المسار الإقصائي للمعية الجملية: معاينة نقدية للتأويلات الصناعية وأثرها في تشتيت المعنى البلاغي
المسار الإقصائي للمعية الجملية: معاينة نقدية للتأويلات الصناعية
وأثرها في تشتيت المعنى البلاغي
إن من أشد العواصف التي ضربت استقرار الفكر النحوي القديم هي
النزعة “التقديرية والتأويلية” التي لا مبرر لها، لاسيما حين تتصادم
القواعد المجردة مع فصيح الكلام وعفويته. ويسعى هذا المقال إلى كشف المسار
الإقصائي الذي انتهجه النحاة للتخلص من مفهوم المعية الجملية، مبيناً كيف تحول
التأويل من أداة لخدمة المعنى إلى غاية مستقلة بذاتها زادت المشهد النحوي تعقيداً.
كما يطرح البحث سبل إعادة قراءة التراكيب اللغوية وفق فلسفة المصاحبة الكلية
والاتحاد البنائي بين شقي الجملة.
أولاً: أزمة التوالد التأويلي في الفكر البصري
حين يقرر الباحث المعاصر تأمل الترسانة التأويلية التي وضعها
الجمهور لإبعاد الجمل الاسمية عن حيز المفعول معه، يجد نفسه أمام “متاهة
بنيوية” حقيقية؛ فكلما تخلص النحاة من مأخذ إعرابي عبر تأويل ما، اصطدموا
بعقدة بلاغية أو تركيبية أشد تعقيداً من سابقتها[1].
إن الفلسفة التقعيدية التي قامت عليها المدرسة البصرية كانت تنظر
إلى “المنصوبات” بوصفها فضلة لا تستحق شغل حيز الجمل المستقلة، فلما رأوا
أن جملة مثل: “جاء زيد والشمس طالعة” تفيد الجمع اللفظي والزمني، كان
المخرج الأيسر لديهم هو قلب دلالة الواو وصرفها إلى الحالية[1][2].
بيد أن هذا الصرف قادهم مباشرة إلى مأزق “تقدير المفرد”،
فادعوا أن الجملة الاسمية تؤول بـ (مقترناً بطلوع الشمس)، وهنا وقعوا في تناقض صارخ؛ إذ كيف تُمنع الجملة من الحلية
والمفعولية معاً في أصل وضعها، ثم يُسمح لها بالدخول إلى باب الحال عبر بوابة
“التأويل بالمفرد”؟[2][3] إن هذا التوالد التأويلي -الذي وصفه المحققون
بأنه صار مشكلة تحتاج إلى حل- أدى إلى تجريد اللسان العربي من عفويته، وحوّل النحو
من علم يعنى بصيانة المعنى إلى صناعة ذهنية تتوخى سلامة القالب الصوري ولو على
حساب المضمون البلاغي[3][4].
ثانياً: تفكيك نظرية “الرابط” وأثرها في تشتيت المعنى
لقد اشترط النحاة لوقوع الجملة حالاً وجود رابط يربطها بصاحب
الحال، وجعلوا هذا الرابط إما الضمير، أو الواو، أو هما معاً[5].
وحين نقوم بتفكيك هذه الفرضية، يتضح لنا أن اشتراط الواو رابطاً في
الجمل الاسمية كان حيلة صناعية لتبرير إقصاء المعية؛ فالواو في حقيقتها الفطرية
ليست أداة ربط بين (هيئة
وصاحبها)، بل هي أداة
“مقارنة ومصاحبة” تربط بين حدثين وقعا في آن واحد[5][6].
إن تشتيت المعنى البلاغي يتجلى بوضوح عندما نقارن بين جملتين:
الأولى (خالية من الواو):
“جاء زيدٌ
يضحكُ”، فجملة (يضحك) هنا تبين هيئة زيد بدقة، والإحساس اللغوي يدرك أن الضحك صفة
ملازمة لزيد في وقت المجيء، دون حاجة لأي أداة مصاحبة[6].
