الوافر والهزج: بحر واحد أم بحران؟
الوافر والهزج: بحر واحد أم بحران؟
الوافر والهزج:
لم يكن الاقتراب بين بحري الوافر والهزج أمرًا حديثًا في الدرس العروضي، فقد لاحظه القدماء والمحدثون على حدٍّ سواء.
غير أن هذا الاقتراب ظل في كثير من الأحيان محصورًا في إشارات عابرة، أو ملاحظات جانبية لا تتجاوز حدود الوصف. وهذا المقال يهدف إلى تجاوز ذلك، فينطلق من الإحساس بوجود صلة قربى حقيقية بين البحرين، ليصل إلى طرح رؤية جديدة تقوم على أساس تطبيقي. ويفتح الباب أمام إعادة النظر في الحدود الفاصلة بين الوافر ومجزوئه. ويستند في ذلك إلى شواهد قرآنية وشعرية، وإلى آراء عدد من العلماء. ويقترح في النهاية مزج الموروث الشعري للنوعين تحت مسمًّى واحد.
وهو بذلك يدعو إلى تجاوز التقسيم الخليلي التقليدي، لا إلغاءً له، بل تطويرًا له. وهذه الدعوة تستحق التأمل والمناقشة.
توطئة: إشكالية العلاقة بين الوافر والهزج
لا يمكنني أن أزعم أنني أول من استشعر وجود صلة قوية بين بحري الوافر والهزج؛ فهذا شرفٌ سبقني إليه أستاذنا المرحوم الدكتور أنيس، الذي أفرد لهذا الموضوع بحثًا خاصًّا في كتابه “موسيقا الشعر” تحت عنوان “الهزج ومجزوء الوافر“[2].
وقد عالج فيه هذه الظاهرة، وقرر تلك الحقيقة بوضوح، حيث قال: “فالهزج وزنٌ وثيق الصلة بمجزوء الوافر، ويلتبس الأمر في بعض الأحيان، فلا ندري أيُعدّ البيت من مجزوء الوافر أم من الهزج”[3].
ومن بعده تناول الموضوع أستاذنا الدكتور أمين السيد، حيث أفرد لهذا الموضوع مبحثًا خاصًّا ضمن دراسته “بحور الشعر كما أراها”[4] في كتابه “في علمي العروض والقافية”. وقد اقترح فيه: “وضع أحد الاسمين للوزن الذي يتكوّن منه بحرا (الوافر والهزج)، فيسميان معًا باسمٍ واحد، وليكن الهزج”[5].
أدلة العلاقة بين البحرين
والعلاقة بين البحرين – إذا تجاوزنا الخلاف حول تسمية الهزج بحرًا مستقلًّا – قائمة من عدة وجوه، تدعم اعتقادنا بأن الهزج ما هو إلا مجزوء للوافر قد تطوّر.
يقول الدكتور أنيس: “ويظهر أن الهزج تطوّر لمجزوء الوافر، جاءت به عصور الغناء أيام العباسيين، ولم يكن معروفًا أيام الجاهليين، فقد تطوّر الوافر أولًا باقتطاع التفعيلة الأخيرة منه، وبذلك تكوّن المجزوء، ثم نُظم هذا المجزوء بحيث يوافق الغناء العباسي فجاءنا الهزج”[6].
وهذه حقيقة لا يستطيع باحث منصف أن ينكرها، مهما هلّل بعضهم لعثوره على أبيات أو صور نادرة. فإن الأمر ما زال تحت باب الندرة أيًّا كان عدد القصائد أو الأبيات. ويؤكد هذا نسبة شيوع الهزج في أشعار العباسيين، فإنها نسبة ضئيلة من مجموع ذلك التراث الضخم، حتى إن الدكتور أنيس يرى أنها نسبة “لا تكاد تجاوز 1% من مجموع الأشعار”[7].
التفعيلة الواحدة والأصل المشترك
ثم إن التفعيلة ذاتها التي يقوم عليها بحر الوافر هي “مفاعلتن”، وحين العصْب تتحوّل إلى “مفاعيلن”، وهي نفسها التي يتكوّن منها الهزج. فإذا جاءت الأبيات من مكرّر “مفاعلتن” وحدها – كما يقول الدكتور أنيس[8] – فذلك هو مجزوء الوافر في صورته الأصلية القديمة.
وإذا رُويت من مكرّر “مفاعيلن” وحدها، فهنا يلتبس الأمر بين مجزوء الوافر والهزج، ويكون الحكم هنا للقصيدة. فإن ورد فيها “مفاعلتن” ولو مرة واحدة حُكم عليها بأنها من مجزوء الوافر، وإلا فهي من بحر الهزج.
