الفوارق البلاغية بين واو المعية وحال الجملة: دراسة في التوجيه التفسيري

الفوارق البلاغية بين واو المعية وحال الجملة: دراسة في التوجيه التفسيري

يرتكز جوهر الإشكال عند النحاة في تفريقهم بين الجمل المرتبطة بالواو وغير المرتبطة؛ إذ أدى بهم حصر “واو المعية” في المفعول معه المفرد إلى اضطراب في تفسير الجمل المرتبطة بالواو. والحقيقة أن هذه الواو تفيد “المعية”، وقد تتضمن معنى “على الرغم من”، وهو معنى لا يتحقق إذا حُذفت الواو وصارت الجملة حالية، لأن الحال تقييدٌ لا يناسب كل المقامات.

أولاً: الفرق البلاغي بين “المعية” و”الحال”

يتمثل الفرق في ثلاثة مستويات:

1)   العلاقة: “واو المعية” تفيد اقتران حدوثين، بينما “الحال” تفيد الوصف؛ فالمعية تفصل الجملة عن متبوعها، والحال تذيبها فيه لتصير كأنها جزء منه.

2)   الاستقلال: الجملة المرتبطة بالواو (مفعول معه) تبرز صفتها وتستقل، بينما الجملة الحالية تلتصق بصاحبها وتتحد به.

3)   غرض الإبلاغ: الربط بالواو أبلغ إذا أُريد الاستقلال والبروز، وحذفها أبلغ إذا أُريد التأكيد على الالتصاق واللزوم.

ثانياً: تطبيقات على شواهد قرآنية

1)   قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ [الحجر: 4]

اخطأ النحاة والمفسرون حين قرروا أن الربط بالواو يزيد “لصوقاً” بالموصوف، والحقيقة عكس ذلك. فالكتاب المعلوم (الأجل) لا يتحقق معناه إلا عند تنفيذه لحظة الهلاك، فكان الجمع بينهما “اقتراناً” (معية)، لذا ناسبت الواو. بينما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ [الشعراء: 208] حُذفت الواو؛ لأن المراد هو بيان “سنة الإنذار” كحالة لازمة قبل الهلاك، لا مجرد اقتران زمني.

2)   قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة: 216]

جاءت الواو هنا لتفصل صفة (الكره) عن (القتال)؛ لأن القتال في ذاته شر، ولكن قد يأتي منه الخير شذوذاً. لو حُذفت الواو لصارت الجملة صفة (القتال المكروه)، فيتحول إلى “خير محض” أو “شر محض” في الذهن، بينما السياق يريد إظهار الخير كأمر طارئ ومجاور للشر، فكانت “المعية” أبلغ في هذا التصوير[8].

3)   قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة: 36]

يعد النحاة حذف الواو هنا “غير قياسي” أو “شاذ”، وهو خطأ في الفهم. إن غياب الواو هنا مقصود بلاغياً؛ لأن العداوة بين الشيطان وذريته متأصلة ومتداخلة كجريان الدم، فكان لا بد من حذف الواو لتتحقق “الحالية” التي تعني اتحاد الجملة بما قبلها. ولو رُبطت بالواو لأفادت أنها “مجرد عداوة متجاورة”، ولأوهمت أن الله هو الذي أنزل العداوة معهم، وهذا تنزيهٌ لله عنه.

ثالثاً: نحو تفسير معنوي لا لفظي

لقد شغل النحاة أنفسهم بتبرير “حذف الواو” أو “إثباتها” تعليلاتٍ شكليةً (كالشذوذ أو الاستحسان)، وكان الأجدر بهم أن يسلكوا “التفسير المعنوي”: لماذا أُريد هنا معنى الحال (للزوم والاتحاد)؟ ولماذا أُريد هناك معنى المعية (للاقتران والاستقلال)؟ إن إدراك أن “واو الحال” هي في الحقيقة “واو معية” في كثير من المواضع، يفتح باباً واسعاً لإدراك بلاغة القرآن، ويغنينا عن التفسيرات المتكلفة التي أثقلت النحو العربي.

 

——————————-

[1] ضياء الدين بن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر 2/ 329.

[2] المثل السائر 2/ 329-330.

[3] المفضل في شرح المفصل، ص705.

[4] شرح الرضي 2/ 41.

[5] جامع الدروس العربية 3/ 98.

[6] الكشاف 2/ 570، 2/ 713-714، 3/ 338-339، والفريد في إعراب القرآن (مخطوط)، الجزء الثاني، ورقة 150، وتفسير البيضاوي 3/ 83، وشرح المغنى للشمني 2/ 111.

[7] تفسير أبي السعود 3/ 141.

[8] التفسير القيم، ص145.

[9] رواه ابن السني عن أنس رضي الله عنه، الأذكار للنووي، ص69.

 

ترك تعليق