الثانية (مقترنة بالواو):
“جاء زيدٌ والناسُ
نائمون”، فالنوم هنا ليس صفة لزيد، ولا بيان لهيئته النفسية أو الجسدية، بل
هو حدث خارجي واكب حدث المجيء وزامنه[7].
فعزل الجملة الثانية عن باب المعية، وإقحامها في باب الحال، جعل
النحاة يتخبطون في البحث عن “ضمير مستتر” أو “عائد محذوف”
يربط النوم بزيد، بينما الواقع البياني يصرخ بأن الرابط الوحيد هو “المصاحبة
الزمنية المطلقة” التي تمثلها واو المعية أصدق تمثيل[7][8].
ثالثاً: نحو رؤية توحيدية لباب المصاحبة
إن المخرج العلمي الحاسم الذي تتبناه هذه الأطروحة يكمن في إلغاء
التفرقة المصطنعة بين المفرد والجملة في باب المعية؛ فالعرب الذين نصبوا الأسماء
بعد واو المصاحبة هم أنفسهم الذين أتوا بالجمل الاسمية بعدها لذات الغرض
البلاغي[9].
ويجب بناءً على هذا التأسيس إعادة صياغة القاعدة لتصبح: (كل واو تفيد مصاحبة ما بعدها لما قبلها زماناً أو مكاناً دون قصد
التشريك في الحكم الإيجادي، فهي واو معية، وما بعدها -مفرداً كان أو جملة- يدخل في
باب المفعول معه)[9][10].
إن هذه الرؤية التوحيدية كفيلة بإنهاء القرون المتطاولة من الجدل
النحوي، وتوفر على الدارسين عناء التقدير والتأويل الكلفوي، وتنقذ الآيات القرآنية
من وصمة “الخروج على القياس”؛ فجملة: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا
اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، وجملة: ﴿فُوهُ إِلَى فِيَّ﴾ في كلام العرب، تصبحان جملتين فصيحتين جاريتين على أصل القياس
الفطري المستغني عن الواو المصنوعة، لكونهما تبينان الهيئة بمحض دلالتهما
التركيبية، وتظل الواو متمحضة لمعاني الاقتران والمصاحبة الكلية في لغة
الضاد[10][11].
——————–
[1] سيبويه، الكتاب، 1/ 310؛ المبرد، المقتضب، 4/ 245؛ ابن السراج،
الأصول في النحو، 1/ 205.
[2] ابن جني، الخصائص، 2/ 480؛ السيرافي، شرح كتاب سيبويه، 3/ 224.
[3] عبد القاهر الجرجاني، المقتصد في شرح الإيضاح، 1/ 512؛
السيوطي، همع الهوامع، 1/ 430.
[4] ابن مالك، شرح التسهيل، 2/ 360؛ الأشموني، شرح ألفية ابن مالك،
2/ 192.
[5] الرضي الاستراباذي، شرح كافية ابن الحاجب، 2/ 128؛ ابن يعيش،
شرح المفصل، 2/ 90.
[6] ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، 2/ 365؛ الأزهري،
التصريح على التوضيح، 1/ 425.
[7] أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 5/ 115؛ الخضري،
حاشية الخضري على شرح ابن عقيل، 1/ 230.
[8] عباس حسن، النحو الوافي، 2/ 325؛ إبراهيم السامرائي، دراسات في
اللغات العربية، ص 140.
[9] محمد الأنطاكي، المحيط في أصوات العربية ونحوها وصرفها، 2/
125؛ وينظر: فاضل السامرائي، معاني النحو، 2/ 202.
[10] صدر الأفاضل الخوارزمي، شرح المفصل (مخطوط)، ورقة 92؛ ياقوت
الحموي، معجم الأدباء، 5/ 215.
[11] الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 4/ 362؛ وينظر: السامرائي،
الفعل زمانه وأبنيته، ص 158.
