(ما) المفردة الصلة: بين الزيادة والتوكيد وعمق الدلالة

(ما) المفردة الصلة: بين الزيادة والتوكيد وعمق الدلالة

في نسيج اللغة العربية الفريد، تبرز حروف تبدو في الظاهر زائدة، لكنها تحمل في طياتها أسراراً دلالية لا تُستهان بها.

ومن بين هذه الحروف، تحتل (ما) المفردة الصلة مكانة خاصة، حيث اختلف النحاة والمفسرون في تفسيرها وتحديد وظيفتها في العديد من الآيات القرآنية. فهل هي زائدة لا معنى لها سوى التوكيد؟ أم أنها تحمل دلالات أعمق تتعلق بالعموم والشمول؟ هذه الأسئلة تشغل بال الدارسين، خاصة في آيات مثل ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: 159] و﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [المائدة: 13]. في هذا المقال، سنغوص في أعماق هذه الظاهرة اللغوية، مستعرضين آراء النحاة والمفسرين من سيبويه وابن قيم الجوزية إلى الدكتور فاضل السامرائي، وسنقدم رؤية جديدة تنظر إلى هذه (ما) كأداة وصل للوصف لا كحرف زائد، مما يكشف عن بعد بلاغي جديد في فهم النص القرآني ويدفعنا لإعادة النظر في مفهوم الزيادة في اللغة العربية.

آيات الزيادة المزعومة: استقراء أولي

ذهب جمهور النحاة والمفسرين إلى القول بزيادة (ما) في عدة مواضع قرآنية، أشهرها: قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: 159]، وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ [النساء: 155]، وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ [المائدة: 13]. والتقدير عندهم: فبرحمة من الله، وبنقضهم ميثاقهم[1]. كما عدوا (ما) زائدة في قوله تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ [المؤمنون: 40]، أي: عن قليل[6]، وقوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا [نوح: 25]، أي: من خطيئاتهم[7].

التوكيد بلا تفسير: إشكالية الزيادة المجردة

مع أن الزيادة قول الأكثرين، وحكى الزجاج إجماع النحويين عليها[8]، إلا أنهم لم يقدموا تفسيرًا مقنعًا لكيفية إفادة (ما) للتوكيد. وقد اعترف ثعلب بأن البصريين كانوا إذا سُئلوا عن كيفية التوكيد يقولون: لا ندري. فجاءت أقوال أخرى لسد هذا الفراغ، منها جعلها نكرة بمنزلة (شيء)، فالتقدير: بشيء رحمة من الله لنتَ لهم[12]، ومنها أنها تفيد الحصر كما ذهب ابن القيم[2]، ومنها أنها تفيد تفخيم ما دخلت عليه[20].

نقد الأقوال التقليدية: البحث عن معنى أعمق

لكن هذه التأويلات لا تخلو من ضعف، فرأي ابن القيم بالحصر رُدَّ بأنه متأت من التقديم لا من زيادة (ما)[3]. ورأي الاستفهام التعجبي بعيد[4]، ورأي النكرة بمنزلة (شيء) وُصف بأنه ليس بشيء، قال ابن الأنباري: “إن زيادة (ما) كثير في كلام العرب، والقرآن نزل بلغتهم، فالأَولى أن تكون حرفًا زائدًا”[17]. لكن السؤال الذي ظل عالقاً: إذا كانت زائدة للتوكيد، فكيف تفيد هذا التوكيد؟ وكيف نُفهم معناها في سياقات مختلفة؟

من الزيادة إلى الوصف: رؤية جديدة لـ (ما) المفردة الصلة

الرؤية التي نقدمها هنا تنظر إلى (ما) في هذه الآيات على أنها ليست زائدة ولا نكرة بمنزلة (شيء)، بل هي أداة استُعملت للوصف، أي أنها “وصلة” لربط موصوف محذوف بصلته. ففي قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، (ما) ليست زائدة بتقدير “فبرحمة”، ولا نكرة بتقدير “فبشيء رحمة”، بل هي تدل على موصوف محذوف هو “كل شيء يصح أن يوصف بأنه رحمة”، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم لان لقومه بكل أنواع الرحمة ومعانيها، وأعماله وأخلاقه التي هي تجسيد لهذه الرحمة. فلم يُرد إفراد الرحمة، بل إعمامها. وهذه دلالة على العموم والشمول لا تتحقق إلا باستعمال (ما) التي تفيد الإبهام والعموم.

