ألغاز لابن لب النحوي

المؤلف: عبد الرحمن السيوطي (المتوفى: ٩١١هـ)

رأيت كراسة فيها ألغاز منظومة مشروحة ولم أعرف لمن هي وها هي ذه:

أحمدُ ربي حمدَ ذى إذعانِ = معترفٍ بالقلب واللسانِ

مصليًا على الرسولِ المهتدي = بهديه في السرِّ والأعلانِ

ثم الرضا عن آله وصحبه = وتابعهيم بعدُ بالأحسانِ

وبعدُ: إنى ملغز مسائلا = في النحوِ تعتاصُ على الأذهان

يخرجها فكرُ لبيب فطن = يوردها بواضح الأذهانِ

فيا أولي العلم الألى حازوا العُلا = عين الزمانِ وجلة الأعيانِ

حاجيتُكم لتخبروا ما اسمان = وأول إعرابه في الثاني

وذاك مبني بكلِّ حالٍ = ها هُوَ للناظِر كالعيانِ

يعني الألف واللام الموصولة في مثل جاء الضاربُ ومررت بالضارب على القول بأنها اسم كالذي يكون الإعراب الذي يستحقه الموصول، إنما استقر في الاسم الواقع صلة إجراء لهذا الاسم مجرى الأداة المعرفة في مثل “الرجل” ولا يوجد بعده إلا هذا، وقد أشار في البيت الثاني إلى التصريح به بقوله للناظر.

وتخيروا باسم مضاف ثابت التنـ = وين فيه اجتمعَ الضدان

يعني كأين إذا استعملت دون من بعدها كقول القائل:

كأين قائل للحق يقضي = ويرمي بالقبيح من الكلام

فإن ابن كيسان ذهب إلى أن جر ذلك بإضافة كأين إليه حملا لها على كم الخبرية لأنها بمعناها، وتنوينها إنما هو تنوين أي، وقد ثبت مع الإضافة، والتنوين مؤذن بالانفصال، والإضافة مؤذنة بالاتصال، فقد اجتمع الضدان، وذهب غير ابن كيسان إلى أن الجر بعدها بمن محذوفة لأن تنوينها هو الغالب في الاستعمال.

واسم بتنوين لدى الوقف يُرى = كالوصِل حَالاه هُما سِيَّانِ

يعني أيضًا أيا المتصلة بالكاف المشار إليه في البيت قبله نحو ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. فإن القراء سوى أبى عمرو بن العلاء وقفوا على تنوينها، ووقف أبو عمرو على الياء بحذف التنوين على مقتضى القياس.

وتابعٌ وليس يلفى تابعا = ما قيل في شأنٍ وذا في شأنِ

يعني مثل قولك “ما زيد شيء إلا شيء لا يُعبأ به”، على اللغة الحجازية في ما النافية، فلفظ الخبر جر بالباء الزائدة وموضعه نصب (بما) لأنها في تلك اللغة تعمل عمل ليس، “وإلا شىء” بدل من الخبر ولم يتبعه في لفظ ولا موضع، فما قبل هذا التابع على شأن من جر اللفظ ونصب الموضع، ومن توجه النفي عليه، وشأن التابع بخلاف ذلك لأنه مرفوع أبدا مثبتًا بإلا.

وقد كنت نظمته في هذه المسألة قديمًا بيتًا وهو قولي:

أحاجِيكم ما تابعٌ غير تابع = لمتبوعه في موضع (لا) ولا لفظ وقد تنتظم هذه الألغاز هكذا: مسألة العطف على التوهم كقوله تعالى ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ ﴾ [المنافقون: ١٠] على قراءة الجزم، لأن هذا المجزوم لم يتبع الفعل قبله في موضع ولا لفظ، وإنما جاز على مراعاة سقوط الفاء حملاً على المعنى المرادف.

وكقول القائل:

بدا لي أني لستُ (مدرك) ما مضى = ولا سَابقٍ شيئًا إذا كان جَائيا

إنما جاز جر سابق على توهم جر مدرك بباء زائدة بجواز ذلك فيه.

يا هؤلاء أخبروا سائلكم = ما اسمٌ له لفظٌ ومعنيان

ولا يراعى لفظُه في تابعٍ = والموضعان قدْ يُراعيان

واللفظُ مبنيٌّ كذاك موضع = من موضعيه عَادَ من بيان

يعني قولك (يا هؤلاء) في ياء النداء فإن لفظه الكسر للبناء وله موضعان الضم الذي في مثل أزيدُ، والنصب الذي هو الأصلُ في المنادى لظهوره في مثل يا عبدَ الله.

وتقول في التابع يا هؤلاء الكرامُ بالرفع أو الكرامَ بالنصب فيراعى الموضعين ولا يراعى اللفظ بوجه.

والشأن في البناء لا يراعى في التابع لكنه هنا روعي منه ما لم يظهر ولم يراعَ ما ظهر. مع أن الظاهر قوي بظهوره، والمقدر ضعيف بتقديره لكن لما كان هذا البناء المقدر شبيهًا بالإعراب صار كأنه موضع إعرابين فجازت مراعاته وصار يعتد به موضعًا بخلاف البناء الأصلي.

