الضبط العام والخاص للحروف

الضبط العام والخاص للحروف

صور جمع علمائنا بين الاختصار والدقة في الكتابة: الضبط بالحروف خشية التصحيف (2)

مقدمة المقال

ظهر العقل العربي في كثير من تجلياته مائلًا إلى القصد والاختصار والبعد عن التفصيل والبسط؛ تمشيًا مع طبيعة البيئة العربية التي كان ينقصها في أحيان كثيرة عوامل هذا التفصيل والبسط. ومن مظاهر هذه الروح: الخط العربي؛ فمن المعلومِ أن الحروفَ الأصليَّةَ للعربية وإن كانت تسعةً وعشرين أو ثمانيةً وعشرين حرفًا – على الخلاف في عَدَدِها – إلا أن صُوَرَ هذه الحروف في الرسمِ الإملائيِّ أقلُّ من هذا العدد؛ إذِ استُخْدِمَتِ الصورةُ الواحِدَةُ لأكثَرَ مِن حرفٍ. ويهدف هذا المقال إلى بيان جهود العلماء في الضبط بالحروف خشية التصحيف، مع تفصيل أنواع هذا الضبط ومواطن جمعها.

الضبط العام للحروف:

وبتَأَمُّلِي لِمَا وَرَدَ في كلام العلماء وضبطِهم للحروفِ المشتَبِهة؛ وجدت أن للعلماءِ ضبطًا عامًّا للحروف كلها، وضبطًا يَخُصُّ بعضَ الحروفِ دُونَ بعض:

أولًا: الضبط العامُّ للحروف:

وهو الضبط الذي تشترك فيه الحروفُ كلها أو معظَمُها في بعض خُطواته، وله مسلكان؛ وهما: أن يُبتدأ بطريقةِ ذِكرِ اسم الحرف، أو بطريقةِ ألا يُبتدأ بها.

المسلك الأول: الابتداء في الضبطِ بطريقة ذكرِ اسم الحرف:

الخُطوة الأُولَى: بالنظر في عادات العلماءِ في ضبطِ الحروفِ المشتبِهة يتبين أنَّ من مَنَازِعِهم المُهِمَّةِ في الضبطِ: الضبطَ بذكرِ اسم الحرف، فلو قِيلَ مثلًا – كما في “معالم التنزيل” للبغوي (2/167) -: ((قَرَأَ حَمْزَةُ والكِسَائِيُّ قولَهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] بالنُّون، وهي الرِّيحُ الطَّيِّبة)) فإنَّ ذِكْرَ اسمِ الحرفِ الذي اختلفت قراءتُهُ هنا (النون) يمنعُ توهُّمَ القارئِ للكلام أنها كقراءة عاصِمٍ ﴿بُشْرًا﴾ بالباء؛ لَمَّا اشتبه مُسمى الحرفين أو صورتهما (ب) (ن)؛ لا سيما مع عدم النقط في كثير من المخطوطات، هذه هي الخُطوة الأُولَى في تقييدِهم وضَبْطِهم للحروفِ المشتَبِهة، وهي: الاكتفاءُ بذكرِ اسمِ الحرف، وقد يكون النَّصُّ على اسمِ بعضِ الحروفِ مُغْنِيًا عن غيرِهِ مِن الأوصاف في تجنُّب وقوعِ التصحيف والتحريف، وذلك كما في الأَلِف، والجيم، والزاي (إذا عُبِّرَ عنها هكذا؛ لا إذا قيل عنها: الزَّاء)، والفاء، والقاف، والكاف، واللام، والميم، والنون، والهاء، والواو.

