(ما) المصدرية والموصولات الحرفية
(ما) المصدرية والموصولات الحرفية
تُعَدّ (ما) من الحروف المصدرية في لسان العرب. ويُعَرَّف الحرف المصدري عموماً بأنه ذلك الحرف الذي يُؤول مع ما يليه من الفعل بمصدر صريح؛ نحو: سرني ما صنعتُ أي صُنعك، وعجبت مما قعدتَ أي من قعودك[1][2].
الفرق بين (ما) المصدرية و(أن) المصدرية
يُفَرِّق النحاة بين (أن) و(ما) المصدريتين من حيث دلالتهما الزمنية:
(أن): تكون للمُضيّ أو الاستقبال[3].
(ما): تكون للحال.
وقد فصّل ابن قيم الجوزية، ناقلاً عن السهيلي، في سرّ استعمال كل منهما[4]. فالسر يكمن في أن (ما) المصدرية يصح وقوعها على مصدر تختلف أنواعه وتتنوع، مثل: يعجبني ما صنعتَ وما عملتَ (لاختلاف الصنعة والعمل). بينما لا يَحسُن –وفقاً للمشهور- أن يُقال: يعجبني ما جلستَ أو ما قمتَ؛ لأنها أفعال لا تتنوع في المعاني. ورغم أن ابن القيم ذهب إلى جواز وقوع (ما) على كلا القبيلين، إلا أن ما ذهب إليه السهيلي يفسر لنا لزوم إعراب (ما) موصولة وامتناع إعرابها مصدرية إذا تلتها أداة نفي؛ فالجملة المنفية تمثل حالة “العدم”، والعدم أمر واحد لا يتنوع ليصح وصفه أو تخصيصه.
من جهة أخرى، تشير الدراسات الحديثة إلى أن وظيفة الحروف المصدرية عامة تتمثل في “إيقاع الجملة موقع المفرد”[5]. والواقع أن هذه الوظيفة (إيقاع الجملة موقع المبتدأ، الفاعل، المفعول، إلخ) هي وظيفة (أن) بالأصالة؛ فهي مهيأة لفظياً لتسليط هذه المعاني على الجملة بدون أدوات مساعدة. أما (لو) المصدرية فتختص بمعنى التمني، و(كي) للتعليل، في حين أن (ما) المصدرية لها غرض دلالي مختلف تماماً.
الطبيعة الاسمية لـ (ما) المصدرية
تختلف الغاية من استعمال (ما) المصدرية عن (أن) المصدرية؛ إذ أشار النحاة القدامى (كالأخفش، وابن السراج، والسهيلي) إلى أن (ما) المصدرية في جوهرها اسم موصول بمنزلة (الذي).
· يذهب الأخفش إلى تقدير الآيات بحسب معناها الاسمي الموصول؛ كقوله تعالى: ﴿ قَالوُاْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ [آل عمران: 118] بتقدير: العنت الذي عنتموه[10][12].
· ويؤكد ابن السراج هذا المذهب، جاعلاً (ما) المصدرية بمنزلة (الذي) في نحو: فعلتُ ما فعل زيد، أي: الفعل الذي فعل زيد[13].
· ومثّل السهيلي لذلك في قوله تعالى: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ [الحجر: 94] بتقدير: بالذي تؤمر به أو بالالأمر الذي تؤمره[15].
لذلك، نجد أن الجمع بينهما ممكن في السياق الواحد لتغاير دلالتيهما، فإذا أحسن صبي الكلام لكنه أساء الأدب بتقديم نفسه على الكبار، يصح أن يقال: سرني ما تكلم الصبي (أي طريقة كلامه)، وما سرني أن تكلم. وبناءً على ذلك، نَبَّه الدكتور فاضل السامرائي على مواضع في القرآن الكريم يمتنع فيها إبدال إحداهما بالأخرى؛ مثل قوله تعالى: ﴿ حَتىَ يُحَكمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ … حَرَجًا مما قَضَيْتَ ﴾ [النساء: 65]، فلا يصح وضع “أن قضيت”؛ لأن المعنى سيصير حرجاً من مبدأ القضاء أو كونه يقضي، بينما المراد الرضا والقبول بمتعلق القضاء ونوعه مهما كان[18]. ومثلها: ﴿ عَما يَصِفُون ﴾ [الأنعام: 100] و﴿ بِمَا قَالُواْ ﴾ [المائدة: 85].