ما زائدٌ لفظًا ومعنى لازمٌ = ينوي إذا لم يلفَ في المكان

يعني في مثل قولك (قيامى كما أنك تقوم)، أي كقيامك، فالكاف جارة لموضع (أن) وصلتها (وما) فارقة بين هذه الكاف وبينها مركبة مع أن ولا جر لها وذلك في قولك (كأن زيدا قائم)، والكلام مع كأن جملة بخلاف الكاف الجارة فإنها مع ما بعدها جزء كلام، فإذا أرادوا التركيب لم يفصلوا بشىء، وإن أرادوا الجارة فصلوا بها فهي زائدة في اللفظ، لأن ما بعدها مجرور المحل بالكاف التي قبلها، وفي المعنى أيضًا إذ لا تفيد شيئًا سوى الفرق اللفظي، وقد تخفف أن بعد الكاف الجارة فتقول (قمت كما أنْ ستقوم)، وقد تحذف (ما) في الشعر وتكون منوية فهى زائدة لفظًا ومعنى، لازمة، بحيث تنوى إذا لم توجد – وعليه جاء بيت سيبويه.

قرومٌ تَسامى عندَ بابِ رفاعةٍ = كأنْ يؤخذُ المرءُ الكريمُ فيقتلا

على رواية رفع يؤخذ، أراد كما أنه يؤخذ، ولم يفصل بين أنْ المخففة من أنَّ وبين العمل ضرورة أيضًا، وعطف (فيقتل) على المصدر المقدر من أن وما بعدها من باب قوله (للبس عباءة وتقر عيني) جرت أن وصلتها في ذلك مجرى المصدر الملفوظ به.

ومَا الذي إعرابُه مختلفٌ = من غيرِ أن تختلف المعاني

يعني مثل قولك (زيد حسن الوجه)، برفع الوجه أو بنصب أو بجر، والمعنى فيه واحد، والشأن في الإعراب اختلاف المعاني باختلاف الإعراب.

وما الذي الوصف به من أصله = وذلك منه ليس في الإمكانِ

يعني في مثل قولك (أقائم أخوك وأمسافر غلامك أو إخوانك أو غلمانك) فهذا الوصف رافع لما بعده بالفاعلية، ولا يمكن في هذا الموضع جريه على موصوف وإن كان ذلك هو الأصل فيه.

لأنك إذا ثنيت الموصوف أو جمعته فالوصف مفرد، وإن أفردته فالمراد اثنان أو جماعة لا واحد، وإنما هذا الوصف هنا كالفعل في حكم اللفظ وفى المعنى.

وما الذي فيه لدَى إعرابهِ = وقبل ذاك يَستوى اللفظانِ

يعني أن من المعربات ما يستوي لفظه بعد التركيب وجريان الإعراب فيه وقبل ذلك، والشأن في لفظ الإعراب أبدًا اختصاصه بحالة التركيب لأنه أثر العوامل، وذلك مثل (الفتى والعصا ويخشى)، فالنحاة يقولون في هذا الباب كله تحركت الواو بحركة الإعراب وانفتح ما قبلها فسكنت وانقلبت ألفًا.

ويقال كذلك اللفظ قبل التركيب مع أن حركة الإعراب مفقودة إذ ذاك بفقد عاملها، فقد كان قياس الصناعة يقتضي أن يقال قبل التركيب الفتى والعصو ويخشى ويرضى بياء أو واو ساكنة في الآخر. كما تقول قبل التركيب رجل وزيد، لكن خرج هذا عندهم مخرج الاستعارة بحالة التركيب وبمراعاة المآل في اللفظ، ولأن من العرب من يقول في يوجل وييأس ياجل ويايس فالتزموا ذلك هنا لما ذكر.

وما اللذانِ يعملان دولةً = والعاملان فيه مَعْمولان يعني أسماء الشرط في مثل قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا ﴾ [الإسراء: ١١٠] فـ (أَيًّا) منصوب بـ (تَدْعُوا) و (تَدْعُوا) مجزوم بـ (أَيًّا) وهكذا نحو (من تضرب أضرب)، فالمفعولية في اسم الشرط بحق الاسمية والجزم يتضمن أن الشرطية، والرتبة في ظاهر اللفظ متضادة لوجود سبق العامل معموله فيهما.

ومفردٌ لفظا ومعنى فيهما = معنى كلام فيه لفظٌ ثان

يعني ضمير الشأن والقصة إذ هو مفرد في اللفظ والمعنى، لكن معناه الذي هو الخبر يفهم معنى كلام يفسره اللفظ الثاني بعده كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: ١] فهو عبارة عن الخبر أو الأمر أو الشأن وتفسيره الله أحد، وهذا إضمار مذكر، وإن شئت أنثت الضمير على معنى القصة كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَة أَبْصَارُ الَّذِينَ كفَرُوا ﴾ [الأنبياء: ٩٧].

وليس لهذا الضمير في كلتا حاليه من الأحكام الإعرابية إلا حكمان:

الرفع بالابتداء نحو ما تقدم، أو بكان وأخواتها، والنصب بإنَّ أو ماذا الذي في كبر مُؤنث وقبل ذاك كان في الذُّكرَانِ

يعني الذباب المسمى في كبر بنحلة وفى صغره بقراد وفيه أنشد صاحب الإيضاح:

وما ذكر فإن يكبر فأُنثَى = شديد الأزم ليسَ بذي ضروس

ما اسم لدى التذكير باد عسره = يرمى لأجل العدم بالهجْرانِ

وهو لدى التأنيث ذُو ميسرةٍ = من أجِل ذا قرت به العينان

يعني الخوان فإذا كان عليه طعام سمي مائدة فيقصى إذا كان خوانا ويدنى إذا كان مائدة وهذا والذي قبله ألغاز فيما هو من مسائل اللغة.