تطبيق الرؤية على الآيات الأخرى: كشف النقاب عن البلاغة

بتطبيق هذه الرؤية على قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ [المائدة: 13]، نجد أن المعنى ليس مجرد اللعنة بنقضهم الميثاق، بل اللعنة بكل أنواع النقض التي مارسوها، إعمامًا للنقض وتأكيدًا لشدة جرمهم. وفي قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا [نوح: 25]، نرى أن صيغة الجمع في (خطيئاتهم) تأتي لتؤكد شدة العقاب وكثرة الذنوب. أما في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، فلم ترد صيغة الجمع لأن الرحمة التي اتصف بها النبي صلى الله عليه وسلم وإن تنوعت، فهي في الأصل رحمة واحدة يحكمها قلب واحد.

شواهد من كلام العرب: دع ما زيد

يتضح هذا المعنى بما استشهد به النحاة من كلام العرب، كقولهم: “دعْ ما زيدٌ”، حيث (ما) هنا ليست موصولة بمنزلة (الذي) عائدة على زيد بعينه، بل هي أداة للوصف بمعنى “دع المتشبهين بزيد” أو “دع أجناس الناس الذين هم على شاكلته”. فالمقصود ليس ذات زيد، بل الصفات والأخلاق التي يتصف بها، وهذا يفسر لماذا استعملت (ما) ولم تستعمل (من).

قليل ما هم: بين الزيادة والوصف

في قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ [ص: 24]، إذا جعلنا (ما) زائدة، كان المعنى: وقليل هم، وهو وصف للذات بالقلة. لكن إذا جعلناها أداة وصف، كان المعنى: قليل أمثالهم أو قليل المتشبهون بهم. وهذا الأسلوب يفتح بابًا واسعًا لإنشاء المدح والذم، كقولنا: وقليل ما هو، وكثير ما أنت، فهو أسلوب بلاغي جميل يثري اللغة ويمنحها مرونة أكبر.

خلاصة: إعادة تعريف الزيادة في القرآن

في ختام هذا التحليل، نرى أن (ما) التي عُدَّت زائدة في هذه الآيات، ليست في الحقيقة زائدة بالمعنى الحرفي، بل هي أداة بلاغية للوصف، تُضفي على النص القرآني أبعادًا دلالية من العموم والشمول لا تتحقق بدونها. هذه الرؤية تدفعنا لإعادة النظر في مفهوم الزيادة في القرآن، ونعتبرها أداة بلاغية محكمة، تساهم في إثراء المعنى وتأكيده، وتظهر لنا أن كل حرف في كتاب الله له معنى ووظيفة لا يمكن الاستغناء عنها.

———————————

[1] الكتاب 1/ 180-181، 3/ 76، 4/ 221، ومعاني القرآن للفراء 1/ 244-245، ومجاز القرآن 1/ 142، ومعاني القرآن للأخفش 1/ 135، 220،241، والمقتضب 1/ 48،3/ 52، ومعاني القرآن وإعرابه 1/ 482، 2/ 127، ومعاني الحروف للرماني ص 154-155، والأصول في النحو لابن السراج 2/ 342، والمحلى لابن شقير ص 290، وإعراب القرآن للنحاس 1/ 374،487، وكتاب الجمل للزجاجي ص 321، وسر صناعة الإعراب 1/ 261-262 299، والأُزهية ص75، وشرح اللمع لابن برهان العكبري 1/ 76.

[2] بدائع الفوائد 2/ 151.

[3] معاني النحو 3/ 99-100.

