معنى “كلمة” في لسان العرب: دراسة معجمية ودلالية

معنى “كلمة” في لسان العرب: دراسة معجمية ودلالية

مقدمة المقال

من “كلم”، الكاف واللام والميم أصلان: أحدهما يدل على نطق مُفهم، والآخر على جراح. ويهدف هذا المقال إلى بيان معنى كلمة “كلمة” في لسان العرب، من خلال دراسة دلالاتها المعجمية والقرآنية والاستعمالية والاصطلاحية.

—

 أولاً: الدلالة المعجمية

من “كلم”، الكاف واللام والميم أصلان: أحدهما يدل على نطق مُفهم، والآخر على جراح.

فالأول: الكَلام؛ تقول: كَلَّمْتُه أكَلِّمُه تَكْلِيمًا، وهو كَلِيمي إذا كلَّمك أو كلَّمته، ثم يتوسعون ويَجعلون اللفظة الواحدة المفهمة كَلِمَة، والقصة والقصيدة بطولها كلمة، ويَجمعونها كلمات وكَلِمًا.

والأصل الآخر: الكَلْم، وهو الجُرْح، والكِلام: الجراحات، وجمعه كُلُوم، والكُلام: الأرض الغليظة[1]، والكَلام: هو القول أو ما كان مكتفيًا بنفسه[2].

الكَلْمُ: التأثير المُدْرَك بإحدى الحاستين، الكلام: مُدْرك بحاسة السَّمع، والكَلْمُ: مدرك بحاسة البصر[3].

—

 ثانيًا: الدلالة القرآنية

ورد لفظ كلم بصِيَغِه “75” مرة في القرآن الكريم، بصيغة الفعل بتصاريفه، وبصيغة اسم المصدر.

فالكلام يقع على الألفاظ المنظومة، وعلى المعاني التي تحتها مجموعة.

وعند النحويين يقع على الجزء منه، اسمًا كان أم فعلاً أم أداة.

ورد على خمسة أوجه في القرآن الكريم[4]:

1)    كلام الله العام: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: 75].

2)    القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: 15].

3)    كلام الله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: 109].

4)    كلام المخلوقين: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: 29].

5)     كلام الموتى مما لا يسمعه بنو آدم: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: 100].

فالكلام يقع على الألفاظِ المنظومة وعلى المعاني التي تَحتها مَجموعة، كما في قوله – تعالى -: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: 5]، وفي ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37]، قيل: هي ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23]، وفي قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124]، قيل: الأشياء التي امتحن الله إبراهيم بها مَن ذبح ولده والختان وغيرها.

وتسمية عيسى بكلمة في هذه الآية: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: 171]؛ لكونه مَوجودًا بـ”كُنْ”، وقيل: سُمِّيَ به لما خَصَّه الله – تعالى – به في صغره؛ حيث قال وهو في مهده: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: 30]، وقوله – تعالى -: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: 115]، فالكلمة هنا القضية، فكل قضية تسمى كلمة، سواء كان ذلك مقالاً أم فعلاً، ووصفها بالصدق؛ لأَنَّه يقال قول صدق وفعل عدل، أو أنَّها صدق في الأخبار، عدل في الأحكام.

ومكالمة الله – تعالى – العبدَ على ضربين: أحدهما في الدُّنيا، والثاني في الآخرة.

فما في الدنيا مثل: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ [الشورى: 51].

وكلامه في الآخرة، فثواب للمؤمنين، وكرامة لهم تَخفى علينا كيفيته، ونَبَّه أنَّه يحرم ذلك على الكافرين.

وفي قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46]، [المائدة: 13] جمع الكلمة، وقيل: إنَّهم كانوا يبدلون الألفاظَ ويُغيِّرونها، وقيل: إنَّه كان من جهة المعنى، وهو جمل على غير ما قصد به واقتضاه، وهذا أمثل القولين، فإنَّ اللفظَ إذا تداولته الألسنة واشتهر، يصعب تبديله[5].

—

 ثالثًا: الدلالة الاستعمالية

بتتبع الآيات التي وردت فيها “كلمة” نُلاحِظ أنَّ اللفظَ لَم يَخرج عن استعمالاته المعجمية، فلفظ “كلمة” لا يوجد في لُغة العرب إلاَّ اسْمًا لجملة تامَّة – اسمية أو فعلية – كقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم))[6]، وقوله – تعالى -: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: 5]، ومثل هذا كثير في كلام العرب، أمَّا تسمية الاسم وحْدَه “كلمة”، والفعل وحده كلمة، والحرف كلمة، فهذا اصطلاح مَحض لبعض النُّحاة، وليس هذا من لغة العرب أصلاً، وإنَّما تسمّي العرب هذه المفردات “حروفًا”، ومنه قول النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن قرأ القرآن، فله بكل حرف عشر حسنات، أَمَا إنِّي لا أقول: “الم” حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف))[7].

والذي عليه مُحقِّقو العلماء أنَّ المراد بـ “الحرف” الاسم وحْدَه، والفعل، وحرف المعنى؛ لقوله: “ألف حرف”، وهذا اسم.

ومنه قول أبي الأسود الدُّؤلي وقد ذكر له لفظ من الغريب، وقال له: هذا “حرف” لم يبلغك، فقال: كل “حرف” لم يبلغ عمك، فافعل به كذا[8].

—

 رابعًا: الدلالة الاصطلاحية

وعُرفًا لدى أهل النحو: ما خرج من الفم إن لم يشتمل على حرف، فهو صوت، وإن اشتمل ولم يُفِدْ معنى، فهو لفظ، وإن أفاد معنى، فقول، فإن كان مفردًا، فكلمة، أو مركبًا من اثنين ولم يُفد نسبة مقصودة، فجملة، أو أفاد ذلك، فكلام، أو من ثلاثة، فكَلِم، وهذا اصطلاح حادث، لا كلام العرب في أصله.

والكلامُ: كلُّ كلام مُستقل، إن زدت عليه شيئًا غَيْرَ مَعقود بغيره، ولا مُقْتضٍ لسواه[9].

وكلام النفس ما يَحصل في النفس من حيث أن يدلَّ عليه بعبارة، أو إشارة، أو كتابة، سواء كان علمًا، أم إرادة، أم إذعانًا، أم خبرًا، أم استخبارًا، أم غير ذلك.

وليس كلام النفس نوعًا من المعاني، ولا مُغايِرًا لما هو حاصل في النفس باتفاقهم.

فالكلام[10] في اللغة يُطلَق على قسم الدَّوال الأربع، وعلى ما يفهم من حال الشيء مجازًا، وعلى التكلم والتكليم، وعلى الخطاب، وعلى جنس ما يتكلم به من كلمة، وعلى كل حرف واحد، كواو العطف، وأكثر من كلمة، مهملاً كان أم لا.

والكلمة تقع على الألفاظ المنظومة، والمعاني المجموعة؛ ولهذا استُعملت في القضية، والحكم، والحجة، وبجميعها وَرَدَ التنزيل.

والتكلم استخراج اللفظ من العدم إلى الوجود، ويشترط القصدُ في الكلام عند سيبويه والجمهور، فلا يسمى ما نطق به النائم والساهي وما تَحكيه الحيوانات المعلمة كلامًا، ولم يشترطه بعضهم.

واختيار مُحققي أهل السنة هو أنَّ الكلامَ في الحقيقة مفهوم ينافي الخرس والسكوت، وفي العرف هو صوت مقتطع مفهوم يخرج من الفم.

وحول معنى الكلام كلام لا يَسَعُنا الخوض فيه؛ لذا نكتفي بما سبق.

—

خلاصة المقال

نخلص إلى نقاط جامعة لما سلف:

1. الكلمة تَقَعُ على الألفاظِ المنظومة والمعاني؛ ولهذا استعملت في القضية والحُكم والحجة، وبجميعها وَرَدَ التنزيل.

2. الكلام هو صوتٌ مقتطع مفهوم يخرج من الفم، يطلق على المفيد وغير المفيد.

3. الكلام صفة قائمة بالنفس، وفِعْل مَخصوص بفعل الحي القادر؛ لأجل أنْ يعرفَ غيره ما في ضميره من الاعتقادات والإرادات.

4. الكلام من صفات الله – تعالى – الذاتية الثبوتية.

5. من كلام الله – تعالى – وحيه لأنبيائه، وتكليمه لهم، وكلامه مع أهل الجنة.

 

—

 [1] “معجم مقاييس اللغة”، ابن فارس، ج2، ص 421.

[2] “القاموس”، الفيروز آبادي، ص 1155.

[3] “المفردات”، الراغب، ص 441.

[4] “إصلاح الوجوه والنظائر”، الدامغاني، ص407.

[5] “المفردات”، الراغب، ص 443.

[6] “صحيح البخاري”، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، دار الفكر، بيروت، ط( )، 1981، ج11، ص575، باب الأيمان و النذور، ح 6682.

[7] “سنن الترمذي”، الترمذي، ج5، ص 157، ح 2910.

[8] “الرد على المنطقيين”، أحمد تقي الدين بن تيمية الدمشقي الحراني، تح: محمد حسن حسن، دار الكتب العلمية، بيروت. ط(1)، 2003، ص (109 – 110).

[9] “الكليات”، الكفوي، ص 742.

[10] الكلام اسم مصدر، وليس بمصدر حقيقي؛ لأَنَّ المصادر جارية على أفعالها، فمصدر تكلَّم: التكلُّم، ومصدر كلَّم: التكليم، ومصدر كالم: مكالمة.

ترك تعليق