ما معربٌ مفعول أو مبتدأ = ولفظه جَرٌّ مَدَى الأزمانِ

يعني كأين وأيش يستعملان مفعولين أو مبتدأين نحو (كأين من رجل رأيت)، (وأيش قلتَ) ونحو (كأين من رجل جاءني)، و (أيش هذا)، واللفظ فيهما جر أبدًا، لأن كأين أصله كاف التشبيه دخلت على أي فجرتها، ثم أجرى اللفظ مجرى كم الخبرية في الاستعمال والمعنى (وأيش) أصله أي شيء ثم حذفت العرب الياء المتحركة من أي كما حذفوها من مَيْت وبابه، وحذفوا من شيء عينه ولامه معًا وأبقوا الفاء وجعلوها محل الإعراب الذي كان في اللام، فهذا باب من التركيب بقى الاسم الثاني فيه على إعرابه الأصلي.

ما اسمٌ له تغير بعامِل = محله مِنْ آخر حَرْفان

يعني امرءًا وابنما وأخاك وبابه لأنه يتغير فيه بالعوامل حرفان الآخر وما قبله بسبب الاتباع.

ما اثنانِ في أواخر مِنْ كلمةٍ = ضدانِ حَقا وهما مِثْلان

يعني كل لقبين متقابلين من ألقاب الإعراب والبناء الرفع مع الضم، والنصب مع الفتح، والجر مع الكسر، والجزم مع السكون، هما مثلان فى الصورة، ضدان في الإعراب والبناء بحسب الانتقال واللزوم.

ما فاعلٌ بالفِعل لكنْ جرُّه = مع السكون فيه ثابتان

يعني الصنبر في قوله طرفة:

بجفانٍ تعتري نَادينا = وسَديف حين هاجَ الصنبر

والصنبر البرد بسكون الباء:

قال ابن جني في خصائصه في وجه ذلك: كان حق هذا إذا نقل الحركة أن تكون الباء مضمومة لأن الراء مرفوعة، ولكنه قدر الإضافة إلى الفعل يعني المصدر كأنه قال حين هيج الصنبر، يعنى أنه نقل الحركة في الوقف إلى الباء الساكنة وسكنت الراء، لكنه لم ينقل إلا حركة توجد في الأصل وهى الجر الذي يوجبه إضافة مصدرها إلى الضمير، لأن الظرف قد أضيف إلى الفعل، وأصله أن يضاف إلى المصدر، فقد ثبت في هذا الاسم الجر المنقول مع سكون محله وهو الراء، والاسم مع ذلك فاعل بالفعل وهو هاج.

ما فاعلٌ ونائبٌ عن فاعل = بأوجه الإعراب يجريان

يعني مثل قولك (زيد قائم الأب وقائم الأب وقائم الأب) ونحو زيد مضروب الأب ومضروب الأب ومضروب الأب. بالحركات الثلاث

ما كلمةٌ قد أُبدلت عين لها = إبدالها يصحبه. قلبان

فأول لآخر وآخر = لأول حالاهما هَذان

يعني مسألة أنْيُق في جمع ناقة على أفعل أصله أنوق كما قالوا نوق، فأبدلوا العين في أنيق ياء، لكن هذا الإبدال صحبه قلبان أحدهما أنهم قلبوا العين سالمة إلى موضع اللام فصار اللفظ انقو، ثم فعلوا فيه ما فعلوا في أدل وأجر وبابهما فصار انقيا ثم لما صارت الواو المتطرفة ياء لوجوب ذلك قلبوها على حالها إلى موضع الفاء وهذا هو القلب الثاني، فصار اللفظ أنيقًا وعادت بنية الجمع إلى أصلها لخروج حرف العلة عن التطرف بنقله إلى موضع الفاء، فقد صار هذا الإبدال مرتبطًا بالقلب الأول الذي هو لآخر الكلمة، وبالقلب الثاني الذي هو لأولها فهذان حالان للقلبين المذكورين.

قال أبو القاسم الزجاجي في (نوادره): هذا المذهب في هذه الكلمة قول المازني وحذاق أهل التصريف.

ما كلمةٌ مفردُها وجمعُها = بواوه قَد يتماثلانِ

يعني في قولك (جاءني أخوك الكريم)، وجاءني (أخواك الكرام)، وهكذا أبوك تقول (هذا أبوك) (وهؤلاء أبوك)، يكون واحدًا من الأسماء الخمسة وجمعها بالواو والنون، ولكن حذفت النون للإضافة، وعليه أنشدوا.

فقلنا اسْلموا إنا أخوكم = فقد بَرأتْ من الإحنِ الصدورُ

وقال الآخر:

فلما تبين أصواتنا = بكَيْن وفدينَنَا بالأبينا

وأي جمع نصبه كالجر في = مفردِه إذ يتساويان

يعني قولك (رأيت أبيك الكرماء وأخيك الفضلاء) جمعا على حذف النون للإضافة، وتقول في المفرد (مررت بأبيك الفاضل) فيتساويان في اللفظ.