دلالة المصدر: الحدوث مقابل النوع
(أن) مع الفعل: تُناظر المصدر الصريح الدال على الحدوث المجرد (حدث يقع ولا يتنوع؛ كالقسط في قوله تعالى: ﴿ أَمَرَ رَبي بِالْقِسْطِ ﴾ [الأعراف: 29]).
(ما) مع الفعل: تُناظر المصدر الصريح الدال على النوع والكيفية (كالعمل المجازى في قوله تعالى: ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: 105]؛ إذ الجزاء يكون على نوع العمل وليس مجرد حدوثه).
وهذا يفسر لماذا تصحّ صياغة آيات مثل ﴿ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ ﴾ [آل عمران: 49] بتقدير بأكلكم (بمعنى الكيفية والنوع)، ولا تصح بـ “أن تأكلوا”؛ لأن أصل الأكل وحُدوثه بديهي لكل حيّ، وإنما الإخبار النبوي يتعلق بهيئته ونوعه[22].
الموصول الحرفي (الذي) المصدري
نصّ النحاة على أن (الذي) قد ترد في لسان العرب وأشعارهم حرفاً مصدرياً؛ كشاهد عبد الله بن رواحة: في المرسلين ونصرًا كالذي نصروا[25]. وقد أوردوا لها شواهد قرآنية؛ كقوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الذِيَ أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: 154]، و﴿وَخُضْتُمْ كَالذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: 69].
ويرى بعض المحققين من النحاة (كالفراء والرضي) أن (الذي) في هذه المواضع تُقَدَّر بصلتها كاسم موصول صريح لبيان المصدر؛ أي: تماماً على الإحسان الذي أحسن، أو نزولاً كالنزول الذي نزلته[28][29]. وبالمقارنة بين (ما) الموصولة/المصدرية و(الذي) الموصولة/المصدرية، نجد أن (ما) وُضعت لما هو عام ومُبهم غير محدد، بينما (الذي) وُضعت لما هو خاص ومعهود معلوم[30][31].
———————————–
[1] سيبويه، الكتاب، ج 2، ص 329؛ ج 3، ص 153.
[2] ابن جني، اللمع في العربية، ص 268.
[3] ابن جني، سر صناعة الإعراب، ج 2، ص 549.
[4] ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، ج 1، ص 142-143.
[5] مهدي المخزومي، في النحو العربي: قواعد وتطبيق، ص 44؛ فاضل السامرائي، معاني النحو، ج 3، ص 147-148.
[6-9] الفراء، معاني القرآن، ج 2، ص 94؛ الطبري، جامع البيان، ج 14، ص 69.
[10] الأخفش، معاني القرآن، ج 2، ص 339.
[11] المبرد، المقتضب، ج 3، ص 200.
[12] ابن هشام، مغني اللبيب، ج 1، ص 302.
[13] ابن السراج، الأصول في النحو، ج 1، ص 192-194.
[14] الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج 4، ص 505.
[15] السهيلي، الروض الأُنف، ج 3، ص 39-40.
[16] ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، ج 1، ص 146.
[17] ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، ج 1، ص 138-139.
[18] فاضل السامرائي، معاني النحو، ج 3، ص 154-155.
[19] ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، ج 1، ص 142.
[20-24] العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج 1، ص 480؛ الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 1، ص 414; ابن كثير، تفسير ابن كثير، ج 4، ص 192.
[25] الأزهري، أوضح المسالك، ج 1، ص 98.
[26] الفراء، معاني القرآن، ج 1، ص 365.
[27] مكي القيسي، نتائج التحصيل، ج 2، ص 798- 801.
[28] الفراء، معاني القرآن، ج 1، ص 446.
[29] الرضي الأستراباذي، شرح الرضي على الكافية، ج 3، ص 52.
[30-31] فاضل السامرائي، معاني النحو، ج 1، ص 149-150; ج 3، ص 155.