والخطوة الثانية: التنبيه على الإعجام والإهمال، والإعجام: هو نقط الحرف، والإهمال: هو عدمُ نَقْطِهِ، وهذه الطريقةُ إنما تُغني عن غيرِها غناءً تامًّا في الحروف التي ليس لها إلا نظير واحد في الاسم منقوطًا أو مهملًا وإن كان لها أكثرُ من نظير في المسمى (الصورة)[2]؛ فيقال عن الحرف المنقوط: (مُعْجَم)، وعن غيرِ المنقوط: (مهمل)، كالحاء والخاء، والدال والذال، والراء والزَّاء (عند مَن عبَّرَ بذَلِكَ عن الزَّاي)، والسين والشين، والصاد والضاد، والطاء والظاء، والعين والغين، فيقال في ضبط هذه الحروف: بالدال المهملة، وبالشين المعجمة، وبالعين المهملة… وهكذا، وفي “مفاتيح الغيب” للرازي (7/32): بالزاي المنقوطة من فوق، وفيه (21/211): ((أما ((رِئْيًا)) فقُرِئَ على خمسَةِ أوجُهٍ؛ لأنَّها إِمَّا أن تُقرأ بالراء التي ليس فوقَها نُقطة، أو بالزاي التي فوقَها نُقطة)).

وقد يعبر بـ(المنقوطة) بدلًا من المعجمة، كما عبر به أبو العباس القرطبي في “المفهم” وهو قليل.

وإنما يُلجأ إلى هذه الخطوة من النص على الإعجام والإهمال وعدمِ الاكتفاء بذكر اسم الحرف؛ لأن أسماء هذه الحروف أيضًا يدخلها الاشتباه مع عدم النقط، ولا يُحَقِّقُ ذكرُها وحدَهُ المقصودَ مِن تحديدِ الحرف؛ فلو اكتفى العالِمُ عند حديثِهِ مثلًا عن قراءةِ ابنِ عبَّاسٍ وعِكْرِمَةَ وابنِ يَعْمَرَ وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيز والنَّخَعِيِّ وابنِ سِيرينَ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 9] – بأن يقول: ((فَأَعْشَيْنَاهُمْ، بالعين))، لَمَا اتضَحَ مقصودُهُ لبعض الناس عند عدَمِ النقط، ولَظَنُّوا أن الكلامَ إنما هو على قراءةِ الجمهور: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ بالغين المعجمة؛ فيُلجأ إلى أن يزيد وصفًا، فيقول في قراءة الجمهور: بالغين المعجمة، وفي القراءة الأُخرى: بالعين المهملة.

والخطوة الثالثة: التنبيه على عدد النُّقَط، وهذه أيضًا من طُرُقِهم في رفع الاشتباه بين أسماء الحروف، ويكفي هذا القيدُ في الحروف التي لها نظائرُ في الاسم والمسمى (الصورة) منقوطةٌ بعدد من النُّقَط يَختلفُ به الحرفُ عن نظيره في الاسم من الحروف؛ كالباء والثاء، فيقولون: بالباء الموحَّدة، والثاء المثلثة، أو يقال: بالباء بواحدة، وورد عنهم بقِلَّةٍ استخدامُ ذلك في غيرِ ما له نظائرُ منقوطةٌ، وذلك في قول أبي العَبَّاس القُرْطُبِيِّ: بالشين المثلثة.

والخطوة الرابعة: التنبيه على مكان النُّقَط، وهي خطوةٌ متداخلةٌ مع الخطوة التي قبلها؛ فقد يُغني أحدُهما عن الآخر، وقد يتحتم النص عليهما معًا، وهذه الخطوة تكونُ في الحروف التي لها نظائرُ في الاسم والمسمى (الصورة) منقوطةٌ من أعلى وأخرى من أسفل، كالباء والتاء والثاء والياء، فيقال عن الباء: التحتية، وعن التاء: الفوقية أو الفوقانية، وعن الياء: التحتية.

والأكثر في صنيعهم هو الجمعُ بين التنبيه على عدد النقط وعلى مكانها؛ فيقال عن التاء مثلًا: بالتاء المثناة الفوقية أو من فوق، وعن الياء: بالياء المثناة التحتية أو من تحت.

هذه هي الخطوات الأربعُ لضبطِ الحرف مع ذِكْرِ اسمه، فإن كانَتِ الخُطْوَةُ الأولى مزيلةً للالتباس وقفوا عندها، وإلا انتقلوا إلى الخطوة التي تليها، وما ورد في كلام العلماء مِن جمعٍ بين هذه الخطوات مع أن الالتباسَ ارتفع من الخطوة الأُولى، إنما يُحمل على مزيد التأكيدِ على الحرف، أو على خبرةٍ سابقة لهذا العالِمِ بوقوعِ تصحيفٍ أو تحريفٍ في هذا الحرف بعينه.

