العلامات ودورها في الانتقاء اللغوي

العلامات ودورها في الانتقاء اللغوي

 المقدمة

تتأسس اللغة الإنسانية على نظام علاماتي معقد، تتفاعل فيه العناصر الصوتية والدلالية والتركيبية لتشكل منظومة متكاملة قادرة على حمل المعاني ونقلها بين أفراد المجتمع اللغوي. وهذا النظام العلاماتي ليس مجرد أداة تواصلية جامدة، بل هو كيان حي متجدد، يعكس وعي المتكلم بالعالم من حوله، وقدرته على تمثيله تمثيلًا رمزيًا يتلاءم مع حاجاته التواصلية. وتكمن أهمية دراسة “ميكانزم” انتقاء العلامة اللغوية في أنها تفتح لنا نافذة على كيفية عمل العقل البشري في أثناء إنتاج اللغة، وكيف يتفاعل مع العوامل السياقية والثقافية والنفسية التي تحيط بعملية التواصل. هذا المقال يستعرض الأسس النظرية التي يقوم عليها نظام انتقاء العلامات اللغوية، متناولا مستويات هذا الانتقاء من المعجم إلى التركيب إلى الترميز إلى الثقافة التناصية، ومختتمًا بمناقشة الإشكال المحوري حول الحد الفاصل بين قراءة النص وفوضى النص، في محاولة للإجابة عن السؤال: متى يكون النص نصًا؟

 اللغة كنظام من الأنظمة العلاماتية المتداخلة

تشكل اللغة نظامًا معقدًا من الأنظمة المتداخلة، التي تشتمل كل منها على ميكانزم علاماتي معين في الانتقاء اللغوي. فهناك النظام الصوتي، والنظام الصرفي، والنظام النحوي، والنظام الدلالي، والنظام التداولي، وكل منها يعمل بتنسيق مع الآخر لإنتاج الخطاب اللغوي.

وهذه الأنظمة ليست منفصلة عن بعضها البعض، بل تتداخل وتتفاعل بطرق معقدة، مما يجعل اللغة نظامًا متشابكًا، يصعب فصله إلى مكونات مستقلة.

 عملية انتقاء العلامة اللغوية بين الإدراك والإنجاز

تعتمد اللغة كنشاط على المثير والدافع -سياق لا لغوي- الذي يحثنا على الرغبة في الإنجاز، فإذا تم الإدراك العلاماتي للسياق غير اللغوي، يبدأ المتكلم في انتقاء العلامات اللغوية التي تساعده على الإنجاز.

فيبدأ المتكلم باستشعار الوظيفة اللغوية الأم، التي ستحقق أهدافه داخل نظام تأطيري معين يخدم تلك الوظيفة، ثم يبدأ في اختبار العلامة اللغوية من خلال الموروث المعجمي لديه بين أطر حملية وحدود من خلال قواعد تكوين المحمولات “مشتقة/ أصول”، وذلك كله محكوم بارتباط الدالة المعجمية بواقعها السياقي، والذي ستقوم العلامة اللغوية بتوصيله للمتلقى.

 مرحلة التكوين القضوي للنص

ثم تبدأ مرحلة أخرى أكثر تعقيدًا في الانتقاء العلاماتي اللغوي، إذ تتداخل الوظائف “الدلالية والتداولية والتركيبية” في ثنايا تكوين القضايا الصغرى المكونة للبنية الكبرى للنص، ثم البحث عن قواعد توسيع تلك القضايا، لتحقيق التماسك النصي والدلالي للنص.

وفي أثناء ذلك كله تتعدد الوظائف اللغوية، التي ترمي في آخر الأمر لبلورة الوظيفة الأم التي ارتضاها المتكلم. ولا يمكن تخيل انعدام العلامة الصوتية في أي من هذه المراحل، بل تبقى قائمة في التصور ما دامت العلامة اللغوية تتشكل بها وتحي في حيزها.

 دور المتلقي في عملية الانتقاء العلاماتي

لا تكتمل عملية الانتقاء العلاماتي للغة إلا بإتمام نفس الدورة للمتلقي، ولا يعني ذلك أن المتلقي أثناء استقباله للعلامات اللغوية يكون سلبيا في الموقف الكلامي، على العكس تمامًا، إذ يستقرئ المتلقي السياق غير اللغوي واللغوي، ويتوقع للمتكلم، ويتجاوب مع الوظيفة الانتباهية للغة.