ما كلمةٌ متى أتى اسمٌ بعَدَها = فرفعُه والجرُّ جاريانِ

والفعُل بالرفع وبالجزم أتى = وهِي لهَا في كلِّ ذا معانِ

يعني كلمة (متى) يقع بعدها الاسم مرفوعًا تارة ومجرورًا أخرى ويقع بعدها الفعل مرفوعًا أو مجزومًا ومعناها مختلف باختلاف أحوالها، تقول (متى القيام) في الاستفهام ويرتفع الاسم وتقول العرب (أخرجها متى كمه) بمعنى وسط فجروا بعدها وجروا أيضًا بها بمعنى من كقوله:

إذًا أقولُ صَحا قلبي أتيح له = سُكر متى قهوة سارتْ إلى الرأسِ

أي من قهوة، وقال أبو ذؤيب:

شَرِبن بماءِ البحر ثم ترفَّعت = متى لُجج خضر لهنَّ نتيج

(متى) فيه بمعنى وسط عند الكسائي:

وقال يعقوب: هي بمعنى من وتقول (متى تقومُ) في الاستفهام فترفع الفعل ومتى تقمْ أقمْ في الشرح فتجزم.

ما حرف إن سبقه ذُو عمل = كَر عَلى العملِ بالبطلان

صدر ولكن ليس صَدْرا فله = تقدم تأخر وصفان

يعني لام الابتداء إذا وقعت بعد (أن) تقول (علمت أن زيدا قائم) فتعمل علمت في أن تؤثر فيها الفتح، فإن جرت باللام في الخبر بطل العمل فقلت (علمت أن زيدا لقائم) وهذه اللام أداة مصدر في محلها الأصيل لها وهو الدخول على أن، ولذلك منعت من فتحها ولا صدرية لها في موقعها، بعد أن فقد عمل ما قبلها فيما بعدها لأن (أن) رافعة للخبر الداخلة هي عليه، وعمل أيضًا ما بعدها فيما قبلها كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رحِيمٌ ﴾ [البقرة: ١٤٣].

فبالناس متعلق برءوف وتقول (إني زيدا لأضرب) فلهذه اللام هنا وصفان تأخر في اللفظ تقدم في الأصل.

بأيِّ حرفٍ إثر لعامل = إعراب معربٍ وذا شبهان

يعني (إن) فإنها تفتح بالعامل وتكسر دونه تقول إنك قائم وعجبت من أنك قائم، سمى سيبويه وقدماء النحاة هذا عملا، فهذا في الحروف وإعراب المعربات شبيهان فكأنه إعراب في الحروف.

مجرورُ حرفٍ قد يريك مبتدا = مؤكَّدا وإن له وجهان

يعني مثل قولك (الزيدان لهما غلامان) (والهندان لهما بنتان) (والزيدون لهم غلمان) (والهندات لهن بنات)، إن أخذت هذا الكلام على أن الثاني للأول ملك أو سبب كانت اللام جارة، وإن أخذته على أن الأول هو الثاني فاللام ابتدائية مؤكدة والاسم بعدها مبتدأ مؤكد بها، والكلام صالح للوجهين، يرجع في تعيين أحدهما إلى ما يقتضيه منصرف القصد من المعنى كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: ١٧٢، ١٧٣] فالمعنى المقصود عين أن الأول هو الثاني:

وأي مبنى به تلاعَبت = عَوامِلُ إرادة البيان

يعني الضمائر المختلفة الصور بالرفع والنصب والجر نحو أكرمتك وإياك أكرمتك على حد (زيد ضربته) أو (زيدًا ضربته)، في باب الاشتغال، و (بك مررت) في الجر، فاختلاف صور الضمائر بالعوامل مع أنها مبنيات كاختلاف أوجه الإعراب في المعربات.

ما كلمةٌ في لفظها وَاحدة = وجمعُها قَدْ يتعاقبان

(يعني مثل (تخشين) الله يا هند أو يا هندات)، و (ترمين يا دعد أو يا دعدات)، فهذا الفعل صالح للفظة الواحدة ولجمعها والتقدير مختلف؛ لأن تخشين للواحدة أصله تخشيين كتذهبين ولجمعها أصله على لفظ تفعلن كتذهبن، وترتمين للواحدة أصله ترتميين كما تقول تكتسبين. فأعل تخشين بما يجب لكل واحد منها في التصريف، وترتمين يا هندات تفتعلن على مقتضى لفظه.

كذلك للجمِع لفظٌ واحدٌ = ذكِّر أو أنث لا لفظان

يعني مثل (الزيدون يدعون والهندات يدعون)، قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ [يوسف: ٣٣]. فهذا يفعلن للإناث والأول يفعلون للذكور واللفظ فيهما واحد.

ما موضع يغلب الأنثى به = ولفظُه في الأصلِ للذكرانِ

يعني مثل سرنا خمسا من الدهر وخمس عشرة بين يوم وليلة، لأن الزمان يغلب فيه الليالى لسبقها، وليس ذلك في غيرها، ونزع التاء من أسماء العدد علامة تأنيث المعدود وذلك خاص بباب العدد، والأصل في اللفظ الخالي من علامة التأنيث أن يكون للمذكر كما في سائر الأبواب نحو (قائم) وسائر الصفات، ومن ههنا استقام ألغاز الحريري في العدد بقوله: ما موضع تبرز فيه ربات الحجال بعمائم الرجال يعني نزع التاء من أسماء العدد.

حَرفان قَدْ تنازَعا في عملٍ = واسمانِ للحرفيْن مطلوبانِ

يعني (ليت أن زيدا قائم)، فالاسمان بعد أن مطلوبان لها ولليت من جهة المعنى لكن العمل فيهما لأن، وأغنى ذكرهما بعدها عن ذكرهما لليت فهو إعمال مع تنازع بين حرفين، والشأن في التنازع اختصاصه بالأفعال وما يجرى مجراها وإنما خصه النحاة بذلك إذ قصدوا فيه ما يتصور فيه إعمال العاملين.

