إشكالية اجتماع “رابطين” في جملة الحال: دراسة نقدية وتأصيل

إشكالية اجتماع “رابطين” في جملة الحال: دراسة نقدية وتأصيل

استقر في الدرس النحوي لدى جمهور النحاة أن الجملة الاسمية الحالية تُربط بصاحبها برابطين معاً: “الواو والضمير”، بل ذهب الموجبون منهم إلى وجوب اقترانهما، معتبرين أن اجتماعهما أكثر من انفراد أحدهما[1][2]. في المقابل، يمثل هذا التنظير مأزقاً منهجياً يتصادم مع أصول اللغة العربية وقواعدها في باب “الجمع بين الأدوات”.

أولاً: قاعدة “عدم اجتماع أداتين لمعنى واحد”

أجمع النحاة على تنزيه لغة العرب عن العبث المتمثل في استخدام أداتين أو علامتين لمعنى واحد في آن واحد إلا للتوكيد. وقد اتخذوا من هذا الأصل معياراً نقدياً وعلة لتفسير ظواهر عدة:

ابن جني: نصّ على أنه «ليس في الكلام اجتماع حرفين لمعنى واحد؛ لأن في ذلك نقضاً لما اعتزم عليه من الاختصار»[8].

تطبيقات القاعدة: مُنع الجمع بين “ألم” و”أم”، وبين “يا” و”الميم” (في يا اللهم عند البصريين)[5]، وبين “أل” و”الإضافة”[7]. كما خُطّئ من يجمع بين أداتي تعدية (أذهبت بزيد)[7] أو بين (لن) و(سوف)[9] أو بين فاء التعليل ولامه[10].

ثانياً: التناقض النحوي في “رابطي الحال”

لما كانت القاعدة تمنع اجتماع علامتين لمعنى واحد، وقع النحاة في تناقض بيّن عندما أعربوا نحو: «أقبل زيد وهو يضحك» جملة حالية، وقرروا أنها مرتبطة بـ “الواو” و”الضمير” معاً.

وقد اعترف النحاة أن الضمير المنفصل في الجملة الحالية لم يُجتلب أساساً للربط (بدليل عدم صلاحه للعود في مواضع أخرى)[11]. وبناءً على قاعدة “امتناع اجتماع رابطين”، فإن القول بأن الجملة الاسمية تُربط بالواو والضمير معاً يُسقط اللغة في تهمة العبث واللغو التنظيري.

ثالثاً: المخرج النقدى: “واو المعية” بديلاً لواو الحال

يرى كاتب النص أن الحل الجذري لتخليص النحو العربي من هذا المأزق يكمن في إعادة توصيف هذه الواو:

1)   إعرابها واو المعية: لو اعتبر النحاة الواو الداخلة على الجملة واو “المعية” (لتصبح الجملة مفعولاً معه) لسلمت لهم الأصول؛ إذ إن المفعول معه لا يتطلب شروط الحال (كالتنكير والتعريف، أو عود الضمير).

2)   استقامة المعنى وسلامة القواعد: بهذا التوجيه، تتخلص الجملة من عبء “الضمير الرابط”، وتنتفي تهمة الجمع بين رابطين لغرض واحد، وينجو النحو العربي من تكلف افتراض الروابط المتعددة بلا طائل.

————————–

[1] التدريب في تمثيل التقريب، ص139؛ شرح ابن عقيل 1/ 657؛ شرح الكافية للأردبيلي (مخطوط)، ورقة 66؛ الفوائد الضيائية، ص72-73.

[2] شرح ألفية ابن مالك لأنس الناظم، ص135؛ شرح الرضي 1/ 41-42؛ البحر المحيط 1/ 163؛ شرح الأشموني 3/ 138.

[3] المقتضب 3/ 307.

[4] القيرواني، ضرائر الشعر، ص149.

[5] المصدر نفسه ص149؛ شرح مغني الجاربردي للميلاني، ص22.

[6] الإيضاح في شرح المفصل لابن حاجب 2/ 15.

[7] الأشباه والنظائر 1/ 313.

[8] الأشباه والنظائر 1/ 314.

[9] قل ولا تقل، لمصطفى جواد، ص126.

[10] دراسات في فلسفة النحو، لمصطفى جواد، ص95-96.

[11] شرح التصريح 1/ 391؛ حاشية الصبان 2/ 190؛ حاشية الدسوقي على المغني 2/ 192؛ الكواكب الدرية 2/ 31.


 

ترك تعليق