إشكالية الجملة الحالية الخالية من الضمير العائد: بين تمحلات التأويل النحوي وواقع الدلالة اللغوية

إشكالية الجملة الحالية الخالية من الضمير العائد: بين تمحلات التأويل النحوي وواقع الدلالة اللغوية

تمثل الجملة الحالية الحاوية على واو الحال والخالية من ضمير يربطها بصاحب الحال أرضاً خصبة للمعارك النحوية والتقديرات التأويلية عبر تاريخ التراث اللغوي العربي. وقد استشعر النحاة إشكالاً كبيراً في تراكيب لغوية شهيرة مثل “جاء زيد والشمس طالعة”، نظراً لكون الجملة لا تبين هيئة الفاعل أو المفعول بشكل مباشر ومباشر لعدم وجود الرابط. يستعرض هذا المقال تفاصيل هذا الإشكال، ومحاولات التأويل المتنوعة كالحال السببي والمشتقات، ومدى تكلف أو ملاءمة هذه التقديرات البنيوية.

أولاً: التأويل بالحال السببي وموقف ابن جني وابن هشام

عندما واجه النحويون معضلة عدم بيان الجملة الحالية لهيئة فاعلها في نحو قولهم: “جاء زيد والشمس طالعة”، سارعوا إلى البحث عن مخارج صناعية.

فقد نقل ابن هشام [1] أن الإمام ابن جني أوَّل هذا التركيب بجعل الجملة تنحل إلى مفرد سببي، فقدرها بـ: “جاء زيد طالعةً الشمسُ عند مجيئه”، مقيساً إياها على النعت السببي والحال السببي، كقولك: “مررت بالدار قائماً سكانها”، و”برجل قائم غلمانه”.

وقد تتابع نحويون آخرون على تبني هذا التأويل لحل الإشكالية الفنية مستشهدين بذات المثال، دون أن ينسبوا القول لابن جني بشكل صريح [2].

نقد التأويل بالحال السببي

على الرغم من ظن النحاة بأن الإشكال قد زال بتحويل الجملة إلى مفرد، إلا أن المشكلة في واقع الأمر بقيت قائمة؛ وذلك لأن “الحال السببي” -بتصريح النحاة أنفسهم- لا يُعد وصفاً حقيقياً لما قبله (صاحب الحال) وإنما هو وصف لما بعده (المرفوع به). وبالتالي، فإن كلمة “طالعة” تصف “الشمس” لا “زيداً”، فلم تؤدِّ الوظيفة الأساسية للحال وهي بيان هيئة صاحبها. ولهذا السبب، فإن بعض النحاة المحدثين أخرجوا النعت والتعقيب السببي من حيز الوصف والإعراب التقليدي [3]، وهو ما ينطبق تماماً على الحال السببي.

ثانياً: شروط النحاة في الحال السببي وعدم مطابقة التأويل

يظهر أن النحاة يضعون شروطاً صارمة لاعتبار الحال سببية، ومن أهم هذه الشروط أن يكون الاسم المرفوع بالحال مضافاً إلى ضمير يعود على صاحب الحال؛ كقولك: “ركبت الفرس غائباً صاحبُه”، فالهاء في “صاحبه” تعود على “الفرس” [4].

أما في تأويلهم لـ “جاء زيد والشمس طالعة” بـ “طالعة الشمس عند مجيئه”، فإن مرفوع الحال السببي وهو (الشمس) لم يتصل به أي ضمير يعود على زيد (صاحب الحال)، مما يعني أن الجملة لم تصبح حالاً سببية صحيحة حتى بعد التمحل والتأويل، وهو ما يؤكد بُعد هذه التراكيب عن الصلاحية التقديرية التي حاولوا إقحامها فيها.

ثالثاً: مسارات التأويل المشهورة عند النحاة

تعددت مسالك النحويين في معالجة هذه الجمل، ويمكن حصرها في ثلاثة اتجاهات رئيسية:

التأويل بمشتق مناسب لمعنى الجملة

حاول بعض النحاة العثور على مشتق مفرد يذوب فيه معنى الجملة بالكامل؛ ففي قول الشاعر:

وقد اغتدى والطيرُ في وُكُناتِها… بمجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكلِ

قام السخاوي [5] بحل إشكال جملة “والطير في وكناتها” عبر تأويلها بلفظة (مُبكراً). وهو ذات الخيار الذي ذكره ابن هشام لاحقاً في المغني [6] منسوباً إلى ابن عمرون [7]، مع سَبْق السخاوي له تاريخياً.

تصدير الجملة باسم مشتق يحمل الضمير (مقارناً / مصاحباً / ملابساً)

شاع عند النحاة تقدير اسم مشتق خارج عن بنيّة الجملة الأصلية ليكون هو الحامل للضمير العائد:

تقدير (مصاحباً): في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ [يوسف: 14]، أو “جاء زيد والجيش مصطف”، قَدّروا: لئن أكله الذئب مصاحباً لكوننا عصبة، وجاء زيد مصاحباً لاصطفاف الجيش [8].

تقدير (مقارناً): في نحو “جاء زيد وعمرو جالس”، أولوه بـ: جاء زيد مقارناً لجلوس عمرو [9].

تقدير (ملابساً) أو (موافقاً): أولوا بيت الشعر السابق بـ: “وقد اغتدى ملابساً هذه الحالة” [10]، أو صدّروها بلفظ موافقاً [11].