المسلك الثاني: عدم الابتداء في الضبط بطريقة ذكرِ اسم الحرف:

إذا لم يُبتدأ الضبطُ بذكر اسم الحرف، فإنَّ رفع الاشتباه يعتمدُ على وجود الحرف المرادِ ضبطُهُ في الكلمةِ مرسومًا ويُكتفى بذكرِ وصفٍ أو أكثَرَ مِن الخطوات السابقة لرفع الالتباس بغيره من الحروف، ولا يُعمل بهذا المسلك في الضبط مع الأَلِف، والكاف، واللام، والميم، والهاء، والواو، فالخطوات الواردة في الضبطِ مع عدم ذِكر اسمِ الحرف هي:

الخطوة الأولى: النص على الإعجام والإهمال، وذلك في الحروف التي لها نظيرٌ في المسمَّى معجمٌ وهي مهملةٌ أو العكس، وذلك في الدال والذال، والراء والزاي، والسين والشين، والصاد والضاد، والطاء والظاء، والعين والغين؛ فيتميزُ كلٌّ من النظيرين المعجَمِ والمهمَلِ بمجرَّدِ النص على الإهمال والإعجام؛ فيقال: بالمهملة أو: بالمعجمة، أو في الحرف الذي له نظيرانِ معجمان وهو مهمل، وهو الحاء، وهنا لا يتميز إلا النَّظِيرُ المُهْمَل.

والخطوة الثانية: التنبيه على عدد النقط، وذلك في الحروف التي لها نظائرُ في المسمى منقوطةٌ بعدد من النُّقَطِ يَختلفُ به الحرفُ عن نظيرِهِ أو نظائِرِهِ في المُسَمَّى مِنَ الحروف؛ كالثاء، والفاء والقاف، فيقال عن الثاء: بالمثلَّثة، وعن الفاء: بالموحدة، وعن القاف: بالمثناة.

والخطوة الثالثة: الجمع بين التنبيه على الإعجامِ والإهمال ومكانِ النقط: وذلك في الجيم والخاء؛ إذ لكلٍّ منهما نظيرٌ في المسمى (الصورة) معجمٌ ومهمل.

والخطوة الرابعة: الجمع بين التنبيه على عدد النُّقَط ومكانها، وذلك في الحروفِ التي لها نظائرُ في المسمى (الصورة) منقوطةٌ من أعلى وأخرى من أسفل، كالباء والتاء والنون والياء.

—

 الضبط الخاص ببعض الحروف

هناك أوصافٌ خاصةٌ غيرُ تلك الأوصاف السابقةِ ضَبَطَ بها العلماءُ الحروفَ التي قد يقعُ فيها التباسٌ أو اشتباهٌ يُؤدِّي إلى التصحيف أو التحريف، وهذه الأوصافُ – فيما رأيت – تأتي إما مِن جهةِ رقمِ الحرف وترتيبِهِ ومكانِهِ بين حروفِ الهجاء، أو مِن جهةِ شكلِ الحرفِ وصورَتِهِ، أو من جهاتٍ أخرى غيرِ الخط والإملاء:

أما الجهةُ الأُولَى: فقد استَعْمَلَ بعضُ العلماء وصفَ الحرفِ برقمِهِ وترتيبِهِ ومكانِهِ في حروفِ الهجاء؛ حتى يرفعوا التباسَهُ بغيرِهِ، وهذا في أوائل الحروف وآخِرِها في الترتيب؛ وذلك مع الباء والتاء والثاء والياء، فيقولون: بالباء ثانيةِ الحروف، وبالتاء ثالثةِ الحروف، وبالثاء رابِعَةِ الحروف، وبالياء آخِرِ الحروف، ويعنون بذلك ترتيبَ الحرف في الحروف الأَلِفْبَائِيَّة؛ وهذا الوصف يصدُقُ على ترتيبِ الأَلِفْبَائِيَّةِ الذي يَحْفَظُهُ الأطفالُ للحروف – وهو: (أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن هـ و لا ي) – وهو ترتيبُ كُتَّاب المَشْرِق، وكذا على ترتيبها عند قدماء كُتاب الأندلس والمغرب، وترتيبُ الحروف عندهم – كما نَصَّ عليه غيرُ واحد، منهم القلقشندي في “صبح الأعشى” (3/24) – هو: (أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ و لا ي).

