تهافت فرضية الزيادة في الواو: قراءة نقدية لإعادة الاعتبار للمعية الجملية في التركيب الخبري والوصفي

تهافت فرضيّة الزيادة في “الواو”: قراءة نقدية لإعادة الاعتبار للمعية الجملية في التركيب الخبري والوصفي

تمثل دعوى “زيادة الحروف” في المصنفات النحوية ملجأً صناعياً تذرّع به النحاة لتبرير عجز القواعد الصورية عن احتواء الأساليب الحية التي تتجاوز أطر التقعيد الجامد. ويعمل هذا المقال على تفكيك دعوى زيادة الواو الداخِلة على الجمل الوصفية أو الخبرية، مستنداً إلى أصول الفصيقة التي تأبى حشو اللسان بما لا فائدة فيه. ويكشف البحث بالدليل القاطع أن هذه الواوات المرذولة بالزيادة ليست سوى “واو المعية” الجملية التي وضعت لتأدية غرض دلالي وبلاغي أصيل.

أولاً: أصل منع الزيادة ومآزق التقعيد

على الرغم من أن جمهور النحاة لم يتجرؤوا على القول صراحة بزيادة الواو الرابطة بين الحال وصاحبها تشرييعاً، إلا أنهم اضطروا إلى إعلان زيادتها قسراً في المواضع التي قررت قواعدهم امتناع الربط فيها؛ كدخول الواو على الجملة الفعلية الماضوية الواقعة حالاً بعد أداة الحصر (إلّا)، وكذا ادعاء زيادتها عند دخولها على الجمل الخبرية المحضة، أو الجمل الوصفية (النعوت) عند من أجاز ذلك من النحويين[1]. ويقودنا هذا الصنيع إلى مراجعة الموقف النقدي الأصيل من مسألة الزيادة؛ إذ يقرر الإمام ابن جني حقيقة أصولية بقوله: “اعلم أن الحروف لا يليق بها الزيادة ولا الحذف”[2]. وينقل ابن إياز النحوي أن إمام الصناعة الخليل بن أحمد الفراهيدي أبى إباءً قاطعاً القول بزيادة الواو، معتبراً مذهب المنع هو الأرجح؛ لأن الحروف وضعها قائم على النيابة عن الأفعال اختصاراً، فزيادتها دون معنى يناقض علة وضعها ابتداءً[3].

وفي ذات السياق البياني، يؤكد ابن قيم الجوزية أن زيادة الواو كحرف مهمل لغو غير معروف في كلام العرب الفصحاء، ولا يليق مطلقاً بأسفه كلام البشر وأقله فصاحة أن يتضمن حرفاً زائداً عارياً عن المعنى والفائدة، فكيف يستقيم إذن أن ينسب النحاة هذه الزيادة لكتاب الله جل وعلا؟[4] حيث تهافتوا على القول بزيادة الواو في نصوص التنزيل المحكمة، كقوله سبحانه في سورة الحجر: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ، زاعمين أن الواو حشو صوري دخل على الجملة الوصفية[5][6].

ثانياً: تناقض الأحكام بين الوجوب والفساد

إن ادعاء زيادة الواو الداخلة على الجمل الوصفية أو الخبرية يصطدم مباشرة بأبواب أخرى أوجب فيها النحاة أنفسهم ذكر هذه الواو؛ إذ يتفقون على وجوب ربط كل جملة مبدوءة بضمير منفصل بالواو في نحو قولنا: “أقبل رجل وهو يضحك”، و”بات الفقير وهو جائع”، معتبرين حذف الواو في هذه المواضع خروجاً غير مستساغ عن سنن البيان، بل إن الإمام عبد القاهر الجرجاني صرّح بفساد التركيب إن خلعنا منه الواو[7]. ولكننا نراهم ينقضون هذا الوجوب استساغةً للحذف عند وقوفهم أمام شواهد الشعر العربي كقول الشاعر:

﴿فَلَمَّا صَرَّحَ الشَّرُّ… فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيَانُ

حيث تراجعوا وزعموا أن القياس الفصيح في هذا الموضع يقتضي حذف الواو، وأن يقال: (فأمسى هو عريان)[7][8]!

