تصنيف بنيات الربط اللغوي: قراءة في ثنائية المعية والحال وتفكيك خلط الصناعة في النظم القرآني

تصنيف بنيات الربط اللغوي: قراءة في ثنائية “المعية والحال” وتفكيك خلط الصناعة في النظم القرآني

يقوم تمايز الأبواب النحوية في اللسان العربي على ضبط المقاصد الدلالية وتوجيه الروابط الصياغية بما يطابق الفطرة اللغوية الحية. ويسلط هذا المقال الضوء على الخلط التركيبي الذي وقع فيه جمهور النحاة عندما عجزوا عن التفرقة بين جمل المقارنة المصاحبة (المعية) وجمل الوصف الهيئوية (الحال)، مطبقين حكماً إعرابياً موحداً على بنى متغايرة في كتاب الله. ويقدم البحث تصنيفاً ثلاثياً محكماً لحالات الربط بالواو يعيد إلى المنظومة الإعرابية اطرادها البلاغي المفقود.

أولاً: معيار الإفراد والخلط الإعرابي في سياق التنزيل

يتفق النحاة قاطبة على حظر ربط “الحال المفردة” بواو الرابط اللفظية؛ فلا يجوز في مستقر اللغة أن يقال: “أقبل زيد ومبتسمًا” بنصب مبتسم على الحالية مع إثبات الواو[1]. وعلة إجماعهم هذا تعود إلى اتحادهم في إدراك المعنى النفسي لحالة الإفراد، وهو تمخض التركيب لبيان وصف زيد بهيئة الابتسام أثناء حدث الإقبال[1]. بيد أن الإحساس اللغوي الأصيل لا يجد أدنى مانع من ربط هذا الاسم المشتق بالواو إن عدلنا بالدلالة نحو معنى المعية؛ بأن نقصد أن زيداً أقبل برفقة شخص آخر غائب اتصف بالابتسام، فحينئذ يتعين إثبات الواو رفعاً لمنسوب المعية، ويكون التقدير السليق: (أقبل زيد ورجلاً مبتسماً)، تماماً كقولنا: “أقبل زيد وخالداً”[2]. فإذا كان النحاة قد فرّقوا بذكاء بين صيغة الربط وعدمه في حالة المفرد بناءً على تمايز المعنى، فإنه كان لزاماً عليهم طرد هذا المقياس في حالة الجملة، لا أن يصابوا بالخلط الصنعي المفْسد للتفسير[2][3].

ويتبدى هذا الفساد التفسيري صراحة عند وقوف النحاة أمام الأسلوب القرآني المعجز في سورة المائدة: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ؛ حيث بادر الجمهور إلى وصم جملة ﴿وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ وجملة ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ معاً بالوصف الحالي، دون تفريق معنوي بينهما سوى أن الأولى اقترنت بالواو والثانية تجردت منها[3][4]. والحقيقة البيانية الناصعة تقرر أن الجملة الأولى أُريد بها أن تسلك مسار المفعول معه الجملة، ولذلك لزمتها واو المعية وجوباً، ليكون المراد: (كيف يصدر منهم تحكيمك مصاحباً ومقترناً بوجود التوراة بين أيديهم؟)[4]. أما الجملة الثانية ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ فقد عريت من الواو لأنها متمحضة لـ معنى الحال الوصفي، لتكون نعتاً أو حالاً للتوراة، مبيناً جلالة قدرها بأنها تشتمل على حكم الله، لتتأهل بهذا الوصف الشريف أن يكون وجودها مانعاً عقلياً وبلاغياً من تحكيم غيرها؛ لأن مَن ملك كتاباً بهذه الصفة وجب عليه الانصياع له، فالجمع بين إقرارهم بالتوراة وبين تحكيم الرسول تناقض، وثبتت المعية بين أمرين لا ثلاثة[4][5].