وعندما يستقر لدى المتلقي نجاح التواصل، وعندما تأخذ الدورة الانتقائية دورها للمتلقي، يبدأ التواصل اللغوي في دورة انتقائية جديدة، تعتمد بشكل رئيس على تبادل الأدوار.

 التأطير النصي ووظيفته في التواصل

ما دام التأطير النصي يتحكم بمؤشر الوظيفة اللغوية في التواصل، فإن ذلك يستلزم بالضرورة وجود عرف ما للدخول في التواصل، والخروج منه، والانتقال بين ثناياه، وهو يعتمد أيضًا على عرفية العلامة اللغوية الدالة على الاستهلال والانتقال والختام بين الجماعة اللغوية في التواصل.

 مستويات الإبهام الدلالي في التلقي

تقف العلامة عند عتبات متتالية في أثناء الاستيعاب الدلالي للنص ككل، أولى هذه العتبات:

 العتبة الأولى: المعجم

الكلمة خارج سياق النص بالرغم من دلالاتها المعجمية المختلفة، إلا أنها ترتبط بحالة علاماتية معينة من بين هذه الدلالات، ولا تستقر دلالة الكلمة هذه إلا داخل النص. والمعجم كعتبة أولى قد يبهَم دلالتها بالنسبة للمتلقى، مما يؤدي لإحداث قصور في التراكب القضوي للنص.

 العتبة الثانية: التركيب

وهو مسرح القرينة، وأساس النص، ويكون إبهامه على محور التوزيع للبنية الجملية. ومثال ذلك بيت الفرزدق:

وما مثله في الناس إلا مملّكًا **أبو أمه حيٌّ أبوه يقاربه

فهذا البيت يوضح كيف يمكن للتركيب أن ينتج إبهامًا دلاليًا، يؤدي إلى قصور في التراكب القضوي للنص.

 العتبة الثالثة: الترميز

إذا كانت اللغة نظامًا قائمًا على العلامة/الرمز، فإن الجنوح للتكثيف الدلالي لتلك الرموز/العلامات يبهِم المحتوى القضوي المرجو الانفتاح عليه من قبل المتلقي.

 العتبة الرابعة: الثقافة التناصية

بالرغم من اتصال كثير من العتبات الثلاث السابقة بثقافة المتلقي وآليات تلقيه، إلا أن تلك الثقافة تظهر بشكل جلي في العتبة الرابعة، إذ يستلزم قراءة نص ما -بلا مبالغة- هضمًا تامًا للنصوص قاطبة، فكل نص يتناص على الأقل مع عالم كاتبه جملة وتفصيلاً.

 الإشكال المحوري: متى يكون النص؟

إن مستويات الإبهام الدلالي على نحو مما سبق تطرح أمامنا إشكالاً، وهو: ما الحد الفاصل بين قراءة النص وفوضى النص؟

ويمكن تناول الإشكال السابق من خلال الإجابة عن السؤال التالي: متى يكون النص؟

إن إلقاء التحية في أثناء خروجك من منزلك على جارك له وظيفة مباشرة وفعل إنجازي مباشر، هو إعلان حالة الود بين الجارين، كذلك يكون النص إذا استطاع أن يعبر عن وظيفته وغايته الإنجازية بشكل مباشر.

وفي الوقت نفسه يمكن قراءة تلك الوظيفة بأشكال مختلفة، بداية من الاستخدام المعجمي حتى النبر والتنغيم المصاحب لها، وهنا قد تختلف قراءة التحية، وإن تم الاتفاق حول وظيفتها الكبرى وفعلها الإنجازي المباشر. وكذلك النص أيضًا، تتعدد قراءاته في ضوء مباشرة وظيفته وفعله الإنجازي لدى المتلقي، ويبقى اختلاف القراءة تابعًا لثقافة المتلقي – بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ واسعة.

قائمة المراجع:

– ديوان الفرزدق. تحقيق: د. علي فاعور. دار الكتب العلمية، بيروت.

– سوسير، فرديناند دي. محاضرات في اللسانيات العامة. ترجمة: د. يوسف غازي. دار الفكر، دمشق.

– الناقلون عن سوسير. علم اللغة العام. ترجمة: د. صالح القاسم. دار الحوار، اللاذقية.

ترك تعليق