الإشكال في إعراب واو الحال وحله بمعاني واو المعية
الإشكال في إعراب “واو الحال” وحله بمعاني “واو المعية”
يقع كثير من النحاة في إشكالات تفسيرية وإعرابية عند التعامل مع بعض التراكيب القرآنية والنبوية التي اقترنت فيها الجمل بـ “الواو”، حيث يصرّون على إعرابها “واو حال”، في حين أن السياق والمعنى يقتضيان كونها “واو معية”.
وفيما يلي رصدٌ لنماذج من هذه الإشكالات ومحاولات حلّها:
أولاً: إشكالية “واو الحال” في الجمل الشرطية
ذهب السهيلي إلى أن الواو الداخلة على “إن” الشرطية في الحديث: “من مات ولم يُشرك بالله شيئاً دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق”، هي واو عاطفة لغرض تحصين المعنى[1]. بينما ذهب آخرون كالأسفراييني والكرماني والزركشي إلى أنها “حالية”[3][4][5]. وفي المقابل، انقسم النحاة في إعراب الواو في نحو: “زيدٌ وإن كثر مالُه بخيلٌ”؛ فمن جعلها حالية قدّر الجملة بـ: “زيدٌ كثيرًا مالُه بخيلٌ”.
نقد التوجيه:
يرى الزركشي أن جعل الواو للحال يفسد المعنى؛ فقولنا في “أحسِن إلى زيدٍ وإن كفَّرك” (أحسن إليه كافراً لك) يقيّد الإحسان بحالة الكفر، وهو عكس المقصود. وكذلك في المثال “زيدٌ وإن كثر مالُه بخيلٌ”، فتقديرها (زيدٌ كثيراً ماله بخيل) يعني أنه يبخل في حال غناه فقط، وهذا غير مقبول عقلاً؛ فالبخل عند الغنى أشدّ. ومن جعلها عاطفة وقع في إشكال حذف المعطوف عليه، وهو أمر غير مألوف.
الحل المقترح:
الحل يكمن في استحضار معنى “المعية” الذي استبعده النحاة؛ لأنهم حصروا واو المعية في دخولها على المفرد دون الجملة. فتقدير “زيدٌ وإن كثر ماله بخيل” هو: “زيدٌ مع كثرة ماله بخيل”.
وهذا يشبه قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ و﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾، حيث أجمعوا على أن (على) هنا بمعنى (مع)[7][8]. وقد استعمل أبو السعود هذا التقدير حين فسّر قوله تعالى: “على ظلمهم” بـ “وإن كانوا ظالمين”، فاستخدم صيغة الشرط تفسيراً لمعنى المعية[9]. إذن، الواو هنا هي واو المعية، وبها يستقيم المعنى دون تكلف[10].
ثانياً: واو المعية في ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾
يتجنب النحاة إعراب الواو هنا للمعية لرفع الفعل بعدها، فيعربونها حالية أو استئنافية[11].
نقد الحال: أن تعرب “ويعلمكم الله” حالاً يعني تقييد تقوى الله بحالة التعليم، وهو بعيد عن الحث على التقوى.
نقد الاستئناف: الاستئناف يعني الانقطاع، والآية هنا تظهر علاقة “مصير واحد” ونتيجة مباشرة؛ فتعليم الله مرتبط باتقاء العباد له[12][13][14].
التوجيه: لا ينبغي أن تُفهم الآية كجملة شرطية (إن تتقوا يُعلمكم) لكي لا يتوهم المخاطب تراخياً في الزمن. السر هنا هو “المعية”؛ أي أن الله يبدأ بتعليم العبد في اللحظة التي يبدأ فيها العبد بالتقوى، فهما مقترنان في زمن واحد.
ثالثاً: اقتران زمن الحال بالمفعول معه
في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾، يُعرب النحاة الجملة حالية[16]. لكن الجملة الحالية يجب أن تقترن بزمن العامل (الحاضر)، بينما “قد كنت بصيراً” ماضية. وتأويلها بجعلها حالاً من “الياء” يجعل البصر قائماً وقت الحشر، وهو تناقض.
