نظرية إضمار (أن) بعد واو المعية: قراءة نقدية في مسالك التأويل ومفهوم العطف النحوي

نظرية إضمار (أن) بعد واو المعية: قراءة نقدية في مسالك التأويل ومفهوم العطف النحوي

شغلت قضية نصب الفعل المضارع بعد الواو في التراكيب الإنشائية والطلب حيزاً عظيماً من التنظير النحوي، لاسيما عند مدرسة البصريين التي اشترطت عاملاً لفظياً لكل أثر إعرابي. وعمد النحاة إلى تقدير إضمار “أن” المصدرية بعد الواو لتبرير النصب وتحقيق فكرة عطف اسم على اسم، فراراً من عطف الفعل على الاسم. يبحث هذا المقال في جذور هذه النظرية، ويفكك المسالك الوعرة والتأويلات المتكلفة التي ساقها النحاة لتسويغ “المصدر المتوهم”، مظهراً الدلالة الحقيقية التي تؤكد فعلية المضارع وصحة مجيء المفعول معه جملة فعلية.

أولاً: فلسفة النحاة في إضمار (أن) وعلة العطف

يتأسس مذهب جمهور النحاة على أن الفعل المضارع لا يُعطف مباشرة على الاسم، ولا الاسم على الفعل؛ لأن العطف عندهم نظير التثنية، وكما لا يمتزج الاسم والفعل في التثنية، فكذلك في العطف. ومن هنا نبعت فكرة إضمار (أن) لتسبك مع المضارع مصدراً مؤولاً (اسماً) يصح عطفه على ما قبله.

رؤية سيبويه وجيل المتقدمين:

 يرى سيبويه أن سبب الإضمار يعود لنية تحويل الفعل لمصدر؛ فحين قال الشاعر: “لا تنهَ عن خلق وتأتيَ مثله”، أوضح سيبويه أنه “أراد لا يجتمعن النهي والإتيان، فصار (تأتي) على إضمار أن” [1].

تفسير الأخفش:

 زاد الأخفش القضية وضوحاً بقوله إن المتكلم “أضمر مع الفعل (أن)؛ لأن (أن) مع الفعل تكون اسماً، فتعطف اسماً على اسم، وهذا تفسير جميع ما انتصب من الواو والفاء” [2].

تأصيل ابن السراج:

فصّل ابن السراج المسألة مبيناً أن المضارع المنصوب بعد الواو يأتي على ضربين؛ أحدهما عطف الفعل على المصدر المحض مثل: “يعجبني ضربُ زيد وتغضبَ” (أي: وأن تغضبَ)، فلولا إضمار “أن” ما جاز العطف لامتناع عطف الأفعال على الأسماء وعكسه [3].

وقد تتابع على هذا التصريح والاعتماد جمهور من فحول النحاة كأبي علي الفاسي [4]، والجرجاني [5]، وابن معطي [6]، وابن الحاجب [7]، والعكبري [8]، وركن الدين الأسترباذي [9]، وابن هشام [10]، والزركشي [11]، حتى غدا هذا المذهب هو السائد والمستقر في مصنفات المتقدمين والمحدثين على حد سواء [12].

ثانياً: الطرق الوعرة ومأزق “المصدر المتوهَّم أو المتصيَّد”

ظهر الإشكال النحوي جلياً عندما حاول النحاة تطبيق قاعدة العطف على تراكيب لا تحتوي في شطرها الأول على اسم صريح (مصدر محض)، بل تبدأ بفعل أمر أو نهي، مثل المثال الشهير: “لا تأكلِ السمك وتشربَ اللبن”.

هنا، اضطر النحاة إلى سلوك ثلاثة طرق تأويلية بالغة الوعورة والتعقيد للوصول إلى غايتهم:

الطريق الأول: عطف مصدر مؤول على فعل صريح

اعتبروا المضارع (وتشربَ) منصوباً بـ “أن” مضمرة ليؤول بمفرد، ولكن هذا الإجراء أوقعهم في ذات الإشكال الذي فروا منه، وهو جعل المصدر المفرد معطوفاً على فعل صريح متقدم (لا تأكل)، وهو غير جائز في أصولهم.

الطريق الثاني: اختراع “المصدر المتوهم أو المتصيد”

لحل المعضلة السابقة، قرروا تحويل الفعل الأول (المعطوف عليه) إلى مصدر غصب عنه وبطريقة تخيلية. فالأمر في الفعل المتأخر (وتشربَ) سهل؛ لأنه مثبت ومنصوب ويقبل تقدير “وأن تشرب”، أما في الفعل المتقدم الجازم (لا تأكل)، فلا يوجد أي مستند بنائي لصياغة مصدر منه.

لذا لجأوا إلى ما أسموه بـ “المصدر المتوهَّم” أو “المصدر المتصيَّد” -كما عبر المرادي [14]، وابن هشام [15]، والشمني [16]، والبيتوشي [17]، والدسوقي [18]، ومحمد الأمير [19]، ويس الحمصي [20]، والجرجاني [21]- ليعطفوا مصدراً مقدراً على مصدر متوهم. ومع ذلك بقيت الواو في تقديرهم تفيد العطف اللفظي والمعنوي، فعادوا إلى نقطة البداية.