تأويل الدماميني والارتياح المتأخر

يذكر النحوي المتأخر محمد بن أحمد الأهدل [12] أنه بعد عناء طويل مع مسألة الجمل التي لا صاحب لها، وجد ضالته في كلام الإمام الدماميني في “المنهل الصافي”، حيث تأوّل الآية الكريمة بناءً على موقع الحال:

إن جُعلت الحال من الفاعل (الذئب): “لئن أكله الذئب غيرَ متلفتٍ إلى تعصُّبنا“.

إن جُعلت الحال من المفعول (الهاء في أكله): “لئن أكله الذئب محفوظاً بنا أو بتعصبنا“.

ورغم أن الأهدل اعتبر هذا العثور نعمة عظيمة أثنى عليها، إلا أن هذا التأويل يفيض بالتكلف، كما أنه صيغة مخرجة خصيصاً لسياق الآية، ولا يمكن طردها كقاعدة عامة في بقية الجمل كـ “عمرو جالس”.

رابعاً: لماذا لا يحل التأويل المشتق إشكالية الضمير العائد؟

إن عملية التأويل -سواء بمستغنٍ عن الضمير أو بحاملٍ له- تظل عاجزة عن حل الإشكال الجوهري لأسباب علمية دقيقة:

مخالفة مقصود المتكلم:

التأويل المقبول لابد أن ينبثق تلقائياً من دلالة اللفظ الأصلي ومطابقاً لمراد القائل وسماع السامع.

الفرق بين التقدير الطبيعي والتعسف الصناعي:

التقدير في النحو مسألة سهلة يمكن لكل نحوي ابتداعها؛ فلو أخطأ لغوي ونصب الفاعل فقال “كتب زيداً رسالة”، لاستطاع نحوي متعسف أن يقول: “هي على الاختصاص والتقدير: كتب أخصُّ زيداً رسالة!”. ولذلك يجب التمييز بين تقدير يفرضه التركيب وتقدير يُفرض قسراً لحل معضلة صناعية.

مقارنة بالحال الجامدة المقبولة:

يذكر بعض النحاة [13] أن الجملة الحالية يجب أن تكون وصفاً صريحاً أو مؤولاً، كقولهم: “جاء صهيب من الروم رومياً” أي مشابهاً للروم. وفي تراكيب مثل “أقبل زيد أسداً”، يفهم السامع مباشرة دون عناء أن المراد “شجاعاً”، فالمعنى الوصفي ماثل في الحال الجامدة ومفهوم بداهة. أما في “جاء زيد والشمس طالعة”، فلم يخطر ببال المتكلم ولا السامع وصف زيد بأنه “شمس طالعة” لا حقيقة ولا مجازاً! فإقحام مشتق خارجي مثل (مقارناً) أو (مصاحباً) إنما هو اختلاق لكلمات غريبة عن الجملة، لتصحيح البنية اللفظية مع بقاء الجملة الأصلية معزولة بلا رابط حقيقي يعود على صاحبها.

————————-

 [1] ابن هشام الأنصاري، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ج2، ص 466.

[2] انظر: ابن جني، رصف المباني في شرح حروف المعاني، ص 418؛ السيوطي، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، تحقيق مكرم، ج3، ص 240؛ الأزهري، المطالع السعيدة، ج1، ص 437؛ محمد الأمير، حاشية الأمير على شرح شذور الذهب، ص 60.

[3] إبراهيم مصطفى، إحياء النحو، ص 125؛ وعبد الله المخزومي، في النحو العربي قواعد وتطبيق، ص 188.

[4] الشيخ محمد إبراهيم الطرفي، التحف الطرفية في توضيح وتكميل شرح الآجرومية، ص 33؛ عباس حسن، النحو الوافي، ج2، ص 315.

[5] علم الدين السخاوي، المفضل في شرح المفصل، ص 711-712.

[6] ابن هشام، مغني اللبيب، ج2، ص 466.

[7] ابن عمرون الحلبي (جمال الدين أبو عبد الله، ت 694هـ)، نحوي بارز له شرح المفصل؛ انظر: عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، ج6، ص 247.

[8] الدسوقي، حاشية الدسوقي على مغني اللبيب، ج2، ص 192؛ ومحمد الأمير، حاشية الأمير على المغني، ج2، ص 100.

[9] السكاكي، مفتاح العلوم (نسخة غير محققة)، ص 50؛ الشمني، شرح المغني، ج2، ص 163؛ السجاعي، حاشية السجاعي على شرح قطر الندى ص 95، وعلى شرح ابن عقيل ص 150؛ الكفراوي، شرح الكفراوي على متن الآجرومية ص 89؛ العطار، حاشية العطار على الأزهرية ص 180؛ الشيخ أحمد بن دحلان، شرح مختصر جداً على متن الآجرومية، ص 32.

[10] البغدادي، خزانة الأدب، ج1، ص 507؛ وابن الحاجب، المفضل في شرح أبيات المفصل (بهامش المفصل للحلبي)، ص 65.

[11] ابن يعيش، البسيط في شرح الكافية، ص 488؛ ابن السبكي، عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، ج3، ص 126، ص 131؛ يس الحمصي، حاشية الحمصي على شرح التصريح، ج1، ص 391؛ الصبان، حاشية الصبان على شرح الأشموني، ج2، ص 19.

[12] محمد بن أحمد الأهدل، صاحب كتاب الكواكب الدرية في شرح المتممة الآجرومية، ص 31-32.

[13] محمد الأمير، حاشية محمد الأمير على شرح شذور الذهب، ص 60.

ترك تعليق