الإقواء بين الخطأ النحوي والخطأ الموسيقي
الإقواء بين الخطأ النحوي والخطأ الموسيقي
المقدمة
تثير قضية الإقواء في الشعر العربي جدلاً علميًا واسعًا منذ قرون، وتتجدد فيه الآراء وتتنوع الاتجاهات، فهي من القضايا النقدية والعروضية التي شغلت بال العلماء والباحثين، وما زالت تثير حوارًا خصبًا بين مؤيد ومعارض. والإقواء في أبسط تعريفاته هو اختلاف حركة الروي في القصيدة الواحدة بين الرفع والجر أو بين الضم والكسر، مما يخل بالوحدة الصوتية للقافية. وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الظاهرة التي نسبت إلى فحول الشعراء الجاهليين والإسلاميين كالنابغة وحسان وامرئ القيس، فذهب فريق إلى أنها خطأ نحوي وقع فيه الشاعر لانشغاله بالموسيقا الشعرية عن مراعاة قواعد الإعراب، وذهب فريق آخر إلى أنها خطأ موسيقي ناتج عن خلل في الوزن والإيقاع، وذهب فريق ثالث إلى نفي وجود الإقواء أصلًا، معتبرًا أنه مجرد توهم من النقاد. هذه القضية التي تمس جوهر الشعر العربي وعروضه وقوافيه، تستحق وقفة متأنية، نستعرض فيها آراء أبرز الباحثين، ونحلل أدلتهم، ونقف على ما استقر عليه الرأي الراجح في هذه المسألة الجدلية.
تعريف الإقواء وطبيعته اللغوية والعروضية
الإقواء في اللغة يعني الضعف والانحناء، وفي اصطلاح العروضيين هو اختلاف حركة الروي في القصيدة الواحدة بين الرفع والجر، أو بين الضم والكسر، بحيث تأتي قافية مرفوعة وأخرى مجرورة أو مكسورة، مما يخل بالوحدة الصوتية للقافية [1].
وهذا العيب الشعري يعد من أقبح العيوب التي تقع في الشعر، لأنه يفسد الموسيقا الشعرية ويخل بتناسق الأبيات، ولذلك كان الشعراء حريصين على تجنبه، وكان النقاد يتتبعون الشعراء في هذا العيب وينقدونهم عليه.
المذهب الأول: الإقواء خطأ نحوي
رأي الدكتور إبراهيم أنيس
ذهب الدكتور إبراهيم أنيس إلى أن الإقواء خطأ نحوي لا خطأ شعري، وقال: “لو صحت مثل هذه الروايات، يجب أن تعد خطأ نحويًا لا خطأ شعريًا، فالشاعر صاحب الأذن الموسيقية، والحريص على موسيقا القافية لا يعقل أن يزل في مثل هذا الخطأ الواضح الذي يدركه حتى المبتدئون في قول الشعر، بله النابغة وأمثاله من الشعراء” [2].
وقد مثل الدكتور أنيس بقول النابغة:
زعم البوارح أن رحلتنا غدًا***وبذاك حدثنا الغراب الأسود
فقد كسر الدال في قوله “الأسود” مع أن باقي القصيدة مرفوعة، ورأى الدكتور أنيس أن النابغة قد نطق بالبيت على هذا النحو مراعيًا الموسيقا الشعرية، ولكنه أخطأ في قواعد النحو، وهذا هو الإقواء عند الراوية [2].
رأي الدكتور رمضان عبدالتواب
وتبع الدكتور أنيسًا في هذا المذهب الدكتور رمضان عبدالتواب، حيث يقول: “الإقواء في رأي اللغويين المحدثين ليس في الحقيقة من الخطأ في الموسيقا، كما يريد أصحاب العروض أن يحملونا على هذا الفهم، بل هو في الواقع خطأ نحوي” [4]. وأوضح أن الشاعر يلتزم حركة معينة في روي القصيدة، وهذا شيء لا يمكن أن يتجاهله شاعر وهب أذنًا موسيقية، ولكنه يمكن أن يغفل عن الإعراب لأنه ليس سابقة له [4].
تعليل هذا المذهب
ومما عزز هذا المذهب أن الشاعر قد ينشغل بحركة الروي عن الإعراب، فيأتي بالكلمة على ما تقتضيه القافية لا ما يقتضيه موقعها الإعرابي، وهذا احتمال وارد عند الشعراء الجاهليين الذين لم تكن قواعد النحو قد دونت بعد، فكانوا ينطقون القصيدة على نمط واحد دون مراعاة دقيقة للإعراب [4].
المذهب الثاني: الإقواء خطأ موسيقي
رأي الدكتور محمد الطويل
ذهب الدكتور محمد الطويل إلى أن الإقواء من قبيل الخطأ في موسيقا الشعر، وليس في النحو، ورفض قول الدكتور أنيس ورمضان عبدالتواب، واتهمهما بالتجني على الرواة واللغويين، وعد هذا طعنًا في حفظهم وشكًا في ثقافتهم [5].
وقال الدكتور الطويل: “الذي يقبله العقل: أن هذه الأبيات التي وقع بها الإقواء أو الإصراف كانت تقرأ وفق ما يقتضيه النحو فعلاً، أي بها خطأ موسيقي، والشاعر لسبب أو لآخر لم يحس بذلك، ولكنه إذا ذكر عاد إلى خطئه وحاول إصلاحه كما في قصة النابغة” [6].
قصة النابغة ودلالتها
وتستند قصة النابغة إلى رواية مشهورة، وهي أن النابغة كان قد أنشد قصيدته التي منها البيت المذكور، فلما سمعته قينة تغنيه، أشارت إليه بالخطأ في حركة الروي، فأدرك خطأه وغير البيت، وقيل: إنه قال: “دخلت يثرب وفي شعري صنعة، وخرجت منها وأنا أشعر العرب” [6].