الحل:
أن نعتبر الجملة “مفعولاً معه” لا “حالاً”. فالمفعول معه لا يشترط فيه ما يشترط في الحال من ارتباط بصفة صاحبها أو اتحاده في الزمان، بل هي علاقة جمع بين أمرين (كالإنجاب والجماع، أو القتال والإخراج)[17][18]، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا﴾.
رابعاً: معيار “المشتق المفرد” وحلية الجملة
اعتمد النحاة معياراً هو:
إذا صح تقدير الجملة بـ “اسم فاعل” فهي حال، وإلا فلا. لكن هذا المعيار أوقعهم في التناقض في آيات مثل: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، و﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾، حيث لو قدّرناها بـ (متعصبين) أو (نائمين) لفسد المعنى.
لذا، فإن هذه الجمل ليست أحوالاً، بل هي مفعولات معهم، لأنها اقترنت بـ “الواو” التي هي بمعنى (مع). وبذلك يصح تفسير ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ بـ: “تحسبهم جميعاً مع أن قلوبهم شتى”، وهو أوفق للسياق وأبعد عن التكلف الإعرابي[31][32][33][34].
—————————
[1] رواه البخاري.
[2] أمالي السهيلي، ص97 وطاهره الشذوذ للدجني، ص423.
[3] فاتحة الإعراب، ص145.
[4] شرح صحيح البخاري للكرماني 7/ 49 وعمدة القاري للعيني 8/ 4.
[5] البرهان 2/ 367.
[6] الإتقان 1/ 155، وحاشية الصبان 4/ 9، وحاشية يس الحمصي على شرح التصريح 1/ 46، والخواطر العراب ص212 وص291-292.
[7] الكشاف 2/ 162، والتبيان في شرح الديوان المنسوب إلى أبي البقاء العكبري 3/ 162-163، ومدرسة الكوفة، ص283.
[8] الكشاف 1/ 218، 2/ 514، والإتقان 1/ 164، معترك الأقران 2/ 670، وحاشية البناني على شرح جمع الجوامع لجلال المحلي 1/ 267-268، وتناوب حروف الجر في لغة القرآن، ص36، والحروف العاملة في القرآن الكريم، ص329.
[9] تفسير أبي السعود 3/ 99.
[10] إن الخفيفة المكسورة الهمزة في النحو العربي، أسامة طه، ص84-85.
[11] التبيان في إعراب القرآن 1/ 232، وتحت اسم إملاء ما من به الرحمن 1/ 71 وتفسير الجلالين، ص65، وحاشية الجمل على الجلالين 1/ 234-235، وقد جعل ابن هشام الواو في هذه الآية من شواهد واو الاستئناف، المغني 2/ 359.
[12] القاموس 3/ 123.
[13] البرهان للزركشي 4/ 437، والإتقان 1/ 178، وصرف العناية ص150.
[14] تفسير القرطبي 3/ 406.
[15] شعر الشافعي، ص146.
[16] سورة طه، من الآية 125.
[17] كتاب سيبويه 3/ 44-45، وشرح المفصل لابن يعيش 7/ 33، والمفصل للزمخشري، ص248.
[18] تفسير الرازي 9/ 19.
[19] المسائل المشكلة، ص114، ورصف المباني، ص418، وحاشية الدسوقي على المغني 2/ 148.
[20] كشف المشكل 1/ 483- 484.
[21] كتاب سيبويه 3/ 98.
[22] المقتضب 2/ 65-66.
[23] القطع والائتناف، ص118.
[24] الحروف للرماني، ص36-39، والكشاف 1/ 653 وتفسير الطبرسي، المجلد الثاني، ص217، وتفسير النسفي 1/ 40.
[25] دلائل الإعجاز، ص205-208.
[26] الكشاف 2/ 15.
[27] الكشاف 2/ 87، وتفسير الرازي 4/ 21، وتفسير النسفي 2/ 44.
[28] كشف المشكل 1/ 544.
[29] تفسير النسفي 1/ 43، وأوضح المسالك 2/ 103.
[30] شرح شواهد المغني 2/ 654.
[31] الكشاف 2/ 449.
[32] تفسير أبي السعود 3/ 57.
[33] التبيان في إعراب القرآن 2/ 1015 وتحت اسم إملاء ما من به الرحمن 2/ 95.
[34] تفسير أبي السعود 4/ 144.