ثانياً: التصنيف الثلاثي لبنيات الجمل مع الواو

تأسيساً على هذا التمايز المعنوي بين ظلال الحالية وأصول المعية، تخرج الجمل من حيث اقترانها بالواو أو تجردها منها إلى ثلاث صيغ بنيوية محكمة يتحكم فيها المعنى المراد دون قيود اللفظ الصامتة:

بنيات الجمل من حيث الاقتران بالواو

┌────────┐
 الصيغة الأولى    الصيغة الثانية    الصيغة الثالثة 
├──────────────┤
 صلاحية المعيين  تمخض المعية    ترجح الحالية 
 يجوز التركان   يجب الربط  يكثر التجريد
 بحسب القصد)     بالواو)       من الواو 

تمخض بنية الفعل المضارع بين المعية والحال:

يتجلى وجوب ربط الجملة بالواو عند اقتران الفعل المضارع بأداة التقليل والتحقيق (قَدْ)؛ كقوله تعالى في سورة الصف: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ[5]. والنظر البياني يدرك أن هذا التركيب صُيغ لمعنى المعية؛ فالواو رابطة بين فعلين مضارعين قصد المتكلم اقتران حكميهما وتزامنهما في وقت واحد (الإيذاء مع العلم)، وهذا لُب المعية، فتعين الربط بالواو[5][6]. أما إن كان الفعل ماضياً والمستقبل مضارعاً مثبتاً نحو: “أقبل زيد يضحك”، فقد تباعد الفعلان زماناً فتنحى معنى الاقتران المصاحب، وتهيأ الأسلوب لبيان الهيئة والوصف (الحال)، فامتنع الربط بالواو ندرةً وقلة[6]. فإذا جُزم المضارع بـ (لم) نحو قوله الشاعر: (سرت ولم تطلع الشمس)، عاد المضارع بقلب الجازم إلى معنى الماضي، فاتحد الزمانان واقتربا من المصاحبة، فجاز الربط بالواو اتفاقاً لانبعاث دلالة المعية[6][7].

خلو الجملة الاسمية من الضمير العائد:

أجمع النحاة على وجوب إثبات الواو في الجملة الحالية إن خلت من ضمير يعود على صاحب الحال، وهو إقرار غير مباشر منهم بانتفاء الحالية؛ لأن الحال في ذهن الفصيح وصف لصاحبه، فإذا عريت من العائد انقطعت الوصفية وتعينت المعية[7]. وحين تلمح قول الشاعر:

﴿وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا

تجد أن أبا حيان الأندلسي وغيره قد استشكلوا جعل الجملة حالاً مع خلوها التام من العائد[8]، والواقع المعنوي يفيد أن لزوم الواو هنا هو لزوم بنيوي لكون الجملة مفعولاً معه صريحاً، فرابط المفعول معه هو الواو وجوباً، ورابط الحال هو الضمير عوداً، فكلما عريت الجملة من معنى الحال لزمتها واو المعية قضاءً حتماً[8][9].

الجملة المصدرة بضمير منفصل:

ذهب جمهور النحاة إلى إيجاب ربط الجملة الاسمية المبدوءة بضمير منفصل بالواو نحو: “جاءني زيد وهو يسرع”[7]. والتحقيق البنائي يثبت أن الضمير المنفصل هنا لم يؤت به لربط الهيئة بصاحبها -لأن الربط حاصل بالضمير المستتر في الفعل يسرع- وإنما جلبته واو المعية معها لحاجتها التركيبية إلى فاعل مستأنف تؤلف منه وجهاً آخر لذات الذات؛ فيصبح لزيد وجهان: وجه اتصافه بالمجيء، ووجه اتصافه بالسرعة، لتقوم الواو بوظيفتها في ربط هذين الكيانين على معنى المصاحبة[7][10]. ولذلك تشابك مصير الواو والضمير وجوداً وعدماً، وحذْف أحدهما يفْسد البناء لغوياً؛ فلا يقال: (جاءني زيد هو يسرع) ولا (جاءني زيد ويسرع)؛ لأنك تترك المبتدأ بمضيعة كما علل الجرجاني بحق، وإن أخطأ العلة بجعل الوجوب للاستئناف مع بقاء الحالية[10].

