أسلوب التحذير
أولاً: مفهوم التحذير في اللغة والاصطلاح النحوي
التحذير في اللغة:
هو التخويف والتنبيه من المخاطر والمكاره، يقال: حذّرته الأمر تحذيراً إذا أوجدتَ في قلبه خيفة منه ليتجنبه.
أما في النحو والاصطلاح، فهو: “تنبيه المخاطب على أمر مكروه ومذموم ليتجنبه ويفارقه ويحتاط منه“.
والتحذير هو المقابل النحوي والبلاغي التام لأسلوب الإغراء؛ فبينما يسوق الإغراء المستمع نحو فعل الخيرات والمحاسن، يدفع أسلوب التحذير المستمع بقوة وسرعة وبلاغة نحو الابتعاد عن القبائح والمهالك، وكلاهما يشتركان في كونهما منصوبين بأفعال محذوفة.
ثانياً: أركان التحذير والعامل فيه
تتألف جملة التحذير الاسترجاعية من ثلاثة أركان أساسية:
1. المُحَذِّر: وهو المتكلم المُنَبِّه.
2. المُحَذَّر: وهو المخاطب المُراد صيانته وحفظه.
3. المُحَذَّر منه: وهو الأمر المكروه أو المهلكة التي يراد تجنبها.
أما العامل النحوي في أسلوب التحذير فهو فعل محذوف يُقدر بحسب طبيعة التركيب بـ (احْذَرْ) للصور العامة، أو يُقدر بفعل استعادي مثل (بَعِّدْ) أو (قِ) في تراكيب مخصوصة بـ (إيَّا)، والفاعل يكون دائماً ضميراً مستتراً وجوباً تقديره (أنتَ) أو ما يطابق المخاطب.
ثالثاً: الصور التركيبية للمحذر منه وأحكامها النحوية
يأتي أسلوب التحذير في لغة العرب على قسمين كبيرين: الصور العامة المماثلة للإغراء، والصور الخاصة بـ (إيَّا).
القسم الأول: الصور العامة (بدون إيَّا) وتتطابق أحكام حذف فعلها تماماً مع قواعد الإغراء:
1. الإفراد: أن يذكر المحذر منه وحيداً.
مثل: (الأسدَ!).
حكم حذف الفعل (احذر): جائز، فيجوز إظهاره: (احذر الأسدَ).
2. التكرار: أن يتكرر اللفظ ذماً وتنفيراً.
مثل: (النارَ النارَ!).
حكم حذف الفعل: واجب، واللفظ الثاني توكيد لفظي.
3. العطف: أن يعطف على المحذر منه اسم مكروه آخر.
مثل: (الكسلَ والإهمالَ).
حكم حذف الفعل: واجب.
القسم الثاني: التحذير باستخدام الضمير (إيَّا) وهي الصورة الأبلغ والأكثر دوراناً في كلام العرب، وهي مخصوصة بالتحذير دون الإغراء.
ولها أشكال فرعية متعددة يجب فحص بنيتها النحوية بدقة:
أ) صورة “إياك” متبوعة بالمحذر منه مباشرة (دون عطف):
◘ مثال: (إياكَ الأسدَ).
◘ توجيهها: يعرب الضمير مفعولاً به أول، والاسم مفعولاً به ثانياً لفعل محذوف وجوباً تقديره (أُحَذِّرُ)؛ فالتقدير الأصلي: (أُحَذِّرُكَ الأسدَ).
ب) صورة “إياك” متبوعة بالواو العاطفة:
◘ مثال: (إياكَ والظلمَ).
◘ توجيهها النحوي الدقيق (رأي الجمهور): الواو هنا ليست عاطفة اسماً على اسم بل هي عاطفة جملة على جملة.
فكلمة “إياك” مفعول به لفعل محذوف وجوباً تقديره (بَعِّدْ نفسك)، والواو عاطفة، و”الظلم” مفعول به لفعل محذوف وجوباً تقديره (احذرْ)، فكأنك قلت: (بَعِّدْ نفسك واحذرِ الظلمَ).
ج) صورة “إياك” متبوعة بـ (مِنْ) الجارة:
◘ مثال: (إياكَ من الكذبِ).
◘ توجيهها: “إياك” مفعول به لفعل محذوف تقديره (حَذِّرْ)، والجار والمجرور متعلقان بهذا الفعل المحذوف.
د) صورة “إياك” متبوعة بمصدر مؤول:
◘ مثال: (إياكَ أن تصاحبَ الأشرارَ).
◘ توجيهها: المصدر المؤول (أن تصاحب) في محل نصب، إما مفعول ثانٍ، أو منصوب بنزع الخافض (أي: من أن تصاحب).
رابعاً: نماذج إعرابية تفصيلية لأسلوب التحذير
النموذج الأول (التحذير بـ إياك والواو): “إياكَ والخياناتِ“
◘ إياكَ: (إيَّا) ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف وجوباً تقديره (بَعِّدْ)، والكاف حرف خطاب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
◘ والخياناتِ: الواو حرف عطف للجمل مبني على الفتح.
(الخياناتِ): مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة الظاهرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، والناصب له فعل محذوف وجوباً تقديره (احْذَرْ)، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
والجملة الفعلية (احذر الخيانات) معطوفة على الجملة الفعلية المقدرة الأولى.
النموذج الثاني (التحذير بالتكرار): “النفاقَ النفاقَ فإنه مَقْتٌ“
◘ النفاقَ (الأولى): مفعول به منصوب على التحذير وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وفعلها محذوف وجوباً تقديره (احْذَرْ)، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
◘ النفاقَ (الثانية): توكيد لفظي للاسم الأول منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
◘ فإنه: الفاء تعليلية حرف مبني لا محل له، (إنَّ) حرف ناسخ، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسم إنَّ.
◘ مَقْتٌ: خبر (إنَّ) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
