اضطراب التقعيد في الجمل الاسمية المتقدم خبرها: تفكيك دعوى التقدير القسري أمام الاطراد الفصيح
اضطراب التقعيد في الجمل الاسمية المتقدم خبرها: تفكيك دعوى التقدير
القسري أمام الاطراد الفصيح
تقف البنية التركيبية للنظم القرآني شاهداً أصيلاً على حركية
اللسان العربي وتجاوزه للرؤى الصورية الضيقة التي حاول بعض النحاة فرضها على
التراكيب الحالية والصفية.
ويناقش هذا المقال التناقض الصارخ الذي وقع فيه الفكر الإعرابي عند
معالجة الجمل الاسمية التي تقدم خبرها الظرفي أو الجاري والمجرور على مبتدئها، حيث
عُمد إلى قسرها تحت وطأة “الواو المقدرة”. ويكشف البحث عن تهافت هذا
التقدير التكلفي أمام اعتراف النحاة أنفسهم بأن تجريد هذا الأسلوب من الواو هو
الأكثري والأفصح في لغة العرب.
أولاً: النظم القرآني وتكلف التقدير عند النحاة
تذخر الآيات القرآنية الكريمة بجمل اسمية كُتب لها أن تقع في مواقع
الوصف أو الحالية البنيوية، وجاءت تركيبتها مصدّرة بخبرها المتقدم على مبتدئها
المؤخر، مع خلوها التام والمطلق من واو الرابط اللفظية؛ ومثال ذلك قوله سبحانه
وتعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ
أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقوله جل شأنه في سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ
مُحْكَمَاتٌ﴾، وكذلك قوله عز وجل في السورة نفسها: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾[1].
وعند تتبع صنيع المفسرين والمعربين إزاء الآية الأخيرة، نجد أن أبا
جعفر النحاس وهو من أئمة المدرسة البصرية، ومحمد بن جرير الطبري وهو من المحققين
السائرين على هدي الكوفيين، قد تعرضا لإعراب الجملة الاسمية المتقدم خبرها (معه ربيون) الواقعة
موقع الحال، فجذبا الأسلوب قسراً إلى القواعد المسبقة، مقرريْن أن ثمة واواً حالية
حُذفت من النظم، وأن أصل التقدير في القياس الصنعي هو: (قاتل ومعه ربيون)[2][3].
وقد اعتمد هذا التوجيه على
المصادرة القائلة بأن الجملة الاسمية الحالية لا ينقاد قياسها المطرد إلا إذا
ارتبطت بواو الحال اللفظية، مما جعلهم يستشعرون نقصاً بنيوياً في الآية أصلحوه
بالتقدير الذهني[3].
ثانياً: التفرقة الاصطلاحية وتناقض الأحكام
بيد أن المطلع على دقائق المصنفات النحوية يلحظ أن النحاة -وإن
أصلوا لهذا القياس العام- قد اضطروا تحت ضغط الاستعمال العربي الفصيح إلى التفرقة
بين صيغ الجمل الاسمية الحالية في الأحكام التكليفية؛ فإذا كانوا قد تشدّدوا
وألزموا بربط الجملة الاسمية بالواو بصفة عامة عند التساوي التركيبي، فقد تساهلوا
وتسامحوا في بعض أساليبها الخاصة[4].
حيث قرروا أنه إذا كان خبر
الجملة الاسمية عبارة عن شبه جملة (ظرف أو جار ومجرور) متقدماً على المبتدأ، فإن الأكثر والأفصح والأكثر شيوعاً في كلام
العرب هو ترك الواو وتجريد البنية منها، فضلاً عن جوازه عقلاً[4][5].
وقد صرّح بهذه المزية التركيبية كبار أئمة البلاغة والنحو؛ ومنهم
الإمام عبد القاهر الجرجاني في أبحاثه النظمية، والمطرزي في شروحه البلاغية، وابن
كمال باشا في لفتاته النحوية، بل إن النقول المعرفية تجاوزت ذلك لتبلغ حد نقل
الإجماع والإلزام عن الإمام الأخفش، الذي ذهب إلى أبعد من ذلك فلم يُجز دخول الواو
أصلاً في هذا الضرب المخصوص من الجمل الاسمية المتقدم خبرها شبه الجملة[6][7][8].
وبناءً عليه، يصبح مجيء الجملة عارية من الواو في هذا الباب هو الناموس اللغوي
السائد والوجه المفضل في الفصاحة الحقة.
ثالثاً: مأخذ التقدير في مواجهة الكثرة الاستعمالية
أمام هذه الحقيقة النحوية والبيانية، يبرز التساؤل الحِجاجي الذي
يفكك عرى التقدير الصوري: إذا كان الوجه الأكثر والأفصح في الجملة الاسمية المتقدم
خبرها لكونه شبه جملة -كما هو الحال في قوله تعالى: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾– هو انفرادها بالضمير العائد وعرّوها من الواو، فكيف يستقيم في
منطق التقعيد العلمي أن يُجعل “الربط بالواو” هو الأصل والقاعدة؟[5][9]
وكيف يستسيغ العقل النحوي إيجاب تقدير أداة محذوفة في النظم القرآني، مع أن حذف
هذه الأداة وتجريد الكلام منها هو الوجه الذي يمثل الكثرة الاستعمالية والذروة
البيانية؟[9]
إن هذا الصنيع يمثل أحد المآخذ الكبرى التي تورطت فيها نظرية
“واو الحال”؛ حيث أدّت إلى إحداث فجوة بين واقع اللغة المطرد وبين
القواعد الصورية المتخيلة. فالجملة الاسمية المتقدم خبرها شبه الجملة تستغني
استغناءً تاماً عن الواو لأن تقدم الظرف يعطي الكلام قوة وصل صياغية تربط المبتدأ
المؤخر بالحدث المتقدم مباشرة دون حاجة لوسيط أجنبي، وتقدير الواو هنا ليس إلا
محاولة بائسة لحماية قاعدة “واو الحال” من الانهيار أمام فصاحة النظم
التنزيلية التي جاءت على الوجه الأكثري دون رابط لفظي[10].
—————————-
[1] ينظر: أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 2/ 240؛
الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1/ 312.
[2] أبو جعفر النحاس، القطع والائتناف، ص 237.
[3] محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري)،
7/ 265.
[4] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 202؛ وينظر: السيوطي،
همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، 1/ 412.
[5] ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، 2/ 380؛ الأزهري،
التصريح على التوضيح، 1/ 440.
[6] ناصر الدين المطرزي، حاشية الدسوقي على مختصر التفتازاني
لتلخيص المفتاح (ضمن
كتاب شروح التلخيص)، 3/
153.
[7] ابن كمال باشا، أسرار النحو، ص 139-140.
[8] الهواري الأندلسي، شرح ألفية ابن مالك (مخطوط)، ورقة
99.
[9] الرضي الاستراباذي، شرح كافية ابن الحاجب، 2/ 145؛ ابن يعيش،
شرح المفصل، 2/ 92.
[10] عباس حسن، النحو الوافي، 2/ 345؛ وينظر: فاضل السامرائي،
معاني النحو، 2/ 210.
