إن عجزتم عن ذلك – وهو الواقع – فإن الانزواء والابتعاد عن هذا المضمار هو الخير والأبقى لكم، ولنا، وللأمة جمعاء. وحسبنا في تراث كبار أدبائنا وكتابنا العظام غنية وكفاية عما سواهم، والسلام.


 

ترك تعليق