ثالثاً: مأخذ الجمهور ومواجهة النظم الفصيح

بسبب إصرار الجرجاني والجمهور على دمج المرتبطة بالواو وغير المرتبطة تحت لواء الحال، وقعوا في مأخذ معرفي خطير؛ حيث حكموا بشذوذ وفساد تجريد الجملة المصدرة بضمير منفصل من الواو، غافلين عن ورود هذا التجريد بكثرة واطراد في أفصح الكلام؛ وهو القرآن الكريم[10][11]. فقد جاء هذا الأسلوب عارياً من الواو بصيغة: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ في عشرة مواضع من التنزيل[12]، وبصيغة: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ في أربعة مواضع[13]، فضلاً عن نظائرها في آل عمران والأنبياء والمؤمنون والزخرف نحو: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا[14]. فكيف يسوغ وصف هذا بالفساد والشذوذ وهو يملأ آيات الذكر الحكيم؟[11]

والحقيقة الدلالية أن الضمير في الشواهد المجرودة من الواو (نحو آية البقرة) لم يؤت به لغرض المعية، بل جاء لغرض بلاغي آكد وهو التوكيد والتقرير والإيضاح، أو لإفادة التحقير والإهانة عبر إعادة ذكر المسند إليه بضميره المنفصل استقلالاً، فتمحضت الجملة للحالية والوصفية فامتنع دخول واو المعية عليها[10][14].

وعلى النقيض تماماً، وقع الفريق الثاني (المجيزون للحذف مطلقاً) في مأخذ مناظر؛ إذ أجازوا حذف الواو من مواضع تمخضت للمعية؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، و﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ[15]. فحذف الواو من هذه الآيات يُفسد معناها تماماً؛ لأن امرأة إبراهيم عليه السلام لم تتعجب من كونها عجوزاً في ذاتها، بل تعجبت من الجمع والاقتران بين العقم والولادة، وكذا النهي الإلهي اشتد غلظاً عند اقتران جعل الأنداد بالعلم ببطلانها[15]. ويتضح الفساد المطلق للحذف في شواهد سورة يوسف والقصص والقلم، نحو قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ؛ فحذف الواو يفكك الكلام ويفقد الضمير أجنبيته ومصاحبته للحدث المتقدم[15][16]. ونستنتج يقينًا أن حالات الربط والمنع لا تنصاع لجامد القواعد اللفظية، بل يدير حركتها ميزان المعنى؛ فمتى تعينت المصاحبة وجب الربط بالواو مفعولاً معه جملة، ومتى تمخض الوصف وجب التجريد حالاً خالصاً[16].

—————————-

[1] سيبويه، الكتاب، 1/ 270؛ المبرد، المقتضب، 4/ 300؛ ابن السراج، الأصول في النحو، 1/ 185.

[2] ابن جني، الخصائص، 2/ 412؛ السيرافي، شرح كتاب سيبويه، 3/ 180.

[3] الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1/ 520؛ أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط، 3/ 490.

[4] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 6/ 215؛ ابن كمال باشا، أسرار النحو، ص 150.

[5] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 210؛ وينظر: السيوطي، همع الهوامع، 1/ 422.

[6] الرضي الاستراباذي، شرح كافية ابن الحاجب، 2/ 114؛ ابن يعيش، شرح المفصل، 2/ 77.

[7] ابن مالك، تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ص 112؛ ابن الناظم، شرح ألفية ابن مالك، ص 135.

[8] أبو حيان الأندلسي، تقريب المقرب، ص 64؛ وينظر تخرجه في: البحر المحيط، 1/ 190.

[9] الأشموني، شرح الأشموني على الألفية، 3/ 140؛ الصبان، حاشية الصبان، 2/ 195.

[10] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 215-216.

[11] ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، 2/ 505؛ وينظر: عباس محمد السامرائي، التأويل النحوي، 1/ 779.

[12] الشواهد العشرة في سورة البقرة (الآيات: 39، 81، 217، 257، 275)، آل عمران (116)، الأعراف (36)، يونس (27)، الرعد (5)، المجادلة (17).

[13] الشواهد الأربعة في البقرة (82)، الأعراف (42)، يونس (26)، هود (23).

[14] الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة، ص 23؛ وينظر: الهاشمي، جواهر البلاغة، ص 123.

[15] الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، 2/ 158-159؛ ابن الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف، مَسألة واو الحال.

[16] عباس حسن، النحو الوافي، 2/ 350-355؛ وينظر: فاضل السامرائي، معاني النحو، 2/ 225.

ترك تعليق