أقوال النحاة في “ليس”

أقوال النحاة في “ليس”

مقدمة المقال:

تُعدُّ أداةُ “ليس” واحدةً من أكثر الأدواتِ النَّحويَّةِ التي أثارت جَدلاً واسعاً بين النُّحاةِ قديماً وحداثاً، حيث دارت حول طبيعتها التَّركيبيَّةِ خِلافاتٌ عَميقةٌ بين الجمهورِ والقائلين بحرفيَّتِها. ينطلق هذا البحثُ النَّقديُّ من قراءةٍ جديدةٍ لِلأُسُسِ النَّظريَّةِ التي أَرساها كبارُ أئمَّةِ الصِّناعةِ النَّحويَّةِ، وفي مقدِّمتِهم سيبويه، والمبرِّد، وأبو عليّ الفارسيّ، والسُّيوطيّ. عبر التحليل المنهجي، يتبيَّنُ لنا كيف اختلَّت شروط الفعليَّةِ في “ليس” نتيجةَ خُلُوِّها التّامِّ من الدَّلالةِ الحَدَثيَّةِ والزَّمنيَّةِ المُستقلَّة، وتفرُّدِها بسُلوكٍ صَرفِيٍّ وتراكيب خَاصَّةٍ تُخرجُها عن أصل الأفعال. كما يُسلِّط البحثُ الضَّوءَ على الشَّواهدِ التُّراثيَّةِ والإحصاءِ القُرآنيِّ الشّاملِ الذي يُظهِر ملازَمَتَها لخصائص أدواتِ النَّفي الحرفيَّةِ، سواءٌ من حيث امتناعُ تقدُّمِ خَبَرِها عليها، أو جوازُ إهمالِها وإلغاء عملِها عند انتقاضِ النَّفي، أو حذفِ خَبَرِها اختياراً. إنَّ إثباتَ حرفيَّةِ “ليس” لا يَمَسُّ وظيفتَها الإعرابيَّةَ الظَّاهرةَ في رفعِ المبتدأِ ونصبِ الخبر، بل يعيدُ ترتيبَ الأصولِ النَّظريَّةِ لِتتَّسِقَ مَع حقيقةِ الاستعمالِ اللُّغويِّ الصَّحيح.

أقوال النحاة في “ليس”

تعددت أقوال النحاة في “ليس” وتضاربت تضاربًا شديدًا، فمنهم من يدعي فعليتها، ولكنه لا ينفي حرفيتها في بعض المواقع، ومنهم من يؤكد حرفيتها في كل أطوارها؛ لذلك رأيت بعد أن استقصيت ورودها في القرآن الكريم – الذي يؤكد حرفيتها – أن أتتبع أقوال النحاة فيها؛ حتى تتضح الصورة.

 1. سيبويه: عدم تصرف “ليس” كتصرف “كان”

يقول سيبويه.: “قد يكون لكان موضع آخر، يقتصر على الفاعل فيه – يقصد تمامها – تقول: قد كان عبدالله، أي قد خُلق عبدالله، وقد كان الأمر، أي وقع الأمر، وقد دام فلان؛ أي ثبت.. فأما ليس فإنه لا يكون فيها ذلك؛ لأنها وضعت موضعًا واحدًا، ومن ثم لم تُصرَّف تصرف الفعل الآخر”.

وسيبويه في هذا النص لا يُنكر مخالفة (ليس) لكان وأخواتها، فإنه لا يجوز عليها ما يجوز على كان وأخواتها؛ لذلك توصل إلى نتيجة منطقية، وهي عدم تصرفها كتصرف كان وأخواتها، ومن ثم فهي لا يمكن أن تكون فعلًا تامًّا، ليس لعدم تصرفها فقط ولكن – وهذا ما لم يقله سيبويه – لحرفيتها أيضًا.