وهنا يبرز سؤال إشكالي: إذا لم يكن أمامي إلا بيت واحد لا أعرف قصيدته التي ينتمي إليها، فبمَ أحكم عليه؟
أساسا التفريق بين البحرين عند العروضيين
على أن العروضيين اعتمدوا في التفريق بين البحرين – أو قل بين الوافر ومجزوئه المعصوب – على أساسين:
الأول: دائرة الخليل تفرق بين انتمائهما.
فالوافر من دائرة المؤتلف.
والهزج من دائرة المجتلب.
ومعنى هذا أن انفكاك البحرين – كما يقول العروضيون – مختلف، وهذا الاختلاف هو الذي باعَد بينهما. كما أن الكثيرين حاولوا الحفاظ على تراث الخليل دون تغيير أو نظر، فما دام الخليل فرّق بينهما تفريقًا ذهنيًّا، فليبقَ التفريق قائمًا.
الثاني: أن مفاعيلن الهزجية يجوز أن تُكفّ وتصير مفاعيل، بينما استقبحوا ذلك في مفاعيلن معصوبة الوافر واستنكروه عليها[9].
تساؤل مشروع حول التفريق
لذلك يستاءَل الدكتور أنيس – وأنا معه – قائلًا: “ولسنا ندري لمَ استقبح أصحاب العروض تغيير مفاعيلن إلى مفاعيل في مجزوء الوافر، واستحسنوه في الهزج، مع ما نراه فيما بينهما من صلة وثيقة”[10].
وفي حقيقة الأمر، أن الكفّ لا يجوز في “مفاعلتن” حتى لا يلتقي خمسة متحركات، وهو مما تسكرهه اللغة العربية، بل تستقبحه وتستثقله. ولكن لماذا ينسحب هذا الحكم على معصوبتها (مفاعيلن) وهي بالتأكيد غير مفاعلتن؟! ومعنى هذا إذا جاءت أجزاء البيت كلها على “مفاعيل” فإننا – على رأي العروضيين – نحكم على البيت “بالقطع” أنه من بحر الهزج؛ لأنها مستحسنة فيه.
فكيف الحال إذا جاء في بيت واحد “مفاعلتن – ومفاعيلن – ومفاعيل”؟ أفلا يكون الحكم شائكًا وملتبسًا؟ انظر إلى قول الشاعر[11]:
إِلَى خُودِ مُنَعَّمَةٍ … خَفَفْنَ بِهَا وَفَدَّيْنَا
إلا خود منع عمتن … خففن بها وفددينا
مفاعيل مفاعلتن … مفاعلتن مفاعيلن
لا بد أن نحكم عليه بأنه من مجزوء الوافر، على الرغم من ورود مفاعيل، وهي “هزجية” صرفة فيه.
الدعوة إلى مسمى واحد: الوافر الجديد
لذلك فأنا أرى – مخالفةً لدائرة الخليل – وكما رأى أستاذي المرحوم الدكتور أنيس، أن الهزج تطوّر لمجزوء الوافر. بل أذهب إلى أبعد مدًى منه، أن أُنكر تسمية “هزج” على هذا النوع من الشعر، فإنه يخالف الواقع المستعمل، جنوحًا إلى نظرية ذهنية بعيدة كل البعد عن واقع موروثنا الشعري.
وسوف أخطو إلى الأمام حيث لن أكتفي بذكر إحساسي بوجود صلة قربى بين البحرين، بل أحاول مزج الموروث الشعري للنوعين تحت مسمًّى واحد فقط هو “الوافر”؛ لننتقل من مجرد التعبير عن الإحساس باللفظ إلى مجال التطبيق الفعلي، متخطين بذلك الحدود التي وقف عليها غيرنا. وهذا ما سوف أعالجه في الصفحات التالية.
—————–
[1] منشور في كتابنا “فن العروض قضايا وبحوث” (ص: 84 وما بعدها) طبعة ثالثة 2000م – 1420هـ.
[2] “موسيقا الشعر” (ص: 110).
[3] المصدر السابق.
[4] “في علمي العَروض والقافية” (ص: 89).
[5] المصدر السابق.
[6] “موسيقا الشعر” (ص: 111).
[7] “موسيقا الشِّعر” (ص: 111).
[8] المصدر السابق.
[9] “موسيقا الشِّعر” (ص:111).
[10] المصدر السابق.
[11] الأغاني 2/237)، وموسيقى الشعر112).