وكذلك يتجلى الاضطراب في حكمهم بزيادة الواو في الجمل الحالية الواقعة بعد (إلا) عندما تتجرد الجملة من الضمير العائد، نحو قولهم: “ما أمطرت السماء إلا ونبت الزرع”[8]. والحقيقة البيانية المنقذة لهذا الاضطراب هي أن الواو في هذه المواقع والنظائر ليست حرفاً زائداً مهملاً، بل هي واو المعية الصريحة؛ إذ يعمد المتكلم بوعيه البلاغي إلى نقل الجملة من حيز الخبرية أو الوصفية أو الحالية المحضة ليجعلها مفعولاً معه جملة، استغناءً بمعيار المصاحبة والاقتران الزمني الكلي عن معاني الوصف أو النعت، فتربط الجملة بالواو لتأدية هذا الغرض الدلالي الجديد[9].

ثالثاً: بدائل الحل المعنوي واستغناء النواقص بالمعية

وإن أثير التساؤل والاعتراض النظري: إذا كان يجوز في باب الصفة والحال أن يحل محلهما المفعول معه لاتحادهما في كونهما من الفضلات، فكيف يجوز للمفعول معه الجملة أن يحل محل “الخبر” وهو من العمد والركائز التركيبية؟[9]

فالجواب الحاسم أننا لم نشذ في هذا التوجيه عن سنن التفكير النحوي؛ فقد وجدنا من كبار النحاة من صرف الواو الداخلة على الجملة الخبرية بجعلها واو حال، ولا فرق في رتبة التركيب وفلسفتها بين الحال الجملة والمفعول معه الجملة من جهة الفضلية[9][10]. ومن جهة أخرى، فإن النحو العربي يستقر فيه قياساً أو شذوذاً حلول الحال محل الخبر وسد مسده؛ كقولهم شذوذاً: “وهم عاقدي أُزُرِهم” بنصب عاقدي على الحالية في موضع الخبر، أو قياساً مطرداً في نحو قولهم: “ضربي العبدَ مسيئاً”[10][11].

علاوة على ذلك، فإن النحاة مجمعون على أن المبتدأ في أسلوب: “كلُّ رجلٍ وضيعتُه” قد استغنى استغناءً تاماً عن ذكر الخبر اللفظي، ويصرحون في متونهم بأن هذا التركيب قائم على تقدير دلالي محكم هو: (كل رجل مع ضيعته)، وبذلك تم المعنى واستقر دون خبر[11]. فإذا كان يصح في سنن اللسان استغناء المبتدأ العمدة عن خبره بمحض واو المعية وأثر المفعول معه، فإن جواز استغناء الأفعال الناقصة (كان وأخواتها) عن أخبارها اللفظية بذات الواو وبنية المعية الجملية يكون أكثراً احتمالاً وأقرب قياساً[11][12].

إن مأخذ القول بالزيادة يكمن في أنه يسد باب اللغة تجاه توليد المعاني؛ فالزيادة تقتضي جواز الحذف والإتيان دون أثر معنوي مع منع القياس عليها، والنحاة بحكمهم بزيادة الواو لم يلغوا معنى المعية الجملية الشريف فحسب، بل حظروا الطاقات التوليدية للسان العربي[12]. ونخلص بيقين إلى أن منعهم لوقوع المفعول معه جملة ألجأهم إلى انتزاع دلالة المعية عن الواو، فبقيت في أعينهم مجردة عاطلة، فوصموها بالزيادة ووقعوا في معضلة هذا المأخذ الصناعي المصنوع[12].

 

——————————–

 [1] سيبويه، الكتاب، 1/ 420؛ المبرد، المقتضب، 3/ 115؛ ابن السراج، الأصول في النحو، 2/ 88.

[2] ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1/ 271.

[3] ابن إياز النحوي، قواعد المطارحة، ص 205-206.

[4] ابن قيم الجوزية، التفسير القيم (جامع التفسير)، ص 424-425.

[5] بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1/ 440-441؛ وينظر: الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، 3/ 273-274.

[6] أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 5/ 430.

[7] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 215-216؛ وينظر: عباس محمد السامرائي، دراسة في حروف المعاني الزائدة، ص 239-240.

[8] الرضي الاستراباذي، شرح كافية ابن الحاجب، 2/ 190؛ ابن يعيش، شرح المفصل، 2/ 102.

[9] السيوطي، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، 1/ 445؛ وينظر: الأزهري، التصريح على التوضيح، 1/ 398.

[10] ابن مالك، شواهد التصحيح والتوضيح في أسرار التنقيح، 1/ 170.

[11] ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، 1/ 210؛ وينظر: الخضري، حاشية الخضري، 1/ 145.

[12] عباس حسن، النحو الوافي، 2/ 315-318؛ وينظر: إبراهيم السامرائي، دراسات في اللغات العربية، ص 162.

ترك تعليق