 2. المبرد: “ليس” لا يوجد منها “يفعل”

ويقول المبرد في المقتضب ما يوصلنا إلى حقيقة حرفية “ليس“، يقول: “فأما (ليس) فلا يجوز أن تُخبر عما عملت فيه بالألف واللام؛ لأنها ليس فيها (يفعل)، ولا يُبنى منها فاعل، ولكن يخبر بالذي، وذلك قولك: وليس زيد إلا قائمًا. فإن قيل ذلك، أخبر عن زيد في قولك ليس زيد منطلقًا قلت: الذي ليس منطلقًا زيد”. ويضيف: “وكل شيء ليس فيه فعل فالإخبار عنه لا يكون إلا بالذي، تقول: زيد أخوك، فإن قيل أخبر عن “زيد” قلت: الذي هو أخوك زيد”.

ونص المبرد هذا يعترف اعترافًا واضحًا بحرفية “ليس” حيث يقول: “لأنها ليس فيها (يفعل)” أي ليس فيها زمن، كما أنه يقول: “ولا يبنى منها فاعل” أي ليست متصرفة، لذلك لا يخبر عنها بما فيه الألف واللام مثل بقية أخواتها.

 3. الرضي: أبو علي قال إنها حرف

ويقول الرضي في شرح الكافية: “قال: سيبويه واتبعه ابن السراج: ليس للنفي مطلقًا، تقول: “ليس خلق الله مثله” في الماضي، وقال تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ، في المستقبل، وجمهور النحاة على أنها لنفي الحال”. وشروط ابن مالك لدخول (ليس) على الماضي أن يكون اسمها ضمير الشأن.

والنص السابق مردود عليه بملحوظتين:

– الأولى: أن سيبويه قرر أن “ليس” للنفي مطلقًا، وأنا أسأل أين النفي في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ .؟

– الثانية: في المثال الذي جاء به لدلالتها على نفي الماضي “ليس خلق الله مثله”. لو كانت “ليس” فعلًا كما يذكرون لما دخلت على الفعل بعدها، ولا مجال لأية تخريجات في هذا المجال، والرأي الذي لا يحتاج إلى تخريج أولى مما يحتاج.

ويضيف الرضي.: “وسيبويه والأكثرون على أنه فعل غير متصرف، وقال أبو علي في أحد قوليه: إنه حرف”. ويضيف الرضي: “قال أبو علي: وأما إلحاق الضمير به في لست ولستما ولستم، فلشبهه بالفعل؛ لكونه على ثلاثة، وبمعنى ما كان وكونه رافعًا فناصبًا. كما ألحق الضمير في هاء (هائيا هاؤوا هائي هائين) مع كونه اسم فعل؛ تشبيهًا بالفعل”.

وهذا القول جدير منا بالاحترام والتأمل – فهو يذكر في صراحة ووضوح أن سبب إسناد الضمائر إلى “ليس” – وهو ما يتمسك به كثيرون لإثبات فعليتها – ليس لكونها فعلًا، ولكن لكونها حرفًا أشبه الفعل في أساس وضعه وفي عمله، وهذه ليست ميزة تحتفي بها “ليس”، بل هناك أسماء أفعال تُسند للضمائر أيضًا ليس لأنها أفعال، ولكنها لشبه قائم بينهما، ومثل لنا باسم الفعل “هاء”.

 4. إهمال “ليس” في لغة بني تميم

ومما يزيد في يقيني من حرفيتها، ما ورد في الهمع، وكثير من كتب النحو، يقول السيوطي: “حكى أبو عمرو بن العلاء: أن لغة بني تميم إهمال ليس مع إلا حملًا على ما، كقولهم: ليس الطيبُ إلا المسكُ” بالرفع على إهمالها ولا ضمير فيها.

فالراسخ عند علماء النحو أن “ما” تُهمل إذا انتقض عملها بإلا، وهذا ما حدث مع “ليس”، إلا أن النحاة أجمعوا على إهمال “ما” في هذه الحال، واختلفوا في إهمال “ليس”، حيث أهمل التميميون وأعمل الحجازيون، وإنني أتساءل: لماذا لم تختلف تميم مع الحجاز في إعمال كان وأخواتها، بينما اختلفا في “ليس”؟ أليس هذا يقوي من اعتقادي في أنها حرف؛ لأنه ما اختلف العلماء في إعمال فعل أبدًا؟! ولقد وجهت كتب النحو القول السابق “ليس الطيب إلا المسك” توجيهات شتى، من أهمها أن (ليس) مهملة غير عاملة.