[4] التبيان في تفسير القرآن 3/ 31، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 420. وفتح القدير 9/ 62.

[5] مغنى اللبيب 1/ 299.

[6] معاني القرآن للفراء 1/ 21، 244، 2/ 133،400، ومجاز القرآن 2/ 58، 2/ 160، وأدب الكاتب لابن قتيبة ص 196، ومعاني القرآن وإعرابه 4/ 13، والمحلى لابن شقير ص 290، وسر صناعة الإعراب 1/ 262 والأزهية ص76، والكشاف 4/ 87.

[7] معاني القرآن للفراء 3/ 189-190، ومجاز القرآن 2/ 271 وجامع البيان 29/ 100، وإعراب القرآن للنحاس 3/ 517، وسر صناعة الإعراب 1/ 262، ومشكل إعراب القرآن 2/ 762، والكشاف 4/ 620، والتبيان في إعراب القرآن 2/ 1242، والبسيط في شرح الكافية 1215.

[8] معاني القرآن وإعرابه 1/ 482.

[9] التبيان في تفسير القرآن 3/ 31.

[10] مجمع البيان في تفسير القرآن 2/ 526.

[11] مجالس ثعلب ص 249، والتبيان في إعراب القرآن 2/ 955، ولسان العرب 15/ 473-474.

[12] التبيان في إعراب القرآن، 2/ 955، ولسان العرب 15/ 473-474.

[13] الأُزهية ص 80، وشرح الرضي 3/ 51.

[14] معاني الحروف للرماني ص 154.

[15] مشكل إعراب القرآن 1/ 178، 2/ 543.

[16] من بلاغة القرآن لأحمد بدوي ص 101- 102.

[17] البيان في غريب إعراب القرآن 1/ 229، 273، وأسرار العربية ص14.

[18] فتح القدير 1/ 393.

[19] دراسة في حروف المعاني الزائدة ص 190.

[20] ينظر من بلاغة القرآن للدكتور أحمد بدوي ص 101-102، وينظر الجرس والإيقاع في تعبير القرآن للدكتور كاصد ياسر الزيدي، وهو بحث منشور في مجلة آداب الرافدين العدد (9) لسنة 1978 م ص340.

[21] الكتاب 2/ 139، 3/ 109، ومجاز القرآن 2/ 160، 294، والمقتضب 1/ 50، 2/ 363، ومعاني القرآن وإعرابه 3/ 81-82، 4/ 286، 5/ 311، وإعراب القرآن للنحاس 1/ 114-116، وكتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد ص 399- 340، والحجة لابن خالويه ص 191، 287،368، وإعراب ثلاثين سورة ص 42، والبغداديات ص 388-389، والمحتسب 1/ 328، 2/ 255، وسر صناعة الإعراب 1/ 377، والكشف عن وجوه القراءات لمكي القيسي 1/ 537 – 538، ومشكل إعراب القرآن 1/ 374- 376، 415، 2/ 283، والكشاف 2/ 432، 4/ 14، 734.

[22] معاني القرآن 2/ 28- 29، 377، 3/ 254 – 255.

[23] جامع البيان 15/ 498.

[24] المحتسب 2/ 255، والبيان في غريب إعراب القرآن 2/ 354.

[25] أسرار العربية ص 381 – 382.

[26] الأزهية ص 81.

[27] الكتاب 2/ 286، والاستغناء في أحكام الاستثناء ص112، والفوائد العجيبة ضمن كتاب نصوص محققة ص775.

[28] معاني القرآن وإعرابه 4/ 327.

[29] معاني القرآن للفراء 2/ 400.

[30] جامع البيان 23/ 145، ومجمع البيان 8/ 470.

[31] جامع البيان 23/ 145، والكشاف 4/ 87-88، والكشف عن نكت المعاني والإعراب 2/ 485، وزاد المسير 7/ 122، ومفاتيح الغيب 26/ 197، والجامع لأحكام القرآن 15/ 179، ومدارك التنزيل 4/ 39، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي) ص601.

ترك تعليق