وأما الجهة الثانية: فقد وقفتُ على بعضِ الأوصافِ لحروفٍ خاصَّةٍ استنبطها العلماءُ مِن شكل الحرفِ وصورَتِهِ، أرادوا بها أيضًا رفعَ الالتباس والاشتباهِ بين الأحرف، فمِن ذلك:

– التاء: قالوا: التاء الممطوطة، أو: التاء المجذوبة، أو: التاء المجبورة، أو: التاء المفتوحة، والوصف الأخير هو المشهور، ويعنون بكل ذلك حرفَ التاء (ت)؛ لئلَّا يلتبسَ بما تشابَهَ في اسمِهِ وصورته من الحروف كالباء والثاء، ويقولون: بالتاء المربوطة، ويقولون عنها أيضًا: بالهاء المندرجة تاءً، وصورتها: (ة)؛ لأنها عندما تكون في دَرْجِ الكلام ووَسَطِهِ تُنطقُ تاءً، أمَّا إنْ وُقِفَ عليها فتُنطقُ هاءً في أفصح لغاتها، وقالوا في مقابِلِها: بالهاء الصريحة، لهاء الضمير أو الكناية التي في (منه) و(إليه).

– الضاد: قالوا: بالضاد الساقِطَة، أو المُنْبَطِحَة.

– الطاء: قالوا: الطاء المُشَالَة، وهذا الوصف مستخدم مع الطاء في كتاب “تاج العروس” للزَّبِيدِيِّ (3/258) (فصل الطاء المهملة المشالة) وفي غيره، وهو وصفٌ قليلُ الاستعمال مع الطاءِ كثيرٌ مع الظاء، والمُشَالَةُ بمعنى المُرْتَفِعَة؛ لأن عليها في رسمِها عصًا، في مقابل الضَّادِ التي ليست بمُشالة أي ليس في رسمها عصًا، هذا في التفريقِ بينها وبين الضاد، أما إن التبست بالظاء فيفرقون بينهما بأن يقولوا عن الطاء: بالمهملة، وعن الظاء: بالمشالة، أو: بالمعجمة المُشالة؛ لأن الوصف بالمشالة أكثرُ مع الظاء كما سبق.

– الظاء: قالوا: بالظاء القائمة، أو: الظاء المُشَالَة.

وأما الجهة الثالثة: فهناك من الأوصاف الصوتية وغيرها ما يُلحقه العلماءُ بالحرف مما لا يتعلقُ بتقييدهم له ومما لا يدخل في سؤالك؛ ولكن هذه الأوصاف تستلزم تحديد الحرف؛ لأنه لا يوصف حرفٌ بهذه الصفة غير حرف واحد مثلًا، وذلك كما في قولهم عن الجيم: المعطشة، وهو النطق الفصيح لها، وعن الراء: المُكَرَّرَة، وهي صفةٌ مجتَنَبَةٌ في نطقها الصحيح، وعن الصاد: الخالصة، أي: غير التي فيها إشمام الزاي، وعن القاف: المعقودة، وهي الحقيقيةُ؛ لا التي تُنطق بين الكاف والقاف المعقودةِ فليست بكافٍ خالصة ولا قافٍ خالصة.

وفائدةُ معرفة الضبط بالحروف هي تعرُّفُ مصطلحاتِ الكتب التراثية، والتمكنُ من قراءة المخطوطات، أما في العصر الحديث وفي ظل الطباعة الحديثة واستخدام حروف الحاسوب الواضحة، فإن استخدام هذه الأوصاف والتقييدات بات قليلًا؛ لغناء وضوح الحروف وضبطها عنه غالبًا، وإن لم يَفْقِدْ ما يتميزُ به من وضوحٍ زائدٍ للمقصود.

هذا؛ والله أعلى وأعلم، وأعز وأكرم.

 

———————–

 [1] أعني بذلك الجيم والحاء والخاء؛ فإن الثلاثة تشتبه في رسم الحرف (ج ح خ)، أما الاسم فتشتبه فيه الحاء والخاء فقط (حاء خاء) عند عدم النقط.

 

ترك تعليق