ومن ذلك قوله في هذا الباب:

والرفع بعد إذا وحيث جائز في مثل، حيث زيد لقيته فأكرمه، وإذا زيد تلقاه فأكرمه.

قال محمد: أما حيث فلا بأس بابتداء الاسم بعدها، لأنك قد تقول: جلست حيث عبد الله جالس، وأما (إذا) هذه فابتداء الاسم بعدها محال، وذلك أنك [لا] تقول: اجلس إذا عبد الله جالس، وقد نقض هذا قوله: إذا كانت لظروف الزمان في معنى الماضي فأضفها إلى الفعل إن شئت، وإن شئت /١٨/ فإلى الابتداء والخبر، لأنها في معنى إذ، وإذ تضاف إلى ما ذكرت، وإذا كانت في معنى (إذا) فلا تضفها إلا إلى الفعل، لأن (إذا) لا تضاف إلا إليه.

فأما (إذا) التي تكون للمفاجأة فتلك تقع بعدها الأسماء، وهي وهي غير هذه وذلك قولك: خرجت فإذا عبد الله قائم، وإن شئت قلت: فإذا عبد الله، وتسكت ولا تحتاج إلى جواب، لأنها للمفاجأة لا التي وصف، وقد أجاز في غير هذا الباب الرفع في هذا البيت:

إذا ابن أبي موسى بلال بلغته … فقام بفأس بين وصليك جازر

 

ولا يجوز الرفع على ما ذكر، لأنه يرفعه بالابتداء، ولكن يجوز على أن تضمر بلغ، وتفسيره بقوله: بلغته، ومثل إجازته الرفع في (إن) قوله:

لا تجزعي إن منفسا أهلكته … فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي

 

والقول فيه متى رفع أن يكون على إضمارك هلك، أي: إن هلك منفس، وتفسيره بقوله:

أهلكته، ، وهذا التفسير في البيتين قول أبي عثمان.

قال أحمد: قوله: ابتداء الاسم بعد (إذا) محال، لأنك لا تقول: اجلس إذا عبد الله جالس، فهذا لا يجوز بهذا اللفظ، ولا هو الذي أجازه سيبويه، وإنما يجيز مثل قولك: اجلس إذا عبد الله جلس، فتكون الجملة بعد (إذا) مبنية من اسم وفعل، إلا أنه قدم الاسم على الفعل، فقبح من جهة الترتيب، فأما أن يكون محالا فلا، ولكنه عند سيبويه في قياسه من باب المستقيم القبيح، فاستقامته من جهة معناه ولفظه، وقبحه من جهة ترتيبه، لأنه أولا قدم الاسم وأخر الفعل، وهذا مثل قوله:

…………….. وقلما … وصال على طول الصدود يدوم

وحكم (قلما) أن يليها الفعل.

فأما قوله: إنه ناقض، لأنه ذكر أن ظروف الزمان إذا كانت في معنى الاستقبال لم تضفها [إلا] إلى الفعل، لأن الفعل لا يضاف إلا إليه، فلم تضف (إذا) إلا إلى الفعل في المسألة التي ردها، وهي قوله: إذا عبد الله تلقاه فأكرمه، لأن الإضافة إلى الفعل إنما هي إضافة إلى الجملة، والمعنى سواء قدمت الاسم على الفعل أو [الفعل] على الاسم، فالمعنى في ذلك واحد غير متغير ولا منتقض، وإنما يقبح تقديم /١٩/ الاسم من جهة الترتيب لا أن المعنى مختلف، فهو إذا قدم الاسم أو أخره، إنما يضيف إلى تلك الجملة بعينها، لأنه لا فرق بين قولنا في المعنى: زيد قام، وقام زيد، وكذلك إذا زيد تلقاه، وإذا تلقى زيدا، هما واحد في المعنى، ولو كانت (إذا) مضافة إلى الفعل دون الفاعل لكنا إذا قدمنا الاسم وأضفنا إليه دون الفعل أيضا خفضنا الاسم، ولما لم يكن ذلك كذلك كانت الإضافة إلى الجملة المبنية من اسم وفعل، وكان المعنى في الوجهين- أعني تقديم الاسم وتقديم الفعل لأنهما قبل دخولهما (إذا) متساويان في جودة المعنى والترتيب- وبعد دخول (إذا) متساويان في المعنى غير متساويين في جودة الترتيب.

فأما ما حكاه عن أبي عثمان في تأويل البيتين على قول من رفعهما:

إذا ابن أبي موسى بلال بلغته *** لا تجزعي إن منفس أهلكته

من أنه يضمر إذا بلغ ابن أبي موسى، وإن هلك منفس، فهذا الذي تأوله قبيح، لأنه أضمر ما يرفع وفسره بما ينصب، وإنما يضمر مثل ما يظهر ليكون ما ظهر مفسرا لما أضمر، وهذا قول جميعهم، ولو جاز ما ذكره للزمه أن يضمر فعلا ناصبا ويفسره بفعل رافع، فيقول: أزيدا ضرب أبوه، على معنى أهنت زيدا ضرب أبوه، فإن أجاز ذلك فهو نقض لجميع مذهبهم ولهذه الأبواب التي وافقوه عليها وسلموها إليه وعملوا مسائلهم بها.

المصدر: الانتصار لسيبويه على المبرد

ترك تعليق