فيهما أيضًا فصيحا قد يُرى = فعل وحرفٌ يتنازعان

يعني مثل (علمت أن زيدا قائم)، فالاسمان قد يتنازع فيهما الفعل والحرف معا لكن الواجب أن يعمل الحرف وهذه كالمسألة قبلها.

وقد يُرى مبتدأٌ خبره = في الرفع والنصب له حالان

يعني المسئلة الزنبورية وبابها (كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي). قاله سيبويه، أو (فإذا هو إياها) قاله الكسائي وحكاه أبو زيد الأنصاري عن العرب، والضمير في الأول مبتدأ ولا خبر له من جهة المعنى غير الضمير الذي بعده لأنه المستفاد من الكلام، والخبر هو الجزء المستفاد من الجملة؛ فرفعه ظاهر جلي.

والنصب في القول الصحيح على إضمار فعل قام معموله مقامه وناب عنه بنفسه دون فعل يحصل معناه دون فعل، والتقدير فإذا هو يساويها، لأن باب (زيد زهير) إنما معناه يساويه.

ومما يدخل تحت هذا البيت ما أجازه بعض نحاة المتأخرين في مثل قول ابن قتيبة في الأدب، (إن اللطع بياض في الشفتين، وأكثر ما يعتري ذلك السودان)، والنصب، على أنه مفعول يعتري وما مصدرية أي أكثر اعتراء ذلك السودان، وهذا المفعول هو الذي أغنى عن الخبر لأنه الجزء المستفاد من الكلام.

فموضع الإلغاز من هذه المسائل دخول النصب فيما هو خبر لمبتدأ جوازا في اللفظ ولزوما في المعنى، ومثل كلام ابن قتيبة قولك (أكثر ما أضرب زيد).

ما علةٌ تمنعُ الاسم صَرفه = وهي وأخرى ليس تَمنَعانِ

يعني أن مثل (صياقل وصيارف وملائك) يمتنع صرفه بعلة تناهي الجمع، فإذا قلت صياقلة وصيارفة أنصرف مع بقاء الجمعية وانضمام التأنيث إليها، والتأنيث من علل منع الصرف، ولكنه بالتاء شاكل الآحاد، فلذلك انصرف كطواعية وعلانية وكراهية.

ما اسمٌ في الاستثناءِ منصوبٌ به = وهو أداته له الحكمان

يعني مسألة الاستثناء بغير وسوى نحو (قام القوم غيرَ زيد) فغير منصوب على الاستئناء فنصبه نصب الاستثناء وليس بمستثنى وإنما هو أداة استثناء، ومجروره هو المستثنى فهو غريب في بابه لأنه سرى إليه حكم مجروره فله حكم الأداة في المعنى وحكم المستثنى.

وهذا أشبه ما يقوله بعضهم في المفعول معه نحو جئت وزيدًا، أن الأصل جئت مع زيد فلما جاء الحرف وهو الواو وقع إعراب مع على زيد فاجتمع المسألتان في محكى الاسم بإعراب ملابسه.

ما اسمٌ يريك النصب في اسم بعده = وشأنُه الجرُّ لدى اقتران

يعني مسألة (لدن غدوة) فإن لدن مع غدوة لها شأن ليس لها مع غيرها قاله سيبويه، لأنها تنصب غدوة ولا عمل لها في غيرها إلا الجر كقوله تعالى: ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ [النمل: ٦].

ما اللذانِ جرّدا من صِلة = لكن هُما في الأصلِ موصولان يعني الموصولان في مثل قول العرب (فعلته بعد اللتيا والتي)، يعنون بعد صغر الأمر وكبره، أي بعد مشقة، فهما موصولان في الأصل، جردا من الصلة في الاستعمال، وقدر بعضهم بعد اللتيا دقت والتي جلت، وقيل اللتيا والتي يراد بهما الداهية.

وقد حكى بعض النحاة جاءني الذين واللاتي يعني الرجال والنساء ولا يريد إحالة على فعل شيء ولا على تركه.

ما معربٌ إعرابُه وحرُفه = كلاهما في الوصلِ محذوفان

يعني مثل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا ﴾ [آل عمران: ١٥٦]

فعلامة نصب غزى الفتحة المقدرة في الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين بالتنوين، فحذف من الكلمة نفسها الإعراب وحرفه الذي هو محله، وذلك مما ينافي حال الإعراب، لأنه وضع للبيان وهكذا الاسم المقصور إذا نون.

ما أثر في كلِمةٍ موجبة = وجودُه وفقْده سِيان

ويعني مثل (عيد)، أصله الواو من العود، وموجب انقلاب هذه الواو الساكنة ياء وجود الكسرة قبلها، ثم إن هذه الكسرة زالت وبقيت الياء في أعياد، فقد استوى وجود هذه الكسرة وفقدها مع أنها الموجبة، ومن هذه مسألة (أينق) المتقدمة (انظر صفحة ٧٠) لأن موجب الياء قد زال وهى باقية منبهة على قصد العلتين، إذ لو رجعت الواو لم تحمل إلا على قلب واحد.