الطريق الثالث: إضافة عبارات إنشائية خارجية

لكي ينتزعوا من الواو معنى “المعية” و”المصاحبة” بعد كل تلك التقديرات، قاموا بإنشاء وإضافة جملة خارجية من كيس المؤوِّل، فقدروا التركيب بالكامل: “لا يكن منك أن تجمع بين أكلِ السمك وشربِ اللبن”.

وهنا يبرز سؤال نقدي منطقي: هل كان العرب الخلّص يتصورون كل هذه الطبقات المعقدة والمتكلفة من التقديرات والتأويلات حين ينطقون بـ “لا تأكل السمك وتشربَ اللبن”؟! إن التكلف يبدو واضحاً مدفوعاً بضرورة صناعية لإنقاذ فكرة أن الواو عاطفة لا غير.

ثالثاً: الاعتراف الضمني بنصب المضارع على المعية

إذا تبين عدم صلاحية الجانب العطفي المتكلف في هذا الباب، يسقط تلقائياً مسوغ إضمار “أن” المصدرية أو تقل الحاجة إليه. والواقع أن النحاة البصريين أنفسهم قدموا اعترافاً ضمناً بهوية الناصب الحقيقية دون أن يشعروا.

فقد اشترط جمهور البصريين أن المضارع لا ينصب بعد الواو إلا إذا كانت الواو “تفيد المعية أبداً” [22]، وأنه “لولا المعية التي يدل عليها فحوى الكلام، لم تجعله مصروفاً” [23]، فنصب المضارع مرهون تماماً بدلالة الواو على المصاحبة والمعية [24].

وقد صرح الإمام الرضي بهذا المفهوم بوضوح تامة حين قال: “إن الفعل المنصوب بعد واو الصرف… لما قصدوا فيه معنى الجمعية -أي معنى المعية- نصبوا المضارع بعدها” [25]، وأكد في موضع آخر أنه “لما قصدوا مصاحبة الفعل للفعل نصبوا ما بعدها” [26].

النتيجة والخلاصة اللغوية

هذا الكلام من أئمة النحو يعُد دليلاً صريحاً على أن المضارع إنما نُصب لدلالته البنيوية على “المعية”، وليس بسبب “أن” المضمرة المستترة. وبناءً عليه، فإن هذا الفعل يبقى صريحاً في فعليته ولا يؤول بمفرد، وتكون واو المعية هنا قد دخلت على جملة فعلية حقيقية، مما يثبت صحة مذهب من يرى من النحاة واللغويين جواز وقوع “المفعول معه” جملة فعلية كاملة، وهو خروج مرن وموفق عن جمود التقديرات الصناعية.

——————————-

[1] عمرو بن عثمان سيبويه، كتاب سيبويه، ج3، ص 42-43.

[2] الأخفش الأوسط، معاني القرآن، ج1، ص 58-59، ص 63، ص 65.

[3] ابن السراج، الأصول في النحو، ج2، ص 155، ص 159.

[4] أبو علي الفاسي (النحوي)، المسائل العسكريات، ص 109 (بتحقيق عمايرة)، وص 131 (بتحقيق منصور).

[5] عبد القاهر الجرجاني، المقتصد في شرح الإيضاح، ج2، ص 1070-1071.

[6] ابن معطي، الفصول الخمسون، ص 203.

[7] ابن الحاجب، الإيضاح في شرح المفصل، ج2، ص 15.

[8] أبو البقاء العكبري، اللباب في علل البناء والإعراب، ص 464.

[9] ركن الدين الأسترباذي، البسيط في شرح الكافية، ص 995.

[10] ابن هشام الأنصاري، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ج3، ص 181.

[11] بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج4، ص 435.

[12] انظر من كتب المحدثين: محمد الأنطاكي وإميل فاخوري، دروس في اللغة العربية، ج1، ص 48-49؛ وأحمد علم الدين الجندي، في الدراسات النحوية واللغوية، ج1، ص 429.

[13] ابن عصفور الإشبيلي، شرح جمل الزجاجي، ج2، ص 157.

[14] ابن أم قاسم المرادي، الجنى الداني في حروف المعاني، ص 187.

[15] ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ج2، ص 397.

[16] الشمني، شرح المغني، ج2، ص 109.

[17] البيتوشي، صرف العناية في كشف الكفاية، ص 149.

[18] الدسوقي، حاشية الدسوقي على المغني، ج2، ص 30.

[19] محمد الأمير، حاشية محمد الأمير على شرح شذور الذهب، ص 59.

[20] يس الحمصي، حاشية الحمصي على شرح التصريح على التوضيح، ج1، ص 343.

[21] الجرجاوي، شرح الجرجاوي على شواهد ابن عقيل، ص 231.

[22] ابن خروف، المستوفي في النحو، ص 437-438.

[23] المصدر نفسه، ص 439.

[24] ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، ج2، ص 352-355؛ والأشموني، شرح الأشموني (بحاشية الصبان)، ج3، ص 306.

[25] الرضي الأسترباذي، شرح كافية ابن الحاجب، ج4، ص 67.

[26] المصدر نفسه، ج4، ص 68.

ترك تعليق