وهذه القصة دليل عند أصحاب المذهب الثاني على أن الخطأ كان موسيقيًا لا نحويًا، لأن القينة التي غنت البيت لم تكن عالمة بالنحو وإنما كانت حساسة للموسيقا الشعرية، فتنبهت إلى الخلل في الإيقاع، فدلت النابغة على خطئه [6].
المذهب الثالث: نفي وجود الإقواء أصلًا
رؤية الباحثين في عدم وقوع الإقواء
ذهب بعض الباحثين إلى أن الإقواء لم يكن موجودًا أصلًا، وأن ما نسب إلى الشعراء من إقواء إنما هو خطأ في الرواية أو توهم من النقاد. ويرى أصحاب هذا المذهب أن الشعراء الجاهليين كانوا أفصح الناس لسانًا وأقومهم لغة، فكيف يقعون في مثل هذا الخطأ الواضح [8]؟
تحليل أمثلة الإقواء في ضوء علم العروض
وقد قام هؤلاء الباحثون بتحليل الشواهد الشعرية التي قيل فيها بالإقواء، فوجدوا أن غالبيتها العظمى من بحر الوافر، وهذا البحر يجوز فيه قصر الضرب، مما يرفع الإشكال جملة وتفصيلاً [8].
فبحر الوافر وزنه:
مفاعلتن مفاعلتن فعولن
ويجوز في ضربه:
مفاعلتن مفاعلتن فعولْ
فإذا كانت القافية في ضرب الوافر مقصورة، فإنها تكون ساكنة أو مكسورة أو مضمومة بحسب ما يقتضيه الوزن، وليس هناك أي خلل نحوي أو عروضي [8].
تطبيق ذلك على الشواهد المذكورة
وبتطبيق هذا على الأبيات التي استشهد بها أصحاب المذهبين الأول والثاني، نجد أنها كلها من بحر الوافر المقصور أو المقطوف، كما في قول الشاعر:
أرأيتك إن منعت كلام يحيى ** أتمنعني على يحيى البكاء
ففي طرفي على عيني سهاد **وفي قلبي على يحيى البلاء
فهذه الأبيات من بحر الوافر المقصور، وآخر كل بيت ساكن، وهو ضرب مقصور، فلا إقواء فيها ولا خطأ نحوي ولا موسيقي [8].
وكذلك قول بشر بن أبي حازم:
ألم تر أن طول الدهر يسلي ** وينسي مثل ما نسيت جذام
وكانوا قومنا فبغوا علينا **فسقناهم إلى بلد الشآم
فهذه الأبيات أيضًا من بحر الوافر، وقوافيها كلها ساكنة، فلا إقواء فيها [8].
وكذلك قول الشاعر:
تغيرت البلاد ومن عليها ** فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي طعم ولون ** وقل بشاشة الوجه المليح
فهذه الأبيات من بحر الوافر المقصور كذلك، وكلها على نمط واحد، فلا إقواء فيها [8].
خلاصة القول في مسألة الإقواء
بعد استعراض المذاهب الثلاثة وتحليل الشواهد الشعرية، يتبين أن القول الراجح في مسألة الإقواء هو ما ذهب إليه المذهب الثالث القائل بعدم وجود الإقواء أصلًا، وأن ما نسب إلى الشعراء إنما هو خطأ في الرواية أو فهم خاطئ لطبيعة بحر الوافر الذي يجوز فيه قصر الضرب [8].
ويدعم هذا القول أن غالبيّة الشواهد التي قيل فيها بالإقواء هي من بحر الوافر، وهذا البحر يجوز فيه ضرب مقصور، مما يعني أن الحركة الأخيرة في القافية ليست بحركة إعرابية بالضرورة، وإنما هي حركة عروضية يحددها الوزن والقافية [8].
وما ورد عن النابغة من قصة القينة، فإنه يمكن تفسيره على أنه تنبيه على خطأ في الصنعة الشعرية، وليس خطأ في النحو أو الموسيقا، والنابغة نفسه قال: “دخلت يثرب وفي شعري صنعة، ثم خرجت منها وأنا أشعر العرب”، ولم يقل: دخلتها وفي شعري خطأ نحوي، مما يدل على أن الخطأ كان في الصنعة الشعرية لا في الإعراب [6].
قائمة المراجع:
– أنيس، إبراهيم. موسيقا الشعر. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
– عبدالتواب، رمضان. فصول في فقه العربية. مكتبة الخانجي، القاهرة.
– الطويل، محمد. في عروض الشعر العربي. دار الفكر العربي، القاهرة.
– كشك. القافية تاج الإيقاع الشعري. دار المعرفة، القاهرة.
– مير علم، يحيى. فن القافية – قضايا وبحوث. طبعة ثالثة، 2001م – 1421هـ.
– عالم الكتب. العدد الرابع من المجلد الخامس، مايو 1985م.
—————
[1] منشور في كتابنا: “فن القافية – قضايا وبحوث” (ص: 100 وما بعدها)، طبعة ثالثة 2001م – 1421هـ.
[2] “موسيقا الشعر” (ص: 261).
[3] المصدر السابق.
[4] “فصول في فقه العربية” دكتور رمضان عبدالتواب (75 – 142).
[5] “فصول في فقه العربية” (75 – 142)، و”في عروض الشعر العربي” (ص: 147).
[6] “في عروض الشعر العربي” (ص: 202).
[7] “القافية تاج الإيقاع الشعري” (ص: 103).
[8] عالم الكتب – العدد الرابع من المجلد الخامس، مايو 1985م (ص: 730).