ما عارضٌ رُوعي في كَلمةٍ = ولم يراعَ سمع الأمْران

يعني مثل الأحمر إذا نقلت حركة الهمزة إلى لام التعريف؛ فإن شئت أبقيت ألف الوصل غير معتد بالحركة المنقولة لأنها عارضة، وإن شئت حذفت الألف معتدّا بلفظ الحركة بعدها، وعلى هذا أجاز الفراء فى مذهب ورش أن يقرأ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ ﴾ [الأنفال: ٦٦] ونحوه بثبوت الألف وحذفها، وعلى هذا قريء: ﴿لَّمِنَ الآثِمِينَ ﴾ [المائدة: ١٠٦] بفتح نون (من) اعتبارًا بسكون اللام لأنه الأصل، كما تقول (مَن الرجل) وقريء في الشاذ “لملآثمين” بإدغام نون (من) في اللام اعتداد نون بحركتها كما تقول (من لدن)، وهذا وإن كان البيت يسترسل عليه فليس هو المعتمد وجود الأمرين معًا في الكلمة الواحدة والاستعمال الواحد سماعا من العرب. وذلك نحو ما حكى أبو عثمان المازني من قول بعض العرب في رضوا رضْيوا بسكون الضاد مع بقاء الياء فاعتدوا بالسكون العارض فردوا اللام التي كان حذفها لأجل الحركة، فقالوا رضيوا كما تقول في الأسماء ظبي، ولم يعتدوا بالسكون حين ردوا اللام ياء وأصلها الواو من الرضوان وإنما أوجب انقلابها ياء لكسرة في رضى كسقى ودعى وبابهما، فراعوا الكسرة الذاهبة في الياء الباقية فتدخل على هذه الكلمة العلة في البيت قبل هذا، مع ما ذكر فيه من أعياد ونحوه.

ما اسمٌ كحرفٍ من الاسم قبله = هما كواحدٍ والأصلُ اثنان

يعني (اثني عشر) في باب العدد، حذفت العرب نون اثنين منه لتنزيلها عشر منزلتهما إذ الإضافة فيه ولهذا يقولون أحد عشرك وخمسة عشرك إلى سائرها، ولم يقولوا اثني، كما لا يصح في اثنين أن يضاف وفيه النون، (فاثنا عشر) كاسم واحد في دلالته على مجموع ذلك العدد كدلالة عشرين، وأصله اسمان اثنا وعشرة، لكن في قوله في البيت: (الأصل اثنان) دون ضميمة، ففى البيت شيء مما تقدم في قوله ها هو للناظر كالعيان، وفى قوله (يا هؤلاء أخبروا سائلكم) وفى قوله (ما كلمة عن اسم بعدها)، وسيأتي التنبيه على نحو ذلك.

واسمٌ له الرفع وما مِن رافعٍ = يوجدُ من قاصٍ ولا منْ دانِ

يعني الضمير الواقع فصلا المسمى عند الكوفيين عمادا لأنه اسم مرفوع دون رافع منه ولا قريب، وهو بدع من الأسماء في اللسان، ولهذا وقع في كتاب سيبويه وعظيم والله جعلهم فصلا.

وما مِنَ الحروفِ يلغى زائدا = في لفظٍ أو معنى هما قسمان

أو فيهما واسمٌ وفعلٌ لهما = هنا دخولٌ أين يدخلان

يعني أن من الحروف ما يلغى زائدًا في اللفظ خاصة نحو (جئت بلا زاد)، ونحو ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ ﴾ [التوبة: ٤٠] و ﴿لا يَضُرُكُمْ كَيْدُهُمْ ﴾ [آل عمران: ١٢٠] أو في المعنى خاصة نحو ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ [النساء: ١٧١] و ﴿إِنَّمَا يَأتِيكم بِهِ اللَّهُ ﴾ [هود: ٣٣] و ﴿كَاَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرونَ ﴾ [الأنفال: ٦]. (فما) في المعنى زائدة وهي فى اللفظ معتمدة كافة أو مهيئة، أو تكون الزيادة في اللفظ والمعنى معا كقوله تعالى: ﴿فَبمَا رَحْمَةِ منَ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، و ﴿فَبِمَا نَقْضهم ﴾ [النساء: ١٥٥] و ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ ﴾ [نوح: ٢٥]، فهذه أقسام ثلاثة في زيادة الحروف مع أنها حروف معانٍ، فزيادتها على خلاف الأصل، ويعنى بدخول الاسم في باب الزيادة نحو قول عنترة:

يا شاة من قنص لمن حَلَّت له = حرمت عليَّ وليتَها لم تحرمِ

روى ما قنص ومن قنص على الزيادة وإضافة شاة إلى قنص؛ هذا هو الظاهر، وقد تؤولت (من) على الزيادة بتكلف.

وقد استجاز أهل الكوفة زيادة حين في مثل (زيد حين بقل وجهه) وكقولهم (وجهه حين وسم)، وقد رأى بعضهم زيادة أسماء الزمان (كيوم وحين) عند إضافتها إلى (إذا) كقولك (يومئذ وحينئذ) لأن ذلك اليوم والحين هو مدلول إذ، وقد اكتفى بها وحدها كقول الشاعر:

نهيتُك عن طِلابِك أمَّ عمرٍو = بعافيةٍ وأنتَ إذ صحيح

وقد تأول قوم ذلك على أن الحين هو المعتمد وسيقت (إذ) لتدل على مضيه بنفسها وعلى ما حذف مما هو مراد بتنوينها.

قال: وذلك لأنهم أرادوا قطع يوم أو حين عن الإضافة مع التعويض ولم يصح لتعويض التنوين فيه من الجملة المحذوفة إذ هو مشغول بتنوين التمكين الذي هو من أصله فلا يحتمل تنوينه على غيره، فجاءوا بإذ تعيينا للمضي الذي يحرزه وتحصيلا للدلالة على المحذوف بالتنوين الذي يقبله، فقالوا حينئذ (أى حين كان ذلك)، ولهذا قلما يوجد في كلام العرب إذ هذه المتصلة بالزمان مضافة غير منونة، لكن هذه لا تخلص من دعوى زيادة الحين؛ لأن إذ تغني عنه، لأنها تخلص الزمان ومضيه، كما اكتفى بها في البيت المتقدم. ونعني بدخول الفعل في باب الزيادة مثل قوله:

سُرَاةُ بَنِي أبي بَكْرٍ تَسَامَوا = عَلَى -كَانَ- المُسَوَّمَةِ العرابِ

فزاد كان بين الحرف ومجروره، وكقولهم (ما أصبح أبردها وما أمسى أدفأ العشية) وكذلك (ما كان أحسن زيدَا)، فكان زائدة في اللفظ ومحرزة لمعنى المضي.

ما شكلُ أفعالٍ يرى جمعا ولم = يصرفْ ولم يشركه في ذا ثاني يعني أشياء جمع شيء من جهة المعنى، وهو في ظاهر أمره على شكل أفعال جمع فعل كفيء وأفياء وحي وأحياء، فكان القياس صرفه كنظائره لكنه لم يصرف، قال الله تعالى: ﴿لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ﴾ [المائدة: ١٠١] ولم يشركه في هذا شيء مما هو من بابه.

ثم اختلف النحاة في وجهه فهو فعلاء مقلوبًا عند أهل البصرة أصله شيآء فقدمت الهمزة، وأفعلاء محذوفا عند الفارسي من الكوفيين والأخفش من البصريين أصله أشيئاء جمع شيء فخففا معا بحذف الياء المكسورة والتزم التخفيف، وهو عند الكسائي وأكثر الكوفيين أفعال مشبه بفعلاء فمنع ومن ههنا جمعوه على أشياوات.

ما فعل أمر وخطاب صالح = بعينِه وَمْنقضى الزمانِ

يعني مثل (خافوا وناموا وتذكروا وتعالوا) يصلح هذا ونحوه للأمر على جهة الخطاب، وللفعل الماضي على جهة الغيبة.

وَصيغة الماضي ترى مضارعًا = من لفظِها فيه يُرى الفِعْلان

يعني مثل (تحامى وتعاطى وتسمى وتزكى) كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى ﴾ [الأعلى: ١٤] فهذا ماض وكقوله سبحانه: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى ﴾ [النازعات: ١٨]؛ على قراءة التخفيف فهذا مضارع على حذف التائين، ويحتمل الوجهين بيت امرئ القيس:

تحاماه أطراف الرماح تحاميا = وَجاد عَليه كل أسحم هَطَّال

ويتعين المضارع في قول الآخر (قروم تسامى عند باب رفاعة).

وأيّ كلمتين في كلمةٍ = وأي فِعلين هما خصمان

يعني بكلمتين في كلمة مثل (عبشمي) في عبد شمس (وعبقسي) فى عبد قيس (وعبدري) في عبد الدار.

ويعنى بالفعلين الخصمين فعلا التنازع نحو ضربت وضربني زيد؛ لأنهما قد تنازعا المعمول كما يتنازع الرجلان الشىء عدوا، والمتنازعان خصمان لأن كل واحد يخاصم صاحبه ويدفعه.

وأي مضمرٍ مضاف = وأيّ أشياء هُما شيئان

يعني بالمضاف من المضمرات قول العرب (إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشباب) بناء على أن إيا هو الضمير.

ويعنى بالأشياء عبارة عن شيئين في مثل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ [التحريم: ٤]، والمراد قلبان خاصة.

ما واحدٌ ليسَ بذي تَعددٍ = لكنه يقال فيه اثنان

يعني اليوم الذي بعد الأحد من الأيام يطلق عليه اثنان وهو واحد، تقول ليلة الاثنين، والاثنان اسم عدد كثلاثة وأربعة وليس بعلم فجاء للواحد على خلاف وضعه، وإنما كان القياس أن يقال ثان.

أو اسم مشتبه اللفظ بالاثنين كالثلاثاء والأربعاء والخميس.

ما اسمٌ يجيء فاصلا حتى به = الخافِض والمخفُوض مفصولانِ

يعني الألف واللام الموصولة على القول باسميتها تفصل من العوامل كلها على اطراد بخلاف (الذي والتي) مع أنهما بمعناها، ولا يطرد الفصل بين الخافض والمخفوض بغيرها من الأسماء، والصحيح اسميتها لوضوح ذلك فيها حيث تقع على غير ما تقع عليه صلتها، نحو (مررت بهند المكرمها أنا)، فالألف واللام واقعة على هند ومكرم للمتكلم فوضعها هنا وضع التي.

وما الذي وهو حرفٌ خافضٌ = يفصلُ ما أضيف باستحسان يعني مثل (لا أبا لزيد)، و (لا أخا لعمرو) و (يا بؤس للحرب) و (لا غلامى لك)، و (لا يدى لك بكذا)، فاللام حرف جر في الأصل مقحمة بين المضافين، هذا في بابها وهو خلاف القياس.

وكيفَ للموصول يلفى صِلة = فهكَذا ألفى مَوْصولانِ

يعني مثل (جاءني الذين الذي أبوه منطلق منهم) أي جاءني الذي منهم الذي أبوه منطلق، وقد أنشدوا:

من النفرِ اللاءِ الذين إذَا هم = يهابُ اللئام حَلقة الباب قَعقَعوا

قيل: الذين توكيد للاء وقيل هم هو من صلة، أي اللاء هم الذين، ويصح في الكلام أن يقال (التي الذي يأتيها تلزمه هند)، على معنى التي تلزم الذي يأتيها هند، وهكذا ما كان مثله.

وما الذي بُني وفى آخره = دليلُ إعراب لذى تبيانِ

وذلك الإعرابُ في اسمٍ سابقٍ = وذلك الدليلُ في اسمٍ ثان

يلفَى لديه عِوضا من خبرٍ = أم ليسَ لذاكَ يجتمعانِ

حرف لإعرابٍ بمبني وقد = نابَ عن اسمٍ حَلَّ في المكان

يعني هذه الأبيات الأربعة حكاية النكرات بمن نحو (منو)، في حكاية المرفوع (ومنا) في حكاية المنصوب (ومنى) في حكاية المجرور، فمن مبنية وهذه العلامة اللاحقة دليل الإعراب الذي في الاسم السابق، ومن مبتدأ أغنت تلك العلامة عن خبره وقامت مقامه، ولذلك لا يجمع بينها وبين الخبر فلا يقال (منو ومنا الرجل)، والبيت الرابع محصل لما تقدم في الأبيات الثلاثة، فالاقتصار عليه وحده مغن عما قبله. فيقال:

ما حرف إعراب بمبني وقد = ناب عن اسم حل في المكان

ما فعلُ أمر جائز الحذفِ سوى = حركة تَبقى عَلى اللسانِ

يعني فعل الأمر من (وأي يئي) بمعنى الوعد تقول فيه (إيا زيد)، إن وقع قبله ساكن من كلمة ونقلت حركة الهمزة إليه على قياس الهمزة قلت (قل بالخير يا زيد) أي عدنا بخير، (وهند قالت بخير يا عمرو)، فلم يبق من الفعل غير الكسرة في لام قل، وتقول على هذا (يا زيد قلي يا هند) فبقيت الحركة، والياء بعدها إنما هي ضمير الفاعل الذي كان متصلاً بفعل الأمر المحذوف.

ما اسم له حركةٌ بعامل = ينسخُها حركةُ اقتران

يعني مثل (الحمدِ لله) فيمن كسر الدال ونحو ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ﴾ [البقرة: ٣٤]، فيمن ضم تاء الملائكة فحركة الإعراب ذهبت بحركة الاتباع وهى حركة الاقتران.

ما معربٌ في لفظِه حركة الإعـ = راب والسكون حَاصلان

يعني مثل البكر إذا وقفت عليه بنقل حركة آخره إلى الساكن قبله فى لغة من يقف بالنقل، تقول هذا البكر ومررت بالبكر ففي اللفظ حينئذ حركة الإعراب والسكون معا كلاهما حاصل فيه.

ونحو دُنيا مع صِنو مظهر = في كلمةٍ فأين يدغمان

يعني النون الساكنة وبعدها ياء أو واو في كلمة يجب إظهارها فرارًا من اللبس بالمضاعف لو أدغمت وبابها الإدغام، فإذا لم يكن لبس روجع الأصل فوجب الإدغام نحو انفعل، إذا بنيته من وجل أو من يئس، تقول أوجل وأيأس؛ فتدغم إذ لا لبس هنا لعدم أفعل في كلامهم ووجود انفعل.

ما عاملٌ وعمل قد أُهملا = وفى انعدامٍ قد يقدران

يعني مسألة (ليس زيد بقائم ولا قاعدًا)، لك أن تهمل الباء وعملها فى تابعها فتنصبه على الموضع كما قال:

مُعاوِيَ إننا بشرٌ فأسجع = فلسنا بالجبالِ ولا الحديدا

فقد أهملت في التابع الباء وعملها مع وجودها، ثم ثبت من كلام العرب مراعاتها مع عدمها كقول زهير:

بَدا لي أني لستُ مدركَ ما مضى = ولا سابقٍ شيئا إذا كان جَائيا

يروى بجر سابق على توهم ألست بمدرك، وبيت سيبويه.

مشائمُ ليسوا مصلحين عشيرةً = ولا ناعبٍ إلا بين غرابها

جر ناعب على تقدير ليسوا بمصلحين، ففي هذا بدع من الاعتبار أن يطرح الشيء مع وجوده ثم يعتبر مع عدمه.

ما ذُو بناءٍ مع تصدر أتى = حالاه في ذَين مخالفان

يعني حكاية يونس من قول بعض العرب (ضرب مَن منا)، قال ضرب رجل رجلاً، فهو سأل عن الضارب وعن المضروب منهما فأخرج (مَن) الاستفهامية عن بنائها، وعن صدريتها الواجبة لها وهو نادر في بابه.

فهذه سبعون بيتا أكملتْ = قصيدةً ملغوزة المعاني

عقيلةٌ قد سَدلت ستورَها = تكشفها ثواقبُ الأذهان

بِكر عليها حُجب كثيفةٌ = تقول للخطاب لن تراني

حتى تُعاني في طلابي شدةً = وينحلُ القلب المعنى العاني

والحمدُ لله الذي عَرَّفنا = من فضله عوارفَ الإحسان

وصلِّ يا ربِّ على من أحكمت = آياته في مُحكمِ القرآنِ

فهذا تمام الشرح في طرز على القصيدة اللغزية في المسائل النحوية مما قيده ناظمها إبانة لغرضه منها والله الموفق للصواب. انتهى.

تَمَّ كتاب ( الألغاز النحوية وهو الكتاب المسمى (الطراز في الألغاز) بعون الله

ترك تعليق