 5. “ليس” و”ما” مخصوصتان بنفي الحال

ولقد وردت في كتب النحو أقوال مستفيضة عن أحوال “ليس”، وما تفيده من نفي، وما يصيبها من إعمال أو إهمال، حملًا على “ما”، و”لا”، مما يدفع مظنة كونها فعلًا، بل هذه المقارنة توحي بأن المقارَن والمقارَن به شيء واحد.

يقول السيوطي في “الهمع”: “وذهب قوم إلى أن ليس وما مخصوصان بنفي الحال، وبنوا على ذلك أنهما يعينان المضارع له، وذهب آخرون إلى أنهما ينفيان الحال والماضي والمستقبل”. أليس هذا تعميمًا عجيبًا، في عمل فعل كما يدعون؟! في اعتقادي أن التعميم صفة من صفات الحروف، كما أن التخصيص صفة من صفات الأفعال.

 6. منع تقديم الخبر على “ليس”

والأفعال في كان وأخواتها يجوز تقدم خبرها عليها، بل يجب هذا التقدم أحيانًا، كما هو واضح في كتب مطولات النحو، ولكن العجب كل العجب، أن هذا لا يجوز في “ليس”، بل ولا يجوز فيما ينفى بـ”ما” من هذه الأفعال، “فلا يقال: لا أكلمك كيف ما برح زيد، ولا أين ما زال زيد، ولا أين ما يكون زيد، ولا أين ليس زيد”.

والسبب في هذا لعلَّه واضح، وهو أن أدوات النفي ومن ضمنها “ليس، وما، ولا، ولات، وإن” لها الصدارة في الكلام، ولا يجوز أن يتقدم عليها شيء آخر، أو لأنها حروف، والحروف تعمل فيما بعدها، ولا يمكنها العمل فيما يتقدم عليها، ومن ثم منع ذلك التقدم.

يقول السيوطي: “ويجوز تقديم أخبار هذا الباب على الأفعال إلا دام وليس المنفي بـ(ما)“، ويضيف: “وأما (ليس) فجمهور الكوفيين والمبرد والزجاج وابن السراج والسيرافي والفارسي وابن أخته والجرجاني وأكثر المتأخرين منهم ابن مالك، على المنع فيها؛ قياسًا على فعل التعجب وعسى ونعم وبئس بجامع عدم التصرف”.

 7. حذف خبر “ليس” اختيارًا

وتحدث السيوطي مرة أخرى عن حذف اسم كان وخبرها، فمنع ذلك منها جميعًا عدا (ليس)، يقول: “وفصله ابن مالك فمنعه في الجميع إلا (ليس)، فأجاز خبرها اختيارًا، ولو بلا قرينة، إذا كان اسمها نكرة عامة تشبيهًا بلا، كقولهم فيما حكاه سيبويه (ليس أحد)؛ أي: هنا. وقوله: “فأما الجود منك فليس جود”. ويضيف: “وما قاله ابن مالك ذهب إليه الفراء، وقال: يجوز في ليس خاصة أن تقول: ليس أحد؛ لأن الكلام قد يتوهم تمامه بليس، أو نكرة كقوله: ما من أحد”.

بيد أنه ورد في النصوص التراثية، المنسوبة إلى عصر الاستشهاد، بعض الجمل التي حُذف منها خبر “ليس”، من ذلك، قول التميمي:

لَهْفِي عَلَيْكَ لِلَهْفَةٍ مِنْ خَائِبٍ **يَبْقَى جِوَارَكَ حِينَ لَيْسَ مُجِيرُ

فقد حذف خبر “ليس”، والتقدير حين ليس مجيرٌ باقيًا.

وقول الآخر:

بَئِسْتُمْ وَخِلْتُمْ أَنَّهُ لَيْسَ نَاصِرٌ ** فبُؤْتُمْ مِنْ نَصْرِنَا خَيْرَ مَعْقِلِ

حيث حذف الخبر أيضًا والتقدير ليس ناصرٌ موجودًا.

ولقد عقب على هذه النماذج وغيرها، الدكتور علي أبو المكارم قائلًا.: “وقد اختلف موقف النحويين من هذه النصوص وما ماثلها، فأما جمهورهم فقد جعلها من قبيل الضرورة الشعرية، ولكن منهم من ذهب إلى جواز ذلك في غير الشعر – أيضًا – بشرطين:

1)  أن تكون الأداة ليس دون أخواتها.

2)  أن يكون اسمها نكرة عامة.

مستندًا إلى ما أُثر عن سيبويه أنه حكى قول العرب: ليس أحد، فقد حذف الخبر بعد ليس اختيارًا؛ أي في غير الشعر، واسمها نكرة عامة كما ترى”.

وأضيف إلى ما سبق أن (ليس) في حالة دخولها على الاسم النكرة تشبه “لا” النافية للجنس في مثل (نحن منتصرون لا ريب) من حيث المعنى لا الوظيفة؛ لذلك يجوز حذف الخبر بشرطين:

1)     أن يكون اسمها نكرة عامة.

2)     أن يكون الخبر المحذوف مفهومًا من السياق.

وبهذا تتأكد حرفية “ليس”. وحرفية “ليس” في النصوص السابقة واضحة للعيان لسببين:

1)     لأنها انفردت بهذه الخصوصية عن كان وأخواتها.

2)     وأن هذه الخصوصية من سمات الحروف النافية.

وما عليك لتتبين هذا إلا أن تستبدل “ما” بـ”ليس” أولًا لترى صدق ما أقول. انظر: فأما الجود منك فليس جودٌ. يمكن أن نقول: فأما الجود منك فما جودٌ. فأما الجود منك فلا جودٌ. والمثال الثاني: (ليس أحد) يمكن أن نقول: ما أحد. لا أحد. فهل هناك مخالفة في المعنى أو الوظيفة؟

 8. توسط خبر “ليس” بينها وبين اسمها

ولقد كثر الخلاف في مسألة توسط خبر “ليس” بينها وبين اسمها، فقد أجاز البصريون ذلك؛ اعتمادًا على روايات تؤيد ذلك، ومنعه الكوفيون – لأن الخبر فيه ضمير الاسم، فلا يتقدم الخبر فيعود الضمير على متأخر.

والحقيقة أن هذا الأمر جائز في كان وأخواتها على الإطلاق، كما أنه جائز في “ليس” بشرط أن يكون الاسم نكرة، والخبر شبه جملة، أما غير ذلك فإنه ممتنع. مثال الجائزة قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ . وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ .

أما الجواز على الإطلاق فقد استشهد عليه البصريون بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.. . وقول الشاعر: فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ.

ويستحيل في رأيي – أن يكون المصدر المؤول في الآية الكريمة اسم ليس والبر خبرها، لأن المعرفة أولى بالابتداء، والمصدر المؤول في حكم النكرة، بدليل دخول الباء الزائدة عليه في قوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾، مع ملاحظة أن البر جاءت مرفوعة في هذه الآية الكريمة، وفي رأيي أن اسم “ليس” ضمير الشأن، وأن البر الخبر، وجاء متأخرًا، كما تقضي بذلك قواعد النحو والذوق السليم، أما قول الشاعر: فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ. ففي رأيي أن (عالم وجهول) مرفوعان، ليس لأن عالمًا اسم ليس متأخرًا، ولكنه مرفوع على الاستئناف، واسم “ليس” محذوف تقديره فليس هذان سواءً: عالم وجهول؛ لذلك كان مصيبًا السيوطي، حينما قال: “ومنعه بعضهم في (ليس) تشبيهًا بـ(ما).